إسلام الكتاتني يكتب: مولد سيدي العوضي

إسلام الكتاتني
إسلام الكتاتني


■ بقلم: إسلام الكتاتني

في إحدى ليالي صيف عام 2024 وأثناء عودتى إلى المنزل فى مغرب ذلك اليوم شعرت ببوادر (دور برد) بدأ يتسلل إلى جسدى، لكنه تحول إلى ما يشبه كوفيد 19 حين شعرت بالتكسير فى أنحاء جسدی واحتقان شديد فى الزور وعدم القدرة على بلع الطعام أو الشراب، وصحب ذلك آلام بالمعدة أفقدتنى القدرة على تقبل أى طعام، وكانت انتكاسة قاسية ذهبت فيها إلى ثلاثة من كبار الأطباء الاستشاريين ترافقنى فيها والداتى - رحمة الله عليها - نبع الحنان الذى لا يعوض، وكلهم أجمعوا على ضرورة عمل منظار لمعرفة هل الارتجاع سببه ضعف فى المريء (فم المعدة) أم فتق بالحجاب الحاجز، حيث كان هذا هو التشخيص الذى أجمع عليه هؤلاء الأطباء، لكننى فى حقيقة الأمر تخوفت كثيراً من هذا المنظار الذى يبدو عادياً، ولكنه يصيبنى بما يشبه الفوبيا الذى جعلنى أتخوف من إجرائه على الرغم من سهولته وبساطته، وأثناء ذلك كنت أطلع على كثير من الفيديوهات لبعض المتخصصين من أطباء الجهاز الهضمى وأطباء التغذية العلاجية، فتكونت عندى حصيلة معلوماتية لا بأس بها توصلت من خلالها إلى عمل حمية غذائية خاصة بى ترتكز على تناول بعض الأدوية التقليدية مثل الكونترلوك وبعض الأعشاب الطبيعية مثل (حبة البركة وزيت الزيتون واللبان الدكر والصمغ العربى.. وغيرها) مع منع الكثير من عاداتى الغذائية مثل الامتناع عن تناول القهوة وما يعادلها كالكابتشينو والنسكافيه (والمعجنات والمكرونة وكل مشتقات الدقيق الأبيض) والامتناع أيضاً عن السكريات والحمضيات مثل الليمون والبرتقال والنعناع وجميع المقليات، مع الالتزام بعدم النوم بعد تناول الطعام مباشرة (على الأقل بعد تناول الطعام بساعتين إلى ثلاث ساعات).

وضرورة الالتزام بالنوم على وسائد مرتفعة ليكون مستوى الرأس أعلى من مستوى المعدة، والالتزام برياضة المشى يومياً ومحاولة ضبط انفعالاتى وألا  أتعرض إلى أى نوع من التوتر، أى باختصار طريقة حياة كاملة (Life Style) مختلفة عن التى تعودت عليها  فى السابق، وبعد مرور أكثر من شهرين أو ثلاثة من  الالتزام بهذا النظام أو الحمية الغذائية حدث لى بفضل الله تحسن كبير، حيث فقدت الكثير من وزنى بعد ابتعادى عن تناول المعجنات مما أدى إلى التخلص من الدهون الناجمة عن تناول المعجنات والمكرونة.. باختصار كل مكونات الدقيق الأبيض، وبدأت ألحظ اختفاء النهجان عند الصعود إلى درجات السلم، وبدأت أعود إلى حياتى الطبيعية، وذلك مع الالتزام المعقول بهذا النظام، وتابعت كما تابع الملايين من غيرى على شاشات الفضائيات وعلى مواقع التواصل الاجتماعى فى الأسابيع القليلة الماضية الضجة التى أحدثها الدكتور ضياء العوضى - عليه رحمة الله، ولفت نظرى حقيقة افتتان الكثيرين بتلك الوصفة التى وصفها وأطلق عليها ما يسمى (نظام الطيبات)، وهى اسم على غير مسمى.. وسنوضح ذلك فى السطور القادمة، لكن اللافت للنظر هو هوس الكثيرين بهذا النظام، وازدادت وتيرة الهوس بعد وفاة الدكتور ضياء فى ظروف يظن البعض أنها غامضة مع الوضع فى الاعتبار أن تقارير الطب الشرعى بدولة الإمارات الشقيقة أفادت بأن الوفاة طبيعية ولا توجد هناك شبهة جنائية، وهذا أمر يدعونا إلى التعجب من هذا الهوس إلى حد أن المؤمنين بدكتور ضياء العوضى أشعرونا بأنه أصبح قديساً، فالرجل فى نظرهم قد مات شهيداً، لأنه دفع ثمن كلمة الحق على حد زعمهم، وأصبحنا نرى ما سُمى بالتراس العوضى «العوضية والعوضيين»، واللافت أيضاً هذا الانتشار على مواقع التواصل الاجتماعى التى استحدثها العوضى بناء على بعض التصورات الخاطئة المبنية على بعض الأسس العلمية المتعارفة، والذى يؤكد مما لاشك فيه أن هناك أطرافاً تغذى هذا الانتشار ولها مصلحة فى الترويج لهذه النظرية الخاطئة لأنها تحدث بلا شك فتنة وانقساما فى المجتمع المصرى والعربى، ولا أستبعد أن ينفخ فى «كير» هذا الانقسام وتلك الفتنة أجهزة استخباراتية تكنُّ العداء لمصر وعلى رأسها الموساد الإسرائيلى.

ومن سخرية القدر اقتناع المهووسين بالعوضى - رحمه الله - أنه قد قُتل، وأن هناك مؤامرة حيكت ضده وضد نظريته ونظامه، مروراً إلى مقتلة لأنه فضح شركات الأدوية العالمية والأطباء بشكل عام، على الرغم من أن الرجل لم يكن متخصصا فى التغذية العلاجية بل كان أستاذ تخدير وعناية مركزة، وقد دحض نظريته العديد والعديد من السادة الأطباء مما لا يدع مجالا للشك بضحالة طرحه، فلا يعقل أيها السادة أن يكون من مكونات ذلك النظام (نظام الطيبات) التدخين، ومنع الإنسولين، وتناول السكر بكمية مهولة، وتناول العصائر غير الطبيعية والمعلبات التى تحتوى على الكثير من المواد الحافظة الضارة بالصحة، والتوقف تماماً عن تناول الأدوية بما فيها أدوية الأمراض المزمنة والمناعية التى لا ينصح الأطباء بتوقفها فجأة، لأنها تؤدى إلى تدهور الحالة الصحية العامة  للمريض وتعرضه للوفاة الفورية.

فعن أى طيبات تتحدثون يا سادة! 

أتفهم تماماً أن جزءا من هذا الهوس يعود إلى الكاريزما التى كان يتمتع بها الفقيد الراحل وطريقة عرضه بأسلوب مقنع، اعتمادا على أنه أستاذ جامعى، بالإضافة إلى أن قطاعا كبيرا من الشعب المصرى أو العربى بشكل أعم يميل إلى تلك الأطروحات على قاعدة الاستسهال وتوهم أن الابتعاد عن تناول الأدوية والمكلفة جداً فى أحيان كثيرة، وأن التردد على المستشفيات والأطباء يكلف الكثير من الوقت والمال، فكان هذا النظام يمثل لهم  الخلطة السحرية المريحة وغير المكلفة التى تأتى على هواهم، ولن نتحدث فى هذا المقام عن العوضية التى تميزت بالصلف والغرور وتضخم للأنا وتحقيره للعلماء وسبهم ولعنهم، بل وصل الأمر إلى تحقير مرضاه الذين اقتطعوا من قوتهم لدفع ثمن كشفه الباهظ .

فليس هذا أسلوب العالم، فالعالم يتميز بالتواضع وعفة اللسان وعدم الكبر على مرضاه والترفق بهم لا سبهم ولعنهم، ومن سخرية القدر أيضاً أن الراحل كان يحقر من شأن المرأة ومكانتها ومنزلتها، وكان ينظر إليها وكأنها لم تُخلق  إلا  لخدمة الرجل، ومن العجيب أنه كان يغلف نظريته ونظرته إلى الأمور بغلاف من الدين والإتيان بنصوص وأدلة فى غير سياقها وإلباسها ثوب الحق والدين. 

الخلاصة يا سادة أننا أمام فتنة يُراد بها إحداث انقسام فى أوطاننا العربية ولا سيما مصر، وهذا واضح لا تخطئه العين .. فلعنة الله على من أيقظ تلك الفتنة ونفخ فى كيرها، وحمانا الله من جهل الجاهلين وكيد الكائدين، حتى لا يأتى يوم نقول فيه وعوضى عليك يا وطن.