توصيلة موت.. الأشرار الثلاثة استدرجوا شابًا في مشوار وهمي لتنفيذ الجريمة

صورة تعبرية
صورة تعبرية


الشرقية‭: ‬إسلام‭ ‬عبدالخالق

«معرفة السوء سكتها ندامة».. كلمات قد تُلخص ما قد ينتهي إليه حال صداقة قامت على الخطأ وترعرعت في ثنايا خرق القانون، فأثمرت الهلاك بكل ما تحمله الكلمة من معنى، كما مثلته علاقة جمعت بين ثلاثة من الشباب يصل فارق العمر بين أكبرهم وأصغرهم نحو عقد من الزمان، اثنان منهما من محافظة بورسعيد والثالث من وسط مركز فاقوس على بُعد عشرات الكيلومترات، جمعت بينهم خيوط «الضياع» حتى تفننوا في حياكة الخطط لينفذوا إحداها بطريقة كانت الأولى والأخيرة حين سلكوا درب السرقة الملطخة بالدماء، فأزهقوا روحًا وتلوثت أرواحهم قبل أيديهم بذنوب القتل والسرقة.

في امتداد صحراوي طويل يربط بين مدينتي أبو حماد والعاشر من رمضان في محافظة الشرقية، حيث تمتد المسافات بين العمران كأنها فراغًا مفتوحًا بلا نهاية، وتتشعب الطرق الجانبية في صورة مدقات ترابية يختلط فيها اللون الترابي بهيبة الخلاء المقفرة التي لا يقطعها سوى القليل من السيارات في ذاك التوقيت القريب من ساعات الليل، وقعت الجريمة التي لم يكن أحد يتوقعها، في مكان يبدو في ظاهره بعيدًا عن الحياة، لكنه كان مسرحًا مثاليًا لخطة غدر محكمة استغلت طيبة شاب لا يملك سوى عمله سائقًا على سيارته، وثق في ركاب ظنهم مجرد زبائن عاديين.

في ذلك الطريق الذي يبتلع الأصوات ويخفي التفاصيل خلف سكونه الثقيل، كان «مرعي»، الشاب الذي أتم ربيعه العشرين قبل أشهر قليلة، يقود سيارته الملاكي كعادته، يطارد رزقه اليومي بين الطلبات المتفرقة والتوصيلات العشوائية، لم يكن يحمل في ذهنه سوى فكرة واحدة بسيطة: «رحلة عمل جديدة قد توفر له دخلًا إضافيًا يعود به إلى أسرته في نهاية اليوم ويعينه على تحقيق أحلامه في تأمين حياته التي يريد لها أن تستقر وتزدهر»، لكنه لم يكن يعرف أن هذه الرحلة تحديدًا ستكتب الفصل الأخير من حياته بكل تفاصيلها.

رحلة قصيرة

«مرعي» الذي اعتاد العمل في هذا النوع من التوصيلات، كان يرى في كل طلب فرصة طبيعية مثل غيرها، خاصة أن الطريق الواصل بين أبو حماد ومدينة العاشر من رمضان يُستخدم بشكل يومي من قِبل السائقين والركاب على حد سواء، لذلك، عندما استوقفه ثلاثة أشخاص وطلبوا منه توصيلهم مقابل أجر، لم يتردد، فلم تظهر عليهم علامات الريبة، ولم يكن في مظهرهم ما يدعو للشك، إذ جلسوا في المقعد الخلفي بهدوء، وكأنهم ركاب عاديين في رحلة قصيرة.

في تلك اللحظات، كانت الثقة هي العنصر الحاسم؛ «مرعي» لم يرَ فيهم سوى ركاب يحتاجون إلى وسيلة انتقال، بينما كانوا هم قد اتخذوا قرارًا آخر تمامًا، قرارًا سبق التخطيط له بدقة، واستغلوا فيه طبيعة الطريق المقفر، الذي يبتعد تدريجيًا عن العمران، ويغرق في صمت طويل يقطع أي فرصة للاستغاثة أو النجاة.

تحركت السيارة على امتداد الطريق الصحراوي، تبتعد شيئًا فشيئًا عن المناطق المأهولة، لتدخل في نطاق أكثر عزلة، حيث تتناثر مدقات ترابية جانبية، وتقل حركة المرور بشكل كبير، وتختفي مظاهر الحياة إلا من بعض المزارع المتباعدة أو الأسوار الحديدية ونهايات الصوب الزراعية التي تظهر على استحياء في الأفق، هناك، حيث لا شهود تقريبًا ولا حركة، بدأت الجريمة تتحرك من مرحلة النية إلى التنفيذ.

داخل السيارة، كان الصمت في ظاهره طبيعيًا، لكن في باطنه كان يحمل توترًا خفيًا من جهة، وغفلة كاملة من جهة أخرى؛ «مرعي» ظل يركز على الطريق، مطمئنًا إلى أن مهمته ستنتهي خلال دقائق، بينما كان الجناة الثلاثة يراقبون اللحظة المناسبة لتنفيذ ما اتفقوا عليه مسبقًا، مستغلين انشغال السائق وثقته الكاملة في أنهم مجرد ركاب عابرين.

وعند أحد المقاطع القريبة من منطقة «الصوب الزراعية»، حيث ينخفض عدد السيارات المارة وتزداد العزلة، تحولت الرحلة فجأة إلى كابوس؛ في لحظة خاطفة، انقلب المشهد بالكامل، حين باغت المتهمون الشاب من الخلف، مستخدمين شالًا أبيض كان بحوزتهم، التفوا به حول رقبته بقوة مفاجئة، في محاولة لإحكام السيطرة عليه ومنعه من أي مقاومة أو استغاثة.

لم يكن لدى «مرعي» وقت لفهم ما يحدث، الطريق كان مقفرًا، والسيارة مغلقة عليه وعلى ثلاثة أشخاص قرروا في لحظة أن ينزعوا عنه حياته، وقبل أن يتمكن من استيعاب الخيانة حاول المقاومة، تحرك جسده في محاولة يائسة لاستعادة السيطرة على المقود أو فتح الباب، لكن القوة كانت أكبر، والعدد كان ضده، والمكان لا يمنح فرصة للهروب.

خلال دقائق قصيرة، انتهت مقاومته، وسقط ضحية خطة لم يكن طرفًا فيها إلا بثقته، وبعد أن تأكد الجناة من وفاته، ألقوا بجثمانه على جانب الطريق، في نفس الفراغ الصحراوي الذي استغلوا عزلته لتنفيذ الجريمة، وكأنهم يظنون أن هذا الامتداد الخالي يمكن أن يبتلع فعلتهم دون أثر، ولم يكتفوا بذلك، بل استولوا على السيارة الملاكي التي كانت مصدر رزق ضحيتهم، بالإضافة إلى مبلغ مالي كان بحوزته حصيلة عمله طيلة الساعات التي سبقت مقتله في يومه الأخير، ثم انطلقوا بها مبتعدين عن مكان الجريمة، تاركين خلفهم جثمان شاب لم يكن يحمل سوى حسن النية في التعامل معهم، وثقة جعلته يفتح لهم باب سيارته دون أن يتخيل أن هذا الباب لن يُغلق على عودته.

جثمان على الطريق

في الساعات التالية، ومع اكتشاف الجثمان على الطريق، بدأت الأجهزة الأمنية في مديرية أمن الشرقية تحركها الفوري، حيث تشكل فريق بحث جنائي متخصص لكشف ملابسات الواقعة، في منطقة بدت في البداية بلا شهود ولا خيوط واضحة، لكن مع تتبع مسار السيارة وفحص البلاغات والتحريات الميدانية، بدأت الصورة تتضح تدريجيًا؛ إذ تبين أن المجني عليه كان آخر مرة شوهد فيها بصحبة ثلاثة أشخاص استقلوا معه السيارة كركاب عاديين، قبل أن ينقطع الاتصال به، وتظهر جثته لاحقًا على الطريق.

ومع تعميق البحث، تمكنت الأجهزة الأمنية خلال أقل من 48 ساعة من تحديد هوية المتهمين الثلاثة، وضبطهم جميعًا، إلى جانب العثور على السيارة المسروقة بحوزتهم، في خطوة أنهت سريعًا محاولاتهم للإفلات من العقاب، وبمواجهتهم، انهارت روايتهم أمام الأدلة، واعترفوا بتفاصيل الجريمة كما حدثت، مؤكدين أنهم استغلوا الطريق المقفر وعزلة المنطقة، وثقة السائق بهم، لتنفيذ مخططهم الذي بدأ كرحلة توصيل عادية وانتهى بجريمة قتل وسرقة.

محضر الواقعة الذي حمل رقم 3102 إداري مركز شرطة أبو حماد لسنة 2026، بيّنت تفاصيله أن الأجهزة الأمنية في مديرية أمن الشرقية قد تلقت إخطارًا يفيد بورود بلاغ بالعثور على جثة شاب وسط المنطقة الصحراوية الملاصقة لطريق أبو حماد - العاشر من رمضان على مقربة من الصوب الزراعية.

على الفور، انتقلت الأجهزة الأمنية إلى موقع البلاغ، وهناك تبين أن الجثة لشاب يُدعى «مرعي السيد»، 20 عامًا، مقيم في مدينة العاشر من رمضان، وقد عُثر عليه جثة هامدة ووجود آثار خنق حول رقبته.

التحريات الأولية والمعاينة بينت أن المتهمين قد استدرجوا المجني عليه بعدما طلبوا منه توصيلهم بسيارته الملاكي مقابل أجر، وأثناء سيرهم بطريق أبو حماد ـ العاشر من رمضان، أمام الصوب الزراعية (محل العثور على الجثة)، خنقوه باستخدام شال أبيض، ثم ألقوا بجثمانه في الطريق وسرقوا السيارة ومبلغًا ماليًا كان بحوزته داخل السيارة.

كشفت التحريات المكثفة لفريق البحث الجنائي عن هوية المتهمين الثلاثة، وهم كل من: «فوزي ال»، 20 عامًا، مقيم بمركز فاقوس، و«أحمد ن ف»، 30 عامًا، و«عبدالرحمن ح ب»، 29 عامًا، مقيمان بمحافظة بورسعيد، وتبين وجود علاقة صداقة تجمع ثلاثتهم واتفاقهم على تنفيذ الجريمة بغرض سرقة السيارة.

وتمكنت الأجهزة الأمنية من ضبط المتهمين الثلاثة والسيارة المسروقة، وبالعرض على النيابة العامة قررت حبسهم على ذمة التحقيقات بتهمة القتل العمد المقترن بالسرقة، بعدما قررت في وقت سابق انتداب أحد الأطباء الشرعيين لإجراء الصفة التشريحية على الجثمان لبيان سبب وفاته وكيفية حدوثها، وطلبت تحريات المباحث حول الجريمة وملابساتها وكيفية حدوثها، في واقعة بدأت بـ«توصيلة»، وانتهت بجريمة قتل وسرقة، قبل أن يحل الأمن لغزها ويكشف ملابساتها ويضبط الجناة في أقل من 48 ساعة.

اقرأ  أيضا: إنقاذ طفلة خطفتها سيدة لسرقة قرطها الذهبى بالشرقية

;