الأم دفعت حياتها ثمنًا لفسخ خطوبة ابنتها

صورة تعبرية
صورة تعبرية


الشرقية‭: ‬إسلام‭ ‬عبدالخالق

   لم تكن «عبير» تتخيل أن القرار الذي اتخذته لحماية ابنتها سيكلفها حياتها، وأن اعتراضها على استكمال خطوبة لم تر فيها مستقبلًا مناسبًا لابنتها سيتحول إلى حكم بالموت ينفذه شاب لم يحتمل فكرة الرفض، فاختار الانتقام بدلًا من الرحيل، وجعل من بيت الأسرة ساحة للدم والرعب في واحدة من أكثر القضايا التي هزت مركز كفر صقر بمحافظة الشرقية؛ إذ استعان الشاب -انتقامًا لفك ارتباطه من خطيبته- بأرباب السوء وأصدقاء الإجرام، ليرتكب واحدة من الجرائم التي علا فيها صوت الغضب على صوت الرصاص.

القصة بدأت قبل شهور من الجريمة التي وقعت منتصف مارس، حين ارتبطت «هاجر» بخطوبة مع الشاب «عبدالرؤوف»، الذي يكبرها بنحو سبع سنوات، في رباط وعلاقة بدت طبيعية في بدايتها كطبيعة أي مشروع زواج في القرى الريفية، حيث تتداخل العلاقات العائلية والاجتماعية، وتُبنى الزيجات على معرفة سابقة بين الأسر، لكن مع مرور الوقت، بدأت والدة الفتاة، السيدة «عبير»، تلاحظ ما جعلها تعيد التفكير في مستقبل ابنتها مع هذا الشاب.

كانت الأم تنظر إلى ابنتها باعتبارها مشروع عمرها كله، وكانت ترى أن الزواج ليس مجرد خطوة اجتماعية، بل حياة كاملة يجب أن تُبنى على الأمان والاحترام والاطمئنان، ومع تطور العلاقة بين الطرفين، بدأت الخلافات تظهر تدريجيًا، وبدأت الأم تشعر بأن ابنتها لن تجد الراحة في هذه الزيجة، وبعد تفكير طويل، اتخذت الأم قرارها بفسخ الخطوبة، في قرار لم يكن سهلًا داخل مجتمع ريفي يعرف الجميع فيه بعضهم البعض، لكن الأم تمسكت بموقفها، مقتنعة بأنها تحمي ابنتها من مستقبل لا تراه مناسبًا، وبالنسبة لها، كان الأمر نهاية علاقة لم يُكتب لها الاستمرار، لكنها لم تكن تعلم أن الطرف الآخر لم يعتبره مجرد انفصال عاطفي، بل إهانة شخصية وجرح لكرامته لن يقبل تجاوزه!

منذ لحظة فسخ الخطوبة، والتي جرت بعلم الجميع كما بدأ الارتباط قبلها ببضعة أشهر، بدأت مشاعر الغضب تتصاعد داخل «عبدالرؤوف»؛ لم يستطع تقبل فكرة أن تُنهي الأسرة العلاقة بهذه الصورة، وخصوصًا أن القرار جاءت بدايته من الأم التي كانت صاحبة الكلمة الحاسمة في إنهاء الخطوبة، ومع مرور الأيام، تحولت مشاعر الرفض والغضب إلى رغبة في الانتقام.

التخطيط للجريمة

وبحسب ما كشفت عنه التحقيقات لاحقًا، فإن الشاب المتهم لم يفكر في تجاوز الأمر أو بدء حياة جديدة، بل بدأ يخطط للانتقام ممن اعتبرها السبب الرئيسي في تحطيم مستقبله العاطفي، لم يكن وحده في هذا الطريق، إذ استعان بعدد من أصدقائه ومعارفه، ليصبح الأمر أخطر من مجرد تهديدات عابرة.

القضية التي حملت رقم 3522 جنايات مركز شرطة كفر صقر لسنة 2025، كشفت أوراقها عن تفاصيل صادمة لجريمة نُفذت بدم بارد، بعدما اتفق المتهم الأول «عبدالرؤوف» مع خمسة آخرين على التوجه إلى منزل الأسرة، حاملين أسلحة نارية، وفي أذهانهم فكرة واحدة هي الانتقام.

في ليلة الواقعة، كانت الأسرة داخل منزلها تعيش لحظات عادية، دون أن تدرك أن الخطر يقترب منها، الأم «عبير» كانت داخل البيت بصحبة زوجها «محمد»، وابنتهما «هاجر»، بينما كان المتهمون يقتربون من المكان وهم يحملون بنادق خرطوش وطلقات نارية، إلا أن مخطط الجريمة كان يُراد له أن يكون مسرحًا لوقوعه في الطريق العام؛ إذ تربص أصحاب السلاح الراغبون في الانتقام بعيدًا في المكان الذي أيقنوا أن الأسرة ستمر منه، وهو ما جرى خلال سويعات، حين استقل الزوجان وابنتهما وسيلة مواصلات «توك توك»، رفقة شخص آخر من القرية، والذي يعمل إلى جانب قيادته مركبة التوك توك معلمًا خبيرًا للغة العربية في مدرسة كفر صقر الثانوية العسكرية.

دقائق قليلة سارها التوك توك قبل أن يفاجأ الجميع بوابل من طلقات الخرطوش التي أصابت إحداها الفخذ الأيسر للأم «عبير» لتودي بحياتها، في لحظات تحولت معها الأجواء الهادئة إلى مشهد دموي، ووسط دوي إطلاق النار كانت «عبير» الهدف الأساسي، المرأة التي اتخذت قرار فسخ الخطوبة، فقرر المتهم الأول أن يعاقبها بطريقته.

وصلت سيارات الإسعاف لنقل الأم المصابة إلى المستشفى غارقة في دمائها وآلامها، إذ استمرت محاولات إنقاذها لساعات قبل أن تفارق الحياة متأثرة بإصابتها، بعدما شهدت بما جرى ودار ونطقت باسم المتهم الذي انتقم منها لرفضها زواجه من ابنتها.

بدأت فرق البحث الجنائي في جمع المعلومات وتحديد هوية المتورطين، فيما لم تستغرق التحريات وقتًا طويلًا لكشف الخيط الرئيسي للجريمة؛ إذ قادت التحقيقات مباشرة إلى الخطيب السابق «عبدالرؤوف»، الذي تبين أنه لم يتقبل فسخ الخطوبة، وقرر الانتقام من الأسرة.

ومع توالي التحريات، تكشفت تفاصيل أكثر خطورة، حيث ثبت اشتراك خمسة متهمين آخرين معه في تنفيذ الجريمة، جميعهم من مركز كفر صقر، وقد شاركوا في ارتكاب الجريمة التي استهدفت الأسرة في الطريق العام.

ضبط المتهمين

تمكنت الأجهزة الأمنية من ضبط المتهمين، وعُثر بحوزتهم على الأسلحة المستخدمة في الواقعة، فيما بدأت النيابة العامة تحقيقاتها الموسعة في القضية، مستمعة إلى أقوال المصابين والشهود، ومراجعة التقارير الطبية وتحريات المباحث.

وجاء في أمر الإحالة؛ أن المتهمين من الأول إلى الخامس ارتكبوا جريمة قتل المجني عليها عبير. م، والشروع في قتل زوجها وابنتها، حال إحرازهم أسلحة نارية وذخائر دون ترخيص، وذلك بدافع الانتقام إثر فسخ الأم خطوبة ابنتها من المتهم الأول.

القضية التي قُيدت برقم 593 كلي شمال الزقازيق لسنة 2025، والتي وقعت عشية 17 مارس، بينت أوراقها قرار النيابة العامة بإحالة المتهمين: «عبدالرؤوف. أ. م»، 24 عامًا، حاصل على دبلوم زراعة، و«أحمد. م. ع. م»، 25 عامًا، حاصل على دبلوم صنايع، و«محمد. ع. ع.»، 20 عامًا، و«محمد. ع»، 24 عامًا، حداد، و«إسلام. م»، 23 عامًا، و«أحمد. ع»، 20 عامًا، مقيمين في قرية كفر السويركي التابعة لنطاق مركز شرطة كفر صقر، للمحاكمة الجنائية بمحكمة جنايات الزقازيق بتهمة القتل العمد مع سبق الإصرار والترصد.

وبين أمر الإحالة؛ أن المتهمين من الأول إلى ال خامس قتلوا المجني عليها «عبير محمد حسيني محروس»، 42 عامًا، ربة منزل، مقيمة في قرية كفر القواسم التابعة لنطاق مركز كفر صقر، عمدًا مع سبق الإصرار والترصد، إذ طوعوا أنفسهم العليلة على خسيس السعي، بأن بيتوا النية وعقدوا العزم على قتلها وأسرتها، المجني عليهم كلًا من: زوجها «محمد. ح»، 59 عامًا، عامل زراعي، وابنتهما «هاجر»، 17 عامًا، طالبة، وخططوا للخلاص منهم بأن جهز الأول سلاحًا ناريًا «بندقية خرطوش» وذخيرة.

الحكم

وفي جلسات المحاكمة، واجهت المحكمة المتهمين بالأدلة التي جمعتها النيابة العامة، والتي تضمنت تفاصيل الاتفاق على تنفيذ الجريمة، وحيازة الأسلحة، ودور كل متهم في الواقعة، وفي الجلسة الأخيرة، أصدرت محكمة جنايات الزقازيق، في جلستها التي عُقدت برئاسة المستشار عادل هلال، رئيس المحكمة، وعضوية المستشارين أحمد سمير سليم، وسامح السيد لاشين، وإسلام أحمد سرور، وسكرتارية أحمد غريب، قرارها بإحالة أوراق المتهم الأول «عبدالرؤوف» إلى فضيلة مفتي الديار المصرية، لاستطلاع الرأي الشرعي في معاقبته بالإعدام، وحددت جلسة اليوم الثاني من دور شهر يوليو المقبل للنطق بالحكم، فيما قررت المحكمة تأجيل محاكمة باقي المتهمين الخمسة في القضية إلى الجلسة نفسها، لاستكمال الإجراءات القانونية والفصل النهائي في القضية التي بدأت بخطوبة وانتهت بجريمة قتل وشروع في القتل.

اقرأ  أيضا: قتل ابن عمه بسبب خلافات مالية

;