سجن اختيارى.. متولى وشفيقة.. و ولاد البطة السودا

3 مسرحيات فى بروجرام واحد !

ولاد البطة السودا
ولاد البطة السودا


أسامة‭ ‬عبد‭ ‬اللطيف

سجن‭ ‬اختيارى‭..  ‬متولى‭ ‬وشفيقة‭..  ‬و‭ ‬ولاد‭ ‬البطة‭ ‬السودا

بحساب‭ ‬الورقة‭ ‬والقلم‭.. ‬ما‭ ‬يحدث‭ ‬في‭ ‬مسارح‭ ‬مصر‭ ‬يقترب‭ ‬من‭ ‬المعجزة،‭ ‬فبأقل‭ ‬القليل‭ ‬ينتج‭ ‬مبدعو‭ ‬المسرح‭ ‬عروضا‭  ‬لا‭ ‬تتوقف‭ ‬عن‭ ‬إدهاش‭ ‬جمهوره،‭  ‬فبينما‭ ‬يستعد‭ ‬مبدع‭ ‬للانسحاب‭ ‬يفاجأ‭ ‬ببقعة‭ ‬نور‭ ‬في‭ ‬زاوية‭ ‬ما،‭ ‬تجعله‭ ‬يعاود‭ ‬المحاولة‭ ‬من‭ ‬جديد،‭ ‬متناسيا‭ ‬معوقات‭ ‬ضغطت‭ ‬عليه،‭ ‬وظروفا‭ ‬إدارية‭ ‬حاولت‭ ‬خنقه،‭ ‬متراجعا‭ ‬عن‭ ‬يأسه،‭ ‬يعود‭ ‬من‭ ‬جديد‭ ‬باحثا‭ ‬عن‭ ‬رحلة‭ ‬جديدة‭ ‬يتطلع‭ ‬فيها‭ ‬لتلقي‭ ‬إعجاب‭ ‬عشاق‭ ‬المسرح‭.‬

 

‭ ‬في‭ ‬القاهرة‭ ‬لاتحتاج‭ ‬لمهرجان‭ ‬ينير‭ ‬مسارحها،‭ ‬فهي‭ ‬في‭ ‬مهرجان‭ ‬دائم،‭ ‬في‭ ‬أصعب‭ ‬الظروف‭ ‬وفي‭ ‬أي‭ ‬وقت‭ ‬لن‭ ‬تجد‭ ‬مسارحها‭ ‬تغلق‭ ‬أبوابها‭ ‬بشكل‭ ‬كامل،‭ ‬فالمغلق‭ ‬منها‭ ‬يستعد‭ ‬لعرض،‭ ‬والمحبط‭ ‬منها‭ ‬يقاوم‭.. ‬لا‭ ‬ينقص‭ ‬الحركة‭ ‬المسرحية‭ ‬إلا‭ ‬إنعاش‭ ‬القطاع‭ ‬الخاص‭ ‬الذي‭ ‬يندر‭ ‬وجوده‭ ‬حاليا،‭ ‬وإن‭ ‬كان‭ ‬بين‭ ‬وقت‭ ‬وآخر‭ ‬يعلن‭ ‬عن‭ ‬نفسه‭ ‬في‭ ‬محاولات‭ ‬محدودة،‭ ‬كما‭ ‬تلح‭ ‬الكلمة‭ ‬الخالدة‭ ‬وهي‭ ‬كيف‭ ‬يصل‭ ‬مسرح‭ ‬الدولة‭ ‬لمستحقيه؟

‭ ‬وفي‭ ‬الأسبوع‭ ‬الماضي،‭ ‬شاهدث‭ ‬ثلاثة‭ ‬تجارب‭ ‬مسرحية‭ ‬بمذاقات‭ ‬مختلفة،‭ ‬اثنان‭ ‬هما‭ ‬سجن‭ ‬اختياري‭ ‬ومتولي‭ ‬وشفيقة‭ ‬على‭ ‬مسرح‭ ‬الطليعة‭ ‬والثالث‭ ‬ولاد‭ ‬البطة‭ ‬السودا‭  ‬على‭ ‬مسرح‭ ‬الهناجر‭.‬

قيمة‭ ‬الحرية‭ ‬في‭ ‬سجن‭ ‬اختياري

‭ ‬نجح‭ ‬مخرج‭ ‬العرض‭ ‬باسم‭ ‬كرم‭ ‬مستندا‭ ‬لنص‭ ‬محمود‭ ‬جمال‭ ‬حديني‭ ‬في‭  ‬أن‭  ‬يحول‭ ‬خشبة‭ ‬قاعة‭ ‬صلاح‭ ‬عبد‭ ‬الصبور‭ ‬إلى‭ ‬سجن‭ ‬اختياري،‭ ‬و‭ ‬اقناع‭ ‬الجمهور‭ ‬بأن‭ ‬الشقة‭ ‬الفاخرة‭ ‬التي‭ ‬يجلس‭ ‬فيها‭ ‬أصدقاء‭ ‬قدامى‭ ‬يتذكرون‭ ‬أيام‭ ‬الجامعة‭ ‬هي‭ ‬في‭ ‬الحقيقة‭ ‬سجن‭.. ‬حالة‭ ‬اختناق‭ ‬تسيطر‭ ‬على‭ ‬المشاهد‭ ‬ليجد‭ ‬نفسه‭ ‬مع‭ ‬أبطال‭ ‬العرض‭ ‬في‭ ‬السجن،‭ ‬ومع‭ ‬فتحة‭ ‬كل‭ ‬باب‭ ‬يشعر‭ ‬المشاهد‭ ‬بشيء‭ ‬من‭ ‬الانعتاق‭. ‬فصاحب‭ ‬الشقة‭ ‬أفقر‭ ‬أعضاء‭ ‬الشلة‭ ‬وأقلهم‭ ‬اجتماعيا‭ ‬يعود‭ ‬بعد‭ ‬غياب،‭ ‬بالغ‭ ‬الثراء،‭ ‬مستعرضا‭ ‬عليهم‭ ‬بما‭ ‬حققه،‭ ‬كأنه‭ ‬يداري‭ ‬عقدة‭ ‬نقص‭ ‬جعلت‭ ‬زميلته‭ ‬ترفض‭ ‬الارتباط‭ ‬به‭ ‬لأنه‭ ‬غير‭ ‬لائق‭ ‬اجتماعيا،‭ ‬وهو‭ ‬يعرض‭ ‬عليهم‭ ‬لعبة‭ ‬جهنمية‭ ‬ورهان‭ ‬قاتل،‭ ‬أن‭ ‬يعطي‭ ‬آخر‭ ‬من‭ ‬يغادر‭ ‬شقته‭ ‬مليوني‭ ‬دولار‭ !! ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬يحمل‭ ‬رسالة‭ ‬ضمنية‭ ‬عن‭ ‬أي‭ ‬جحيم‭ ‬دخلوه،‭ ‬فقد‭ ‬فقد‭ ‬معظمهم‭  ‬إنسانيته،‭ ‬الزوجة‭ ‬تتخلى‭ ‬عن‭ ‬زوجها‭ ‬وتصر‭ ‬على‭ ‬البقاء،‭ ‬والمحامي‭ ‬الانتهازي‭ ‬الذي‭ ‬يمتنع‭ ‬عن‭ ‬حضور‭ ‬جنازة‭ ‬والده‭ ‬ولا‭ ‬يشغله‭ ‬إنقاذ‭ ‬طفله،‭ ‬والمتآمر‭ ‬على‭ ‬حلم‭ ‬زميله‭ ‬في‭ ‬التمثيل،‭ ‬ومروج‭ ‬المخدرات،‭ ‬وفتاة‭ ‬الليل‭ ‬التي‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬تنكشف‭ ‬أمامها‭ ‬خبايا‭ ‬زملاء‭ ‬العمر‭ ‬تصرح‭ ‬بأنها‭ ‬رغم‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬فيها‭ ‬تبقى‭ ‬أنظفهم‭!! ‬ولا‭ ‬ينجو‭ ‬منهم‭ ‬إلا‭ ‬الذي‭ ‬رفض‭ ‬الدخول‭ ‬في‭ ‬الرهان‭ ‬ليعود‭ ‬لحياته‭  ‬البسيطة‭ ‬مهما‭ ‬كانت‭ ‬منغصاتها‭.. ‬بينما‭ ‬يخرجون‭ ‬الواحد‭ ‬تلو‭ ‬الآخر‭ ‬ولكن‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬تنجرح‭ ‬أرواحهم‭ ‬في‭ ‬رحلة‭ ‬المليوني‭ ‬دولار،‭ ‬لتبقى‭ ‬في‭ ‬النهاية‭ ‬زميلة‭ ‬صاحب‭ ‬الشقة‭ ‬التي‭  ‬رفضت‭ ‬حبه‭ ‬سابقا‭ ‬لتفوز‭ ‬بالجائزة‭ ‬ولتعلن‭ ‬أنها‭ ‬تتطابق‭ ‬معه،‭ ‬فهي‭ ‬باعت‭ ‬نفسها‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬المال‭ ‬كما‭ ‬فعل‭ ‬هو‭ ‬في‭ ‬سنوات‭ ‬غربته‭ ‬حيث‭ ‬يكشف‭ ‬عن‭ ‬دخوله‭ ‬السجن‭ ‬مقابل‭ ‬صفقة‭ ‬مع‭ ‬رجل‭ ‬فاسد‭ ‬يدفع‭ ‬فيها‭ ‬سنوات‭ ‬من‭ ‬عمره‭ ‬في‭ ‬السجن‭.‬

أبطال‭ ‬العمل‭ ‬هم‭ ‬إيهاب‭ ‬محفوظ‭ ‬ويوسف‭ ‬المنصور‭ ‬وأمل‭ ‬عبد‭ ‬المنعم‭ ‬وبولا‭ ‬ماهر‭ ‬ونجاة‭ ‬الإمام‭ ‬وعماد‭ ‬صابر‭ ‬ومحمود‭ ‬البيطار‭ ‬وسيف‭ ‬مرعي‭  ‬وحسين‭ ‬عشماوي‭ ‬وأحمد‭ ‬رضا،‭ ‬وهو‭ ‬الفريق‭ ‬الذي‭ ‬أمتع‭ ‬جمهور‭ ‬العرض‭ ‬و‭ ‬اجتهد‭ ‬في‭ ‬تنفيذ‭ ‬تعليمات‭ ‬المخرج،‭ ‬وجعلوا‭ ‬المشاهد‭ ‬يسترجع‭ ‬أيام‭ ‬دراسته‭ ‬وشلة‭ ‬الجامعة‭ ‬أو‭ ‬المدرسة،‭ ‬كما‭ ‬اشتركوا‭ ‬في‭ ‬أداء‭ ‬جماعي‭ ‬بسيط‭ ‬ومنضبط‭ ‬لا‭ ‬يخلو‭ ‬من‭ ‬كوميديا‭ ‬في‭ ‬تأكيد‭ ‬الرسالة‭ ‬عن‭ ‬قيمة‭ ‬الحرية‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تقدر‭ ‬بمال،‭ ‬لدرجة‭ ‬أن‭ ‬يتأكد‭ ‬الشعور‭ ‬بأن‭ ‬الفائز‭ ‬الحقيقي‭ ‬هو‭ ‬الذي‭ ‬خسر‭ ‬الرهان‭ ‬وهرب‭ ‬بروحه‭ ‬مهما‭ ‬كانت‭ ‬جروحه‭ ‬،‭ ‬وأن‭ ‬الوحيدة‭ ‬التي‭ ‬فازت‭ ‬بحقيبة‭ ‬المليوني‭ ‬دولار‭ ‬هي‭ ‬أكبر‭ ‬الخاسرين‭ .‬كأن‭ ‬لسان‭ ‬حالها‭ ‬يقول‭ ‬ماذا‭ ‬لو‭ ‬كسب‭ ‬الإنسان‭ ‬العالم‭ ‬وخسر‭ ‬نفس

‭  ‬متولى‭ ‬وشفيقة‭ ‬رواية‭ ‬جديدة‭ ‬قديمة

‭ ‬لن‭ ‬تبتعد‭ ‬عن‭ ‬قاعة‭ ‬سجن‭ ‬اختياري‭  ‬إلا‭ ‬أمتار‭ ‬حتى‭ ‬تجد‭ ‬نفسك‭ ‬في‭ ‬قاعة‭ ‬زكي‭ ‬طليمات‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬الصعيد‭ ‬الجواني‭ ‬مع‭ ‬رؤية‭ ‬جديدة‭ ‬لحكاية‭ ‬شفيقة‭ ‬ومتولي،‭ ‬ولكن‭ ‬هذه‭ ‬المرة‭ ‬باسم‭ ‬“متولي‭ ‬وشفيقة”‭ .. ‬فالحكاية‭ ‬الشعبية‭ ‬قدمت‭ ‬القصة‭ ‬كمأساة‭ ‬عاشتها‭ ‬شفيقة،‭ ‬بينما‭ ‬العرض‭ ‬المسرحي‭ ‬الذي‭ ‬كتبه‭ ‬محمد‭ ‬علي‭ ‬إبراهيم‭ ‬وأخرجه‭ ‬باقتدار‭ ‬أمير‭ ‬اليماني‭ ‬يتناول‭ ‬القصة‭ ‬من‭ ‬ناحية‭ ‬متولي‭ ‬الذي‭ ‬قتل‭ ‬روحه‭ ‬وهو‭ ‬يقتل‭ ‬شفيقة‭.. ‬يعود‭ ‬متولي‭ ‬من‭ ‬سجنه‭ ‬الذي‭ ‬دخله‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬قتل‭ ‬شفيقة‭ ‬التي‭ ‬يعتبر‭ ‬نفسه‭ ‬أبيها‭ ‬وأخيها،‭ ‬تطارده‭ ‬خيالات‭ ‬لا‭ ‬تتوقف‭ ‬حيث‭ ‬يستعيد‭ ‬أحاديثه‭ ‬مع‭ ‬شفيقة‭ ‬طفلة‭ ‬ومراهقة‭ ‬وشابة‭..‬متولى‭ ‬يقتل‭ ‬ليمكنه‭ ‬رفع‭ ‬رأسه‭ ‬بين‭ ‬الناس،‭ ‬فيتلقى‭ ‬التهنئة‭ ‬وقلبه‭ ‬يتمزق،‭ ‬يقتل‭ ‬شفيقة‭ ‬التي‭ ‬بموتها‭ ‬تنزع‭ ‬روحه‭ ‬معها‭ ‬ليبقى‭ ‬معذبا‭ ‬يعجز‭ ‬عن‭ ‬أن‭ ‬يحب،‭ ‬فالقاتل‭ ‬لا‭ ‬يحب‭ ‬ولأن‭ ‬“الشرخ‭ ‬الذي‭ ‬أصاب‭ ‬الطبق”‭  ‬أصاب‭ ‬روحه‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه،‭ ‬حتى‭ ‬جدران‭ ‬منزله‭ ‬تتحول‭ ‬لأشباح‭ ‬تحاكمه‭ ‬وتساءله‭ ‬عن‭ ‬فعلته‭. ‬

وضم‭ ‬العرض‭ ‬المسرحي‭ ‬عرضا‭ ‬موازيا‭ ‬تمثل‭ ‬في‭ ‬حركة‭ ‬متمكنة‭ ‬من‭ ‬مجموعات‭ ‬تلتصق‭ ‬بجدران‭ ‬البيت‭ ‬حتى‭ ‬لا‭ ‬تفرقها‭ ‬عنه،‭ ‬ثم‭ ‬تعود‭ ‬لتحاصره‭ ‬وتكون‭ ‬تشكيلات‭ ‬تكمل‭ ‬الحكاية‭ ‬وتشرحها،‭ ‬وكأن‭ ‬المخرج‭ ‬يقدم‭ ‬عرضا‭ ‬موازيا‭ ‬لو‭ ‬اكتفى‭ ‬به‭ ‬لقدم‭ ‬عرضا‭ ‬حركيا‭ ‬يعتمد‭ ‬على‭ ‬سينوغرافيا‭ ‬مبدعة‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يحمل‭ ‬عنوان‭ ‬المسرحية‭ ‬نفسها‭ ‬بأداء‭ ‬حركي‭ ‬يستغني‭ ‬عن‭ ‬الحوار‭ ‬ويصل‭ ‬للجمهور،‭ ‬ولكن‭ ‬المخرج‭ ‬أمير‭ ‬اليماني‭ ‬أمتع‭ ‬الجمهور‭ ‬بفريق‭ ‬من‭ ‬ممثلي‭ ‬المسرح‭ ‬قدموا‭ ‬أداءا‭ ‬متناغما،‭ ‬خاصة‭ ‬محمد‭ ‬فريد‭ ‬في‭ ‬دور‭ ‬متولي‭ ‬و‭ ‬يسرا‭ ‬المنسي‭ ‬في‭ ‬دور‭ ‬شفيقة‭ ‬بجانب‭ ‬الموهوبين‭ ‬منة‭ ‬اليمني‭, ‬دالا‭ ‬حربي‭ ‬وأحمد‭ ‬عودة‭ ‬وتقى‭ ‬طارق‭ ‬وإسلام‭ ‬مصطفى‭ ‬و‭ ‬صلاح‭ ‬السيسي‭ ‬وأحمد‭ ‬راضي‭ ‬و‭ ‬عبد‭ ‬الله‭ ‬شوقي‭ ‬و‭ ‬جوزيف‭ ‬مجدي‭ ‬،‭ ‬وأخيرًا‭ ‬متولي‭ ‬وشفيقة‭ ‬وسجن‭ ‬اختياري‭ ‬سيحتلان‭ ‬مكانه‭ ‬مهمة‭ ‬في‭ ‬مشوار‭ ‬المخرج‭ ‬سامح‭ ‬بسيوني‭ ‬في‭ ‬إدارة‭ ‬مسرح‭ ‬الطليعة‭ .‬

‭          ‬ولاد‭ ‬البطة‭ ‬السودا‭ ‬وحكاوي‭ ‬عبير‭ ‬علي

نحن‭ ‬نتحدى‭ ‬الملل‭ ‬على‭ ‬مسرح‭ ‬الهناجر‭..  ‬ففي‭ ‬ولاد‭ ‬البطة‭ ‬السودا‭ ‬تعيدنا‭ ‬المخرجة‭ ‬‮«‬عبير‭ ‬علي‮»‬‭ ‬إلى‭ ‬حكاويها‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تتوقف‭ ‬عن‭ ‬الانسياب،‭ ‬حكاوي‭ ‬عبير‭ ‬علي‭ ‬لا‭ ‬تنتهي،‭ ‬وقدرتها‭  ‬لا‭ ‬تتراجع‭ ‬ككاتبة‭ ‬ومخرجة‭ ‬على‭ ‬الاقتراب‭ ‬من‭ ‬قضايا‭  ‬الإنسان‭ ‬ومشكلات‭ ‬المجتمع‭ ‬بطريقة‭ ‬رقيقة،‭ ‬كأنها‭ ‬مشرط‭ ‬جراح‭ ‬ماهر‭ ‬لم‭ ‬يزدها‭ ‬الغياب‭ ‬إلا‭ ‬تألقا‭ .. ‬فقد‭ ‬غابت‭ ‬طويلا‭ ‬وعادت‭ ‬لجمهور‭ ‬المسرح‭ ‬بولاد‭ ‬البطة‭ ‬السودا‭ ‬تناقش‭ ‬فيها‭ ‬ما‭ ‬يعانيه‭ ‬العالم‭ ‬من‭ ‬حولنا‭ ‬من‭ ‬نفي‭ ‬للآخر‭ ‬وعدم‭ ‬قبول،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬الحروب‭ ‬خلفية‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬مشاهد‭ ‬المسرحية‭. ‬حروب‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬نوع‭ ‬ويقع‭ ‬ضحيتها‭ ‬الإنسان‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬مكان‭.. ‬حروب‭ ‬سببها‭ ‬غطرسة‭ ‬القوة‭ ‬والإحساس‭ ‬بالتفوق‭ ‬والتميز،‭ ‬يجعل‭ ‬الآخر‭ ‬يتعرض‭ ‬لضغوط‭ ‬نفسية‭ ‬وقهر‭ ‬بسبب‭ ‬اللون‭ ‬أو‭ ‬الجنس‭ ‬أو‭ ‬الدين‭..  ‬وينقسم‭ ‬العالم‭ ‬بين‭ ‬هوية‭ ‬قاهرة‭ ‬وأخرى‭ ‬مقهورة‭ .. ‬لا‭ ‬يرضي‭ ‬القاهر‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬يتحول‭ ‬المقهور‭ ‬إلى‭ ‬تابع‭ ‬ويعترف‭ ‬بتفوقه‭. ‬وتتناول‭ ‬‮«‬عبير‭ ‬على‮»‬‭ ‬الضغوط‭ ‬الاجتماعية‭ ‬التي‭ ‬تجعل‭ ‬الأسوياء‭ ‬منتقدين،‭ ‬وتعلى‭ ‬من‭ ‬قيمة‭ ‬التحزب‭ ‬والتخندق،‭ ‬فلا‭ ‬تطلب‭ ‬الرحمة‭ ‬لمن‭ ‬هو‭ ‬من‭ ‬غير‭ ‬دينك‭ ‬ولا‭ ‬تلعب‭ ‬إلا‭ ‬مع‭ ‬أبناء‭ ‬ملتك‭ .. ‬طبعا‭ ‬بجانب‭ ‬الصراع‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يتوقف‭ ‬بين‭ ‬الرجل‭ ‬والمرأة،‭ ‬كلاهما‭ ‬مظلوم‭ ‬وكلاهما‭ ‬ظالم‭ ..‬الحكاوي‭ ‬التي‭ ‬تطلقها‭ ‬“عبير‭ ‬علي”‭  ‬تشبه‭ ‬المرآة‭ ‬التي‭ ‬نرى‭ ‬فيها‭ ‬ملامحنا‭ ‬الحقيقية‭ ‬بعيدا‭ ‬عن‭ ‬التجميل‭ ‬،‭ ‬وهي‭ ‬حالة‭ ‬كانت‭ ‬كافية‭ ‬بالانقباض‭ ‬الذي‭ ‬تغلبت‭ ‬عليه‭ ‬بذكاء،‭ ‬حيث‭ ‬فجرت‭ ‬الكوميديا‭ ‬من‭ ‬الألم،‭ ‬وأعلنت‭ ‬الغناء‭ ‬على‭ ‬الكآبة،‭ ‬فخرج‭ ‬العرض‭ ‬ناقدا،‭ ‬ساخرا،‭ ‬مطربا،‭ ‬في‭ ‬توليفة‭ ‬تجيد‭  ‬“عبير‭ ‬على”‭ ‬إعدادها‭ ‬من‭ ‬الحكي‭ ‬والغناء‭ ‬والاسكتشات‭ ‬المسرحية‭.. ‬خرجت‭ ‬عبير‭ ‬على‭ ‬من‭ ‬عزلتها‭ ‬الإجبارية‭ ‬الاختيارية،‭ ‬لتعلن‭ ‬حالة‭ ‬من‭ ‬عدم‭ ‬الاستسلام‭ ‬والرفض،‭ ‬السباحة‭ ‬ضد‭ ‬التيار‭.. ‬حالة‭ ‬اعتادتها‭ ‬في‭ ‬أعمالها،‭ ‬واعتادها‭ ‬جمهورها‭ ‬منها‭.‬

أبطال‭ ‬العرض‭ ‬ملأوا‭ ‬خشبة‭ ‬المسرح‭ ‬حركة‭ ‬وحياة‭ ‬لدرجة‭ ‬تجعلك‭ ‬تظن‭ ‬أنهم‭ ‬أكثر‭ ‬مما‭ ‬هو‭ ‬معلن‭. ‬ملأ‭ ‬أبطال‭ ‬المسرحية‭ ‬بأداء‭ ‬جماعي‭ ‬منضبط‭ ‬خشبة‭ ‬المسرح‭ ‬غناء‭ ‬وكوميديا‭ ‬وحركة‭ ‬وعزف‭ ‬موسيقى‭ ‬حي،‭ ‬وتراوحت‭ ‬تجارب‭ ‬أبطال‭ ‬العرض‭ ‬بين‭ ‬الأكثر‭ ‬احترافا‭ ‬وقريب‭ ‬العهد‭ ‬بالهواية‭ ‬،‭ ‬فجاء‭ ‬الأداء‭ ‬متعدد‭ ‬الأصوات،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يضفي‭ ‬تنوعا‭ ‬ومزيجا‭ ‬بين‭ ‬الخبرة‭ ‬والهواية‭ ‬الطازجة‭..  ‬بالمناسبة‭ ‬لا‭ ‬أعرف‭ ‬لماذا‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬البطة‭ ‬السود،ا‭ ‬فأغلب‭ ‬البط‭ ‬أسود‭ ‬وأقله‭ ‬الأبيض‭!!‬

;