أحمد ناصف
فى خطوة تشريعية تعد الأوسع والأكثر إثارة للجدل خلال السنوات الأخيرة تقدمت الحكومة إلى مجلس النواب بمشروع قانون جديد للأحوال الشخصية، يتضمن تعديلات ومستحدثات قانونية تمس واحدة من أكثر الملفات حساسية داخل المجتمع المصرى، وهى تنظيم العلاقات الأسرية بعد الانفصال، وحقوق الأطفال، وأحكام الخطبة والزواج.
وأحال رئيس مجلس النواب مشروع القانون إلى اللجان المختصة لدراسته، تمهيدًا لفتح حوار مجتمعى موسع حول مواده، فى ظل حالة ترقب كبيرة من الرأى العام، خاصة أن المشروع يتضمن بنودًا تُطرح لأول مرة داخل التشريع المصرى، من بينها تنظيم االاستزارةب كحق قانونى مستقل، ووضع ضوابط لمبيت المحضون، بالإضافة إلى تنظيم تفصيلى لمسائل العدول عن الخطبة واسترداد الشبكة والهدايا.
ويستهدف مشروع القانون الجديد إعادة ضبط العلاقات الأسرية وتقليل حجم النزاعات التى تشهدها ساحات محاكم الأسرة، عبر وضع قواعد أكثر وضوحًا وعدالة تحفظ حقوق جميع الأطراف، مع التأكيد على أن امصلحة الطفل الفضلىب تظل المبدأ الحاكم لكافة المواد المنظمة للحضانة والرؤية والاستزارة.
الاستزارة
ومن أبرز ما استحدثه مشروع القانون الجديد تخصيص فصل كامل بعنوان االاستزارةب، لتنظيم حق اصطحاب المحضون بعد استلامه من الحاضن، فى محاولة لحسم الجدل المستمر منذ سنوات بشأن حقوق الطرف غير الحاضن فى قضاء وقت كافٍ مع الطفل خارج نطاق الرؤية التقليدية.
وعرّفت المادة (148) االاستزارةب بأنها طلب اصطحاب صاحب الحق للمحضون بعد استلامه من حاضنه لمدة محددة، على أن تتم إعادته بعد انتهاء المدة، مع جواز أن تشمل الاستزارة مبيت الطفل وفق ضوابط محددة.
ويُعد هذا التنظيم من أبرز البنود المستحدثة فى مشروع القانون، حيث ينقل العلاقة بين الطفل والطرف غير الحاضن من مجرد ارؤية لساعات محدودةب إلى تنظيم قانونى أوسع يسمح بالمشاركة الأسرية بصورة أكبر، مع وضع ضمانات تمنع الإضرار بالطفل أو استغلال الحق بشكل يثير النزاعات.
من يحق له طلب الاستزارة؟
ونص المشروع على أن الحق فى الاستزارة يثبت لغير الحاضن من الوالدين، وفى حال عدم طلبها أو تعذر ذلك ينتقل الحق إلى الأجداد، وذلك كله مع مراعاة مصلحة المحضون باعتبارها الأساس الذى تُبنى عليه جميع القرارات المتعلقة بالطفل.
ويأتى هذا الترتيب فى إطار محاولة المشرع تحقيق التوازن بين حق الطفل فى التواصل الطبيعى مع أسرته الممتدة، وبين ضرورة الحفاظ على الاستقرار النفسى والاجتماعى للمحضون.
ووضع مشروع القانون قيودًا خاصة على استزارة الأطفال فى السنوات الأولى من العمر، حيث نص على أنه لا يجوز طلب الاستزارة للمحضون الذى يقل سنه عن خمس سنوات ميلادية إلا باتفاق بين الأطراف، وبشرط أن تكون الحالة الصحية للطفل تسمح بذلك.
ويعكس هذا النص توجهًا تشريعيًا يمنح أولوية للحالة النفسية والصحية للأطفال فى المراحل العمرية المبكرة، خاصة فى ظل ارتباطهم الوثيق بالحاضن الأساسي.
كما حدد المشروع مدة الاستزارة بحيث لا تقل عن ثمانى ساعات ولا تزيد على اثنتى عشرة ساعة شهريًا، مع تنظيم توقيتها بحيث لا تبدأ قبل الساعة الثامنة صباحًا، ولا تستمر بعد العاشرة مساءً.
ولمنع تضارب الحقوق أو استغلالها فى النزاعات بين الطرفين، نص المشروع على عدم الجمع بين الاستزارة وحق الرؤية خلال الأسبوع ذاته إلا بقرار من المحكمة المختصة.
ويرى حقوقيون أن هذه الضوابط تستهدف خلق توازن عملى بين حق الطرف غير الحاضن فى التواصل مع الطفل، وحق الحاضن فى تنظيم حياة المحضون واستقراره اليومي.
ومن البنود التى يُتوقع أن تثير نقاشًا مجتمعيًا واسعًا، تنظيم مشروع القانون لمسألة مبيت المحضون لدى الطرف غير الحاضن.
ونص المشروع على ألا تقل مدة المبيت عن يومين شهريًا، ولا تزيد على أربعة أيام، مع جواز زيادتها وفق ضوابط محددة، وبما لا يتجاوز 30 يومًا سنويًا.
أحكام الخطبة
ولم يقتصر مشروع القانون على تنظيم أوضاع ما بعد الانفصال، بل امتد كذلك إلى مرحلة ما قبل الزواج، حيث وضع إطارًا قانونيًا تفصيليًا لأحكام الخطبة، باعتبارها مرحلة تمهيدية لا يترتب عليها قيام عقد الزواج أو آثاره القانونية.
ونصت المادة الأولى على أن الخطبة تُعد وعدًا بالزواج بين رجل وامرأة، دون أن يترتب عليها أى التزامات قانونية مماثلة لعقد الزواج، بما يحسم كثيرًا من الخلافات المتعلقة بالطبيعة القانونية لهذه المرحلة.
كما نظم المشروع مسألة العدول عن الخطبة، حيث منح الطرف الذى لم يتسبب فى إنهائها حق استرداد المهر إذا كان قد دُفع مقدمًا، أو استرداد قيمته وقت المطالبة إذا تعذر رده عينًا.
وأوضحت المواد المنظمة أن االشبكةب تُعتبر جزءًا من المهر ما لم يوجد اتفاق أو عرف يقضى بغير ذلك، وهو ما يمنح هذه المسألة أساسًا قانونيًا واضحًا بعد سنوات من الجدل داخل المحاكم.
وتناول مشروع القانون كذلك مسألة الهدايا المتبادلة خلال فترة الخطبة، حيث فرّق بين حالات العدول عن الخطبة وأسبابها.
فإذا تم العدول دون سبب مقبول أو نتيجة خطأ من أحد الطرفين، جاز للطرف الآخر المطالبة برد الهدايا القائمة أو قيمتها وقت الاسترداد، بينما إذا انتهت الخطبة باتفاق الطرفين، يلتزم كل منهما برد ما تلقاه من هدايا إذا كانت قائمة.
أما فى حالة انتهاء الخطبة بسبب الوفاة، فقد نص المشروع صراحة على عدم استرداد أى من الهدايا.
وحسم مشروع القانون الجدل بشأن التعويض الناتج عن فسخ الخطوبة، حيث نص على أن مجرد العدول عن الخطبة لا يوجب تعويضًا فى حد ذاته، إلا إذا اقترن بأفعال خاطئة مستقلة ترتب عليها ضرر مادى أو أدبى للطرف الآخر.
ويهدف هذا النص إلى منع استخدام دعاوى التعويض كوسيلة للضغط أو الانتقام بين الطرفين، مع الإبقاء على الحق فى التعويض حال وقوع ضرر حقيقى مثبت.
حوار مجتمعى
ويأتى مشروع قانون الأسرة الجديد فى إطار توجه الدولة لإعادة صياغة التشريعات المنظمة للعلاقات الأسرية بما يتلاءم مع التطورات الاجتماعية الحالية، وسط تأكيدات برلمانية بأن القانون سيخضع لنقاشات موسعة داخل اللجان المختصة، إلى جانب فتح حوار مجتمعى يضم المؤسسات الدينية والقانونية ومنظمات المجتمع المدنى والمتخصصين فى قضايا الأسرة والطفل.
ومن المتوقع أن تشهد مواد المشروع نقاشات واسعة داخل البرلمان وخارجه، خاصة البنود المتعلقة بالاستزارة ومبيت المحضون واسترداد الشبكة، باعتبارها من أكثر القضايا إثارة للجدل داخل المجتمع المصرى خلال السنوات الماضية.
وفى الوقت الذى يرى فيه مؤيدو المشروع أنه يمثل محاولة لتحقيق قدر أكبر من العدالة والتوازن بين أطراف الأسرة، يرى آخرون أن بعض البنود تحتاج إلى مزيد من الدراسة لضمان الحفاظ على الاستقرار النفسى والاجتماعى للأطفال وتقليل فرص النزاع بين الوالدين بعد الانفصال.
وأكد الدكتور عمرو الوردانى رئيس لجنة الشئون الدينية بمجلس النواب أن مشروع قانون الأسرة الجديد ليس مجرد تشريع عابر، بل هو قيمة مضافة تهدف إلى تعزيز الوعى المجتمعى وضمان الاستقرار، مشددًا على أن حماية الأسرة هى فى جوهرها حماية للمجتمع والوطن ككل.
وأوضح أن القوانين تتغير بتغير الزمان والمكان والأحوال، مشيرًا إلى أن القوانين السابقة وضعت لظروف معينة، بينما يهدف القانون الحالى إلى وضع الإنسان فى مركز اهتمام الدولة المصرية، ليكون قانونًا عادلاً يعيش لأجيال قادمة وليس ليوم واحد فقط.
اقرأ أيضا: دينا الصاوي تكتب: قانون الأسرة الجديد.. ومن يحاسب على خراب البيوت؟
دبلوماسية فاعلة وتنمية لا تتوقف .. تحركات رئاسية لدعم الاستقرار الإقليمى وصناعة المستقبل
لا اعتراف.. لا شرعية.. لا عبث بالتاريخ| القاهرة تتصدى لـ«سفارة الوهم» على أرض القدس
نقيب الفلاحين يتوقع تراجع الأسعار قريبا.. الطقس والسوسة وراء «هيستريا الطماطم»







