أسامة عبد اللطيف
سجن اختيارى.. متولى وشفيقة.. و ولاد البطة السودا
بحساب الورقة والقلم.. ما يحدث في مسارح مصر يقترب من المعجزة، فبأقل القليل ينتج مبدعو المسرح عروضا لا تتوقف عن إدهاش جمهوره، فبينما يستعد مبدع للانسحاب يفاجأ ببقعة نور في زاوية ما، تجعله يعاود المحاولة من جديد، متناسيا معوقات ضغطت عليه، وظروفا إدارية حاولت خنقه، متراجعا عن يأسه، يعود من جديد باحثا عن رحلة جديدة يتطلع فيها لتلقي إعجاب عشاق المسرح.
في القاهرة لاتحتاج لمهرجان ينير مسارحها، فهي في مهرجان دائم، في أصعب الظروف وفي أي وقت لن تجد مسارحها تغلق أبوابها بشكل كامل، فالمغلق منها يستعد لعرض، والمحبط منها يقاوم.. لا ينقص الحركة المسرحية إلا إنعاش القطاع الخاص الذي يندر وجوده حاليا، وإن كان بين وقت وآخر يعلن عن نفسه في محاولات محدودة، كما تلح الكلمة الخالدة وهي كيف يصل مسرح الدولة لمستحقيه؟
وفي الأسبوع الماضي، شاهدث ثلاثة تجارب مسرحية بمذاقات مختلفة، اثنان هما سجن اختياري ومتولي وشفيقة على مسرح الطليعة والثالث ولاد البطة السودا على مسرح الهناجر.
قيمة الحرية في سجن اختياري
نجح مخرج العرض باسم كرم مستندا لنص محمود جمال حديني في أن يحول خشبة قاعة صلاح عبد الصبور إلى سجن اختياري، و اقناع الجمهور بأن الشقة الفاخرة التي يجلس فيها أصدقاء قدامى يتذكرون أيام الجامعة هي في الحقيقة سجن.. حالة اختناق تسيطر على المشاهد ليجد نفسه مع أبطال العرض في السجن، ومع فتحة كل باب يشعر المشاهد بشيء من الانعتاق. فصاحب الشقة أفقر أعضاء الشلة وأقلهم اجتماعيا يعود بعد غياب، بالغ الثراء، مستعرضا عليهم بما حققه، كأنه يداري عقدة نقص جعلت زميلته ترفض الارتباط به لأنه غير لائق اجتماعيا، وهو يعرض عليهم لعبة جهنمية ورهان قاتل، أن يعطي آخر من يغادر شقته مليوني دولار !! وهو ما كان يحمل رسالة ضمنية عن أي جحيم دخلوه، فقد فقد معظمهم إنسانيته، الزوجة تتخلى عن زوجها وتصر على البقاء، والمحامي الانتهازي الذي يمتنع عن حضور جنازة والده ولا يشغله إنقاذ طفله، والمتآمر على حلم زميله في التمثيل، ومروج المخدرات، وفتاة الليل التي بعد أن تنكشف أمامها خبايا زملاء العمر تصرح بأنها رغم كل ما فيها تبقى أنظفهم!! ولا ينجو منهم إلا الذي رفض الدخول في الرهان ليعود لحياته البسيطة مهما كانت منغصاتها.. بينما يخرجون الواحد تلو الآخر ولكن بعد أن تنجرح أرواحهم في رحلة المليوني دولار، لتبقى في النهاية زميلة صاحب الشقة التي رفضت حبه سابقا لتفوز بالجائزة ولتعلن أنها تتطابق معه، فهي باعت نفسها من أجل المال كما فعل هو في سنوات غربته حيث يكشف عن دخوله السجن مقابل صفقة مع رجل فاسد يدفع فيها سنوات من عمره في السجن.
أبطال العمل هم إيهاب محفوظ ويوسف المنصور وأمل عبد المنعم وبولا ماهر ونجاة الإمام وعماد صابر ومحمود البيطار وسيف مرعي وحسين عشماوي وأحمد رضا، وهو الفريق الذي أمتع جمهور العرض و اجتهد في تنفيذ تعليمات المخرج، وجعلوا المشاهد يسترجع أيام دراسته وشلة الجامعة أو المدرسة، كما اشتركوا في أداء جماعي بسيط ومنضبط لا يخلو من كوميديا في تأكيد الرسالة عن قيمة الحرية التي لا تقدر بمال، لدرجة أن يتأكد الشعور بأن الفائز الحقيقي هو الذي خسر الرهان وهرب بروحه مهما كانت جروحه ، وأن الوحيدة التي فازت بحقيبة المليوني دولار هي أكبر الخاسرين .كأن لسان حالها يقول ماذا لو كسب الإنسان العالم وخسر نفس
متولى وشفيقة رواية جديدة قديمة
لن تبتعد عن قاعة سجن اختياري إلا أمتار حتى تجد نفسك في قاعة زكي طليمات في عالم الصعيد الجواني مع رؤية جديدة لحكاية شفيقة ومتولي، ولكن هذه المرة باسم “متولي وشفيقة” .. فالحكاية الشعبية قدمت القصة كمأساة عاشتها شفيقة، بينما العرض المسرحي الذي كتبه محمد علي إبراهيم وأخرجه باقتدار أمير اليماني يتناول القصة من ناحية متولي الذي قتل روحه وهو يقتل شفيقة.. يعود متولي من سجنه الذي دخله بعد أن قتل شفيقة التي يعتبر نفسه أبيها وأخيها، تطارده خيالات لا تتوقف حيث يستعيد أحاديثه مع شفيقة طفلة ومراهقة وشابة..متولى يقتل ليمكنه رفع رأسه بين الناس، فيتلقى التهنئة وقلبه يتمزق، يقتل شفيقة التي بموتها تنزع روحه معها ليبقى معذبا يعجز عن أن يحب، فالقاتل لا يحب ولأن “الشرخ الذي أصاب الطبق” أصاب روحه في الوقت نفسه، حتى جدران منزله تتحول لأشباح تحاكمه وتساءله عن فعلته.
وضم العرض المسرحي عرضا موازيا تمثل في حركة متمكنة من مجموعات تلتصق بجدران البيت حتى لا تفرقها عنه، ثم تعود لتحاصره وتكون تشكيلات تكمل الحكاية وتشرحها، وكأن المخرج يقدم عرضا موازيا لو اكتفى به لقدم عرضا حركيا يعتمد على سينوغرافيا مبدعة يمكن أن يحمل عنوان المسرحية نفسها بأداء حركي يستغني عن الحوار ويصل للجمهور، ولكن المخرج أمير اليماني أمتع الجمهور بفريق من ممثلي المسرح قدموا أداءا متناغما، خاصة محمد فريد في دور متولي و يسرا المنسي في دور شفيقة بجانب الموهوبين منة اليمني, دالا حربي وأحمد عودة وتقى طارق وإسلام مصطفى و صلاح السيسي وأحمد راضي و عبد الله شوقي و جوزيف مجدي ، وأخيرًا متولي وشفيقة وسجن اختياري سيحتلان مكانه مهمة في مشوار المخرج سامح بسيوني في إدارة مسرح الطليعة .
ولاد البطة السودا وحكاوي عبير علي
نحن نتحدى الملل على مسرح الهناجر.. ففي ولاد البطة السودا تعيدنا المخرجة «عبير علي» إلى حكاويها التي لا تتوقف عن الانسياب، حكاوي عبير علي لا تنتهي، وقدرتها لا تتراجع ككاتبة ومخرجة على الاقتراب من قضايا الإنسان ومشكلات المجتمع بطريقة رقيقة، كأنها مشرط جراح ماهر لم يزدها الغياب إلا تألقا .. فقد غابت طويلا وعادت لجمهور المسرح بولاد البطة السودا تناقش فيها ما يعانيه العالم من حولنا من نفي للآخر وعدم قبول، وهو ما يجعل الحروب خلفية في كل مشاهد المسرحية. حروب من كل نوع ويقع ضحيتها الإنسان في كل مكان.. حروب سببها غطرسة القوة والإحساس بالتفوق والتميز، يجعل الآخر يتعرض لضغوط نفسية وقهر بسبب اللون أو الجنس أو الدين.. وينقسم العالم بين هوية قاهرة وأخرى مقهورة .. لا يرضي القاهر إلا أن يتحول المقهور إلى تابع ويعترف بتفوقه. وتتناول «عبير على» الضغوط الاجتماعية التي تجعل الأسوياء منتقدين، وتعلى من قيمة التحزب والتخندق، فلا تطلب الرحمة لمن هو من غير دينك ولا تلعب إلا مع أبناء ملتك .. طبعا بجانب الصراع الذي لا يتوقف بين الرجل والمرأة، كلاهما مظلوم وكلاهما ظالم ..الحكاوي التي تطلقها “عبير علي” تشبه المرآة التي نرى فيها ملامحنا الحقيقية بعيدا عن التجميل ، وهي حالة كانت كافية بالانقباض الذي تغلبت عليه بذكاء، حيث فجرت الكوميديا من الألم، وأعلنت الغناء على الكآبة، فخرج العرض ناقدا، ساخرا، مطربا، في توليفة تجيد “عبير على” إعدادها من الحكي والغناء والاسكتشات المسرحية.. خرجت عبير على من عزلتها الإجبارية الاختيارية، لتعلن حالة من عدم الاستسلام والرفض، السباحة ضد التيار.. حالة اعتادتها في أعمالها، واعتادها جمهورها منها.
أبطال العرض ملأوا خشبة المسرح حركة وحياة لدرجة تجعلك تظن أنهم أكثر مما هو معلن. ملأ أبطال المسرحية بأداء جماعي منضبط خشبة المسرح غناء وكوميديا وحركة وعزف موسيقى حي، وتراوحت تجارب أبطال العرض بين الأكثر احترافا وقريب العهد بالهواية ، فجاء الأداء متعدد الأصوات، وهو ما يضفي تنوعا ومزيجا بين الخبرة والهواية الطازجة.. بالمناسبة لا أعرف لماذا الحديث عن البطة السود،ا فأغلب البط أسود وأقله الأبيض!!
أحمد عز : « Dogs 7» ينقل السينما الـعربية إلى العالمية
أحمد بشتو : الذكاء الاصطناعى لا يبنى عقولاً l حوار
إسلام مبارك : محمد رمضان غير مفهوم البطل الشعبى l حوار







