أقسى وداع.. الأب يكتشف أنه يقف أمام جثة ابنه

الضحية
الضحية


بورسعيد‭ : ‬أيمن‭ ‬عبد‭ ‬الهادى

لم يتوقع عم حسني، الرجل الذي اعتاد أن يغسل ويربط أكفان الغرباء بيديه ويواسي قلوب أهل الموتى، أن اليوم سيأتي عليه ليقف عاجزًا أمام جثمان ابنه الأكبر، ينظر إليه في صمت مكسور، وكأن الدنيا سحبت من قلبه آخر ما تبقى فيه من حياة.

فقد شاب في مقتبل العمر حياته في لحظات بسبب غرور وغباء أشخاص لا يعرفهم ولا تربطه بهم أي علاقة.

التفاصيل الكاملة لجريمة الغدر التي أدمت قلوب أهالي بورسعيد في السطور التالية.

عم حسني، الموظف البسيط بإحدى المحاكم، عرفه أهالي بورسعيد بوجهه الهادئ وطيبته، لم يتأخر يومًا عن تغسيل الموتى بالمجان لوجه الله تعالى، ولم يبخل على فقير بكفن أو مساعدة، كان يعتبر ما يفعله بابًا للرحمة وصدقة جارية لوجه الله، لكن الرجل الذي عاش عمره يخفف ويواسي الناس، وجد نفسه هذه المرة غارقًا في وجعه الخاص، بعدما عاد إليه ابنه أيمن جثة هامدة غارقة في الدماء.

أيمن حسني، شاب لم يتجاوز 23 عامًا، كان يعمل في مجال الدليفري منذ سنوات طويلة، لم يعرف الرفاهية يومًا، خرج إلى الحياة مبكرًا ليساعد أسرته ويقف بجوار والده ووالدته وشقيقته ندى، تحمل المسئولية في سن صغيرة، وكان معروفًا بين أصدقائه وأهالي المنطقة بأخلاقه وهدوئه وحبه للناس.

في صباح يوم الواقعة، خرج أيمن كعادته يبحث عن رزقه فوق دراجته البسيطة، لم يكن الشاب الصغير يدري أن ساعات قليلة فقط ستفصل بينه والنهاية المأساوية التي أبكت محافظة كاملة.

غدر

البداية كانت مجرد خلاف مروري عابر، بعدما اصطدم به عدد من الأشخاص يستقلون دراجة نارية مرتفعة الثمن، ما تسبب في تهشيم موتوسيكل الدليفري الخاص به، قبل أن يتم اصطحاب الجميع إلى قسم الشرطة.

داخل القسم، تبين أن أوراق أيمن سليمة، بينما كانت الدراجة النارية الخاصة بالطرف الآخر دون تراخيص، فتم التحفظ عليها، وانتهى الأمر بالتصالح بين الجميع، واعتقد الشاب البسيط أن الأزمة انتهت عند هذا الحد، وعاد إلى منزله وهو لا يتخيل أن هناك من يخطط للانتقام منه بسبب موتوسيكل تم التحفظ عليه.

عاد أيمن إلى البيت، جلس مع أسرته، تناول طعام الغداء، ثم دخل ليستحم ويبدل ملابسه، كان هادئًا بشكل طبيعي، لم يشعر بالخطر، ولم يخبر أحدًا أن الموت ينتظره خارج المنزل.

بعد ساعات تلقى اتصالًا هاتفيًا من الأشخاص أنفسهم، أخبروه أنهم يريدون إنهاء الخلاف بشكل ودي، واستكمال الصلح بعيدًا عن القسم والمشكلات، لم يتردد أيمن، خرج من منزله متصورًا أنه ذاهب لإنهاء أزمة بسيطة، لكنه كان يسير نحو اللحظات الأخيرة في عمره.

وصل الشاب إلى أحد المقاهي بمنطقة حي المناخ، وهناك كانت المفاجأة القاتلة، وبحسب روايات أسرته وشهود العيان؛ باغته المتهمون بأسلحة بيضاء، وحاصروه وسط الشارع، قبل أن تنهال عليه الطعنات بشكل وحشي، لم تكن طعنة واحدة، بل عدة طعنات نافذة مزقت جسده، حتى سقط غارقًا في دمائه أمام أعين المارة.

حاول الأهالي إنقاذه، ونقل إلى مستشفى السلام عن طريق سيارة الإسعاف، لكن الإصابة كانت أقوى من احتمالات النجاة، لفظ أيمن أنفاسه الأخيرة داخل المستشفى، بينما كانت والدته في الطريق إليه دون أن تعرف أن قلبها سيتوقف هناك إلى الأبد.

الأم وصلت إلى المستشفى تركض وهي تصرخ باسم ابنها، لكن ما رأته حطمها بالكامل، وقفت أمام الجثمان في حالة انهيار تام، كانت تلمس جسده وكأنها تحاول إيقاظه، تردد وسط البكاء أن جسده كان باردًا مثل الخشب، وأن الدماء كانت تغطي ملابسه بالكامل، فيما ظهرت آثار الطعنات في أكثر من مكان.

صرخت الأم بصوت مزق قلوب الموجودين قائلة إن ابنها كان روحها وحياتها، وإنهم أخذوه منها غدرًا دون ذنب.

دموع الأب

أما الأب، الرجل الذي واجه الموت مئات المرات أثناء تغسيل الموتى، فلم يستطع هذه المرة الوقوف أمام جثمان ابنه، سقط من طوله داخل المستشفى، ولكن لم يجد أمامه بعدما عاد إلى وعيه سوى أن يمسك بجثمان ابنه ويغسله بيده مرددًا الدعوات إلى الله بأن يرحمه دون أن تتوقف دموعه لحظة واحدة.

الجنازة تحولت إلى مشهد مهيب لم تشهده المنطقة منذ سنوات، آلاف الأهالي خرجوا يودعون الشاب الذي عرفوه طيبًا وبسيطًا ومحبوبًا، البكاء كان يملأ العيون، والصراخ يخرج من القلوب قبل الحناجر، والأم ظلت لساعات بجوار المقابر، تحتضن التراب وكأنها تحاول احتضان ابنها للمرة الأخيرة، تبكي وتصرخ وترفض تصديق أن أيمن رحل، فيما جلس الأب في صمت قاتل، يحدق في قبر ابنه بعينين فقدتا القدرة على البكاء.

شقيقة المجني عليه، ندى، دخلت هي الأخرى في حالة نفسية شديدة السوء، خاصة أنها كانت تستعد لامتحان آخر العام، وأكد المقربون من الأسرة أن الفتاة نزلت إلى الامتحانات تنفيذًا لوصية شقيقها الذي كان دائمًا يطلب منها النجاح والوقوف بجوار والديها، وأصدقاؤها حاولوا جبر خاطرها ومساندتها، لكنها كانت في حالة انهيار كامل، لا تتحدث كثيرًا، فقط تردد أن حق شقيقها حتمًا سوف يعود بحكم القضاء العادل، وأن القصاص وحده القادر على تهدئة النار المشتعلة داخل قلوبهم.

أصدقاء أيمن أيضًا لم يصدقوا ما حدث، تحدثوا عنه باعتباره شاب طيب لا يعرف المشاكل، كان يعمل لساعات طويلة من أجل مساعدة أسرته، يحلم بحياة بسيطة ومستقبل هادئ، لكن الموت سبقه بخطوات.

بلاغ وضبط الجناة

الأجهزة الأمنية تمكنت من ضبط المتهمين عقب الواقعة، بعدما نجح الأهالي في الإمساك ببعضهم وتسليمهم إلى قوات الشرطة، واتخذت الإجراءات القانونية اللازمة، فيما تباشر جهات التحقيق أعمالها لكشف ملابسات الجريمة كاملة، كما نقل جثمان المجني عليه إلى المشرحة تحت تصرف جهات التحقيق، تمهيدًا لعرضه على الطب الشرعي لبيان سبب الوفاة والتصريح بالدفن، وتم التصريح بالدفن وحبس المتهمين على ذمة القضية.

القضية تحولت في بورسعيد إلى حديث الشارع، ليس فقط لبشاعة الجريمة، ولكن لأن الضحية كان شابًا بسيطًا خرج يبحث عن لقمة عيشه، فعاد إلى أسرته جثمانًا، الكل هناك يردد الجملة نفسها: أيمن لم يكن يستحق هذه النهاية.

وفي بيت الأسرة المكلوم، ما زالت صورة الشاب معلقة على الجدران، بينما يسود الصمت المكان، فقط صوت بكاء الأم ودعوات الأب بالقصاص يكسران هذا السكون الثقيل.

رحل أيمن، لكن حكايته بقيت شاهدة على جريمة غدر دفعت أسرة كاملة إلى الحزن، وتركت أبًا كان يغسل الموتى لوجه الله، عاجزًا عن تضميد جرح ابنه الذي لن يلتئم أبدًا.

اقرأ  أيضا: غدر الأقارب .. استدرجوه بحجة المساعدة وقتلوه لسرقته

;