بيزنس الألم.. ضبط آلاف الأطراف الصناعية المغشوشة داخل مصانع غير مرخصة

صورة موضوعية
صورة موضوعية


لم يعد الغش التجاري يقتصر على السلع الغذائية أو المنتجات الاستهلاكية فقط، بل امتد إلى مناطق أكثر قسوة وإنسانية، بعدما أصبح البعض يتاجر حتى بآلام أصحاب الهمم واحتياجاتهم الأساسية، في مشهد يكشف كيف يمكن للجشع أن يتجاوز كل الحدود الأخلاقية والإنسانية، فالأطراف الصناعية والأجهزة التعويضية ليست مجرد منتجات عادية يمكن استبدالها أو المخاطرة بجودتها، بل هي أمل جديد لشخص فقد جزءًا من جسده، ووسيلة تساعده على الحركة وممارسة حياته بشكل طبيعي، لذلك فإن العبث بها أو تصنيعها دون معايير طبية سليمة لا يمكن اعتباره مجرد مخالفة تجارية، بل جريمة قد تدمر حياة إنسان بالكامل.

لا تتوقف الخطورة الحقيقية هنا عند فكرة الغش في منتج طبي، وإنما في استغلال حاجة فئة من أكثر الفئات احتياجًا للدعم والرعاية عبر تصنيع أجهزة وأطراف صناعية بخامات رديئة ومجهولة المصدر، بعيدًا عن أي رقابة أو معايير فنية، فقط من أجل تحقيق أرباح سريعة، دون أدنى اعتبار لما قد ينتج عن ذلك من مضاعفات صحية خطيرة أو اعاقات مضاعفة قد تلازم الضحية مدى الحياة، والأكثر صدمة أن هذا النوع من الغش لا يهدد أموال الضحايا فقط، بل يهدد أجسادهم نفسها، فطرف صناعي غير مطابق للمواصفات قد يتحول من وسيلة للعلاج إلى سبب مباشر في التهابات وتشوهات وآلام مزمنة، وربما عجز كلي وأكبر مما كان يعانيه المريض من الأساس، وهو ما يجعل هذه الوقائع أقرب إلى جريمة إنسانية مكتملة الأركان، تتاجر في الألم قبل أن تتاجر في المنتج، وفي ظل تكرار مثل هذه الوقائع نقف أمام سؤال خطير إلى أي مدى وصل الجشع بالبعض حتى أصبحت معاناة ذوي الهمم بابًا للربح غير المشروع؟، تفاصيل أكثر إثارة سوف نسردها لكم داخل السطور التالية.

في ضربة أمنية قوية استهدفت حماية الصحة العامة ومواجهة أبشع صور الغش التجاري، نجحت  الإدارة العامة لشرطة التموين والتجارة الداخلية في الكشف عن كيان غير قانوني يتاجر بآلام ذوي الهمم؛ حيث تمكنت من ضبط مصنع لتصنيع الأجهزة التعويضية بمنطقة عابدين، يديره شخص بلا ضمير، ينتج أطرافًا صناعية غير مطابقة للمواصفات القياسية، مما يشكل خطرًا جسيمًا على حياة مستخدميها، فالواقعة بدأت بمعلومات دقيقة وردت لقطاع الأمن الاقتصادي، تفيد بقيام مالك مصنع في منطقة عابدين العريقة بالقاهرة، باتخاذ منشأة غير مرخصة مقرًا لتصنيع الأجهزة التعويضية والأطراف الصناعية باستخدام خامات رديئة ومكونات مجهولة المصدر، وبعيدًا عن أي رقابة طبية أو هندسية، تمهيدًا لطرحها في الأسواق وخداع المرضى الباحثين عن بصيص أمل للحركة، وعقب مداهمة المصنع، كانت المفاجأة الصادمة بحجم المضبوطات؛ حيث تم التحفظ على قرابة 13 ألف قطعة من الأطراف الصناعية والأجهزة التعويضية كاملة الصنع وتحت التصنيع، جميعها تفتقر لأدنى معايير الجودة العالمية والمحلية، كما ضبطت كميات هائلة من الخامات الأولية مجهولة المنشأ، بالإضافة إلى خط إنتاج متكامل يستخدم في هذه الجريمة الطبية.

مضاعفات خطيرة

وكشف أطباء وخبراء فنيون أن هذه الأجهزة المغشوشة، نظرًا لعدم دقتها ومكوناتها الرديئة، قد تتسبب في مضاعفات طبية خطيرة لمستخدميها، تبدأ من التهابات جلدية وتقرحات حادة، وصولاً إلى تشوهات في العمود الفقري وعجز حركي مضاعف، مما يجعل من هذا البيزنس الحرام جريمة قتل بالبطيء، وبمواجهة صاحب المصنع، تبين أن هدفه الوحيد كان تحقيق أرباح مادية طائلة وسريعة من خلال الغش والتدليس، مستغلاً حاجة المرضى لأجهزة تعويضية بأسعار أقل من الماركات المعتمدة. وقد اتخذت كافة الإجراءات القانونية اللازمة حيال المتهم، وتحريز المضبوطات، وإحالة الواقعة إلى النيابة العامة لمباشرة التحقيقات، وتأتي هذه المأمورية لتبعث برسالة حاسمة لكل من تسول له نفسه الإتجار بآلام المصريين، مؤكدة أن أجهزة وزارة الداخلية بالمرصاد لكل بؤر الغش التجاري، خاصة تلك التي تمس القطاع الطبي وتؤثر بشكل مباشر على جودة حياة المواطن البسيط.

لم تكن تلك الواقعة هي الاولى بل استمرارًا لجهود مكافحة جرائم الغش التجاري، تمكنت الإدارة العامة لشرطة التموين والتجارة الداخلية بقطاع الأمن الاقتصادي من ضبط 180 ألف قطعة مستلزمات طبية أطراف صناعية مجهولة المصدر وبدون بيانات، إلى جانب مستلزمات إنتاج وخط إنتاج كامل داخل مصنع بدون ترخيص بدائرة قسم شرطة مصر الجديدة بالقاهرة، وتبين أن المضبوطات كانت مخزنة في مكان غير مستوفٍ للاشتراطات الصحية، تمهيدًا لطرحها بالأسواق بقصد الغش والتدليس على جمهور المستهلكين لتحقيق أرباح غير مشروعة، واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة حيال الواقعة.

القانون

وبالتواصل مع احمد محمد السيد المحامي، أوضح قائلا: أن تصنيع أو تداول أجهزة وأطراف صناعية غير مطابقة للمواصفات، أو العمل بدون ترخيص، يضع مرتكبيه تحت طائلة عدد من القوانين المنظمة للغش التجاري وحماية المستهلك، خاصة إذا ثبت أن تلك المنتجات قد تسبب أضرارًا صحية لمستخدميها، كما أن قانون قمع الغش والتدليس رقم 48 لسنة 1941 يعاقب كل من يغش أو يشرع في غش منتجات أو أدوات مطروحة للتداول، مع العلم بفسادها أو عدم مطابقتها للمواصفات، كما تصل العقوبة إلى الحبس والغرامة، وتتشدد حال تسبب المنتج المغشوش في أضرار صحية للمواطنين، كما أن قانون حماية المستهلك رقم 181 لسنة 2018 يلزم المورد بطرح منتجات مطابقة للمواصفات القياسية، ويحظر تداول أي منتجات تمثل خطرًا على صحة أو سلامة المواطنين، كما يجيز معاقبة المخالفين بالحبس والغرامات الكبيرة، فضلًا عن مصادرة المضبوطات وغلق المنشأة المخالفة، كما أن العقوبات قد تصل إلى السجن المشدد إذا ثبت وجود تعمد في الغش أو ترتب على استخدام تلك الأجهزة إصابات أو عاهات مستديمة، خاصة أن الأمر هنا يتعلق بمنتجات ذات طبيعة طبية تمس سلامة الإنسان بشكل مباشر، وهو ما يجعل الواقعة تتجاوز مجرد مخالفة تجارية لتدخل في نطاق الجرائم التي تهدد الصحة العامة.

اقرأ  أيضا: ضبط 20 طن رِدة مغشوشة قبل طرحها بالأسواق في سوهاج