«الأخبار» ترصد ملحمة عكس المجرى الطبيعى للنهر
«نبع» العملاقة تضخ ١٠ملايين متر مياه تخدم 470 ألف فدان
مركز «سفنكس».. أكبر سوق متكامل وبورصة للحاصلات الزراعية بالشرق الأوسط
منذ فجر التاريخ، تشكلت جغرافيا مصر وعمرانها حول مسار النيل الطبيعي، وفى عهد «محمد علي»، مؤسس مصر الحديثة، استند بناء الدلتا القديمة وشبكة ترعها التاريخية إلى الانسياب الطبيعى لنهر النيل وقوانين الجاذبية التى تتماشى مع مجرى النهر من الجنوب إلى الشمال. غير أن الدولة المصرية خاضت خلال مشروع «الدلتا الجديدة»، واحدة من أكبر التحديات الهندسية والجغرافية فى تاريخها إذ لم يعد الأمر انتظارًا لفيضان النهر أو جريانه الطبيعى، بل شَكَّل المشروع تحديًا قوميًا عملاقًا تطلب ترويض الجغرافيا ورفع مياه النيل عكس المجرى الطبيعى عبر منظومة محطات رفع عملاقة ومسارات ذكية، لتتحول الصحراء القاحلة إلى أكبر مشروع زراعى وتنموى متكامل فى تاريخ مصر الحديث على مساحة تصل إلى 2.2 مليون فدان «الأخبار» عقب الافتتاح الرئاسى.. قامت بجولة من قلب هذا الإعجاز البشرى لتستكشف كيف تَمَّ إنجاز هذا التحدى.
البداية يقع مشروع الدلتا الجديدة غرب الدلتا القديمة بامتداد محور الشيخ زايد، ليربط بين محافظات مطروح والبحيرة والجيزة والفيوم.. نصف ساعة على محور الضبعة وتجد نفسك فى قلب هذا المشروع العملاق.
الهدف منه إنشاء قاعدة إنتاجية زراعية وصناعية وعمرانية متكاملة، بما يحقق الأمن الغذائي، ويزيد الرقعة الزراعية، ويدعم الاقتصاد الوطني، ويوفر فرص عمل واسعة، ويخلق مجتمعات إنتاجية جديدة تعتمد على أحدث نُظم الإدارة والتشغيل، ويمتد المشروع على مساحة تصل إلى 2.2 مليون فدان، بما يجعله أحد أكبر مشروعات التوسع الزراعى فى العالم.
محطة نبع
نبدأ جولتنا الميدانية من النقطة الأكثر إثارة للتحدى الهندسى بالمشروع، وهى محطة الرفع الرئيسية رقم (3) والمعروفة باسم محطة «نبع». هنا تقف شاهدًا على القدرات المصرية وعبقريتها، فالمحطة تقع على مسافة نحو 56 كيلومترًا من مأخذ المصدر الشرقى، وتمثل الركيزة الأساسية والقلب النابض للبنية المائية للمشروع.
داخل غرف التشغيل، تتابع أعين المهندسين أحدث أنظمة التحكم الرقمى بالكامل (Fully Controlled System) والمربوطة بمنظومة SCADA الرئيسية للمشروع للإدارة اللحظية عن بُعد، وتعمل المحطة بارتفاع ضاغط يصل إلى نحو 22 مترًا لرفع المياه عكس الاتجاه الطبيعى وضخ تصرف مائى هائل يصل إلى نحو 9.75 مليون متر مكعب يوميًا لتغذى المحطة ما يقرب من 80% من مشروع الـ 300 ألف فدان، وتغذى 100% من مشروع الـ 400 ألف فدان، لتخدم فى المجمل زمامًا زراعيًا يُقدَّر بحوالى 470 ألف فدان.
وتضم المحطة منظومة هندسية أمنية ضد أى اضطرابات كهربائية تُطبَّق لأول مرة فى قطاع المياه بمصر، وتتكون من 11 مضخة (9 رئيسية و2 احتياطية) بتصرف 12.5 متر مكعب فى الثانية للمضخة الواحدة، و11 محركًا كهربائيًا بقدرة 3500 كيلووات لكل محرك، لضمان تدفق شريان الحياة دون انقطاع.
منظومة مائية
بينما نتحرك بالسيارة عبر الطرق الممتدة داخل المشروع، والتى بلغت أطوالها رقمًا قياسيًا يصل إلى 12 ألف كم، يظهر لنا حجم العمل الذى قاده جهاز مستقبل مصر.. إن تأمين المياه لـ 2.2 مليون فدان تطلب صياغة منظومة مائية هى الأكبر فى المنطقة تدمج ثلاثة مصادر (مياه سطحية، مياه الصرف الزراعى المعالج، والمياه الجوفية)، حيث يُمَد المشروع بنحو 10 ملايين متر مكعب يوميًا من المياه السطحية، و7.5 مليون متر مكعب يوميًا من مياه الصرف الزراعى المعالج.
ولنقل هذه الكميات الضخمة من المياه، تم شق مسارات مائية رئيسية بأطوال تصل إلى 697 كيلومترًا من القنوات المفتوحة، توازيها خطوط مواسير رئيسية وفرعية بأطوال تصل إلى 9100 كيلومتر تُغذيها 28 محطة رفع رئيسية و388 بوستر لتشغيل 8100 من أجهزة الرى المحور.. ولإضاءة وتشغيل هذه الملحمة، تم بناء شبكة كهرباء عملاقة تضمنت إنشاء 18 محطة محولات، وشبكات كهرباء ممتدة قامت على 121 ألف عمود كهرباء بأطوال تصل إلى 19 ألف كم.
وهناك فى الحقول الممتدة على مَد البصر، يلتقى العلم بالإنتاج. هنا تبنى جهاز مستقبل مصر منظومة الزراعة الذكية التى تعتمد على تقنيات الرى بالتنقيط، والتحكم الرقمى والاستشعار عن بُعد لإدارة الرى والتسميد، والتوسع فى الزراعة العضوية، ومراقبة الإنتاج بالتكنولوجيا الحديثة لترشيد المياه والطاقة.. وتكشف جولاتنا بين الحقول التركيز المحورى على المحاصيل الاستراتيجية؛ وفى مقدمتها القمح لتحقيق جزء أكبر من احتياجاتنا الضخمة واستقرار الغذاء، وكذلك شاهدنا مزارع بنجر السكر لتقليص الفجوة الاستيرادية وفتح آفاق تصدير الفائض للخارج لدعم النقد الأجنبي، كما شاهدنا مساحات واسعة لزراعة الكتان كمحصول ثنائى الغرض يدخل فى الصناعات الغذائية (زيت الكتان) وتُستغل مخلفاته كأعلاف حيوانية.
شراكة القطاع الخاص
هذه المنظومة لا تدار بجهد منفرد؛ بل من خلال خلايا خلية نحل تضم أكثر من 250 شركة زراعية واستثمارية تعمل جنبًا إلى جنب مع الجهاز، لتجسد نموذجًا متطورًا للشراكة بين الدولة والقطاع الخاص وتوفر فرص عمل مباشرة وغير مباشرة.
مدينة مستقبل مصر
لا تتوقف التنمية عند حدود الحصاد؛ بل تمتد لتعظيم القيمة المضافة من خلال «مدينة مستقبل مصر الصناعية» التى صممت لتحويل المحاصيل الخام إلى منتجات نهائية جاهزة للتداول والتصدير عبر بنية تحتية متطورة ونظم تشغيل ذكية، وتضم المدينة:
(مصانع العصائر-مصانع الخضراوات والفواكه المجمدة-مصانع المركزات-مصانع العبوات المعدنية-مصانع السكر-مصانع النشا والجلوكوز-مصانع الأعلاف-مصانع المربى والصلصة-مصانع اللحوم المصنعة-مصانع البطاطس نصف الجاهزة-ثلاجات التبريد والتجميد-محطات التعبئة والتغليف والخدمات اللوجستية).
وعلى بُعد مسافة قصيرة، وتحديدًا عند الكيلو 22 من محور الشيخ زايد مع تقاطع محور سفنكس، وقُرب الطريق الدائرى الإقليمي، وصلنا إلى «مركز سفنكس لتجارة المحاصيل» وهو أكبر سوق متكامل لتجارة المحاصيل بالشرق الأوسط ممتد على مساحة تقارب 500 فدان، ويضم المركز أسواقًا متخصصة للخضراوات والفواكه والبقوليات، أسواق الأسماك والفواكه الموسمية، مخازن مبردة ومجمدة، بورصة للحاصلات الزراعية، محطات فرز وتعبئة، مركزًا للمال والأعمال متعدد الاستخدامات، وخدمات حكومية ولوجستية متكاملة).
عوائد المستقبل
فى ختام جولاتنا، يتضح أن الدلتا الجديدة ليست مجرد مشروع زراعي، بل رؤية قومية جديدة للاقتصاد الأخضر تقوم على إعادة استخدام المياه، وترشيد الطاقة، وإنشاء مجتمعات ذكية متكاملة منخفضة الأثر البيئى فى مجالات عمل تتنوع بين التعدين، السياحة، التطوير العقاري، والثروة الحيوانية والداجنة والسمكية.
هذا الفكر التنموى يُترجم مباشرة إلى استقرار مجتمعي؛ حيث ينجح المشروع اليوم فى توفير فرص العمل المباشرة وغير المباشرة، لتثبت الدولة المصرية رؤيتها للتنمية المستدامة وأن عبقرية المصريين نجحت فى تطويع مسار المياه وصناعة مستقبل واعد للأجيال القادمة بأيدٍ مصرية 100%.
عبد العاطى يدعو المستثمرين لتعزيز تواجدهم بمصر
163 ألف طالب وطالبة يخوضون امتحانات الثانوية الأزهرية
100 خريج فى هندسة عين شمس بسوق العمل الأوروبى







