رحلةُ الأسطح ما تقوله الطوابق العلوية عن الكتابة

رحلةُ الأسطح
رحلةُ الأسطح


مشعان المشعان

فى طفولتي، كانت كلمة تتردّد فى أذنى كلما جلستُ فى المساجد، وأحيانًا كنت أسمعها من أمى وهى فى محرابها، ترفع يديها إلى السماء. وتقول: «يارب، لا تعلّق قلوبنا بهذه الدنيا». كانوا يرونها زائفة، عابرة، لا تستحق التشبّث. وكنتُ أرددها معهم دون وعي، كطفلٍ يقلّد ولا يدرك. لكننى كبرت، وأحببت الله، وأحببت الحياة أكثر؛ فاكتشفت أن الإيمان لا يُقاس بالانفصال عن الدنيا، بل بقدر تعلّقك بها، بقدرتك على أن تراها هبة وتذوقها شكرًا. الذنوب، ليست الكذب وحده، ولا السرقة، ولا اغتصاب حق. الذنوب أوسع من ذلك بكثير؛ أن يمنحك الله حياةً مليئة بالجمال، ثم تعجز عن أن تعيشها، أن تمرّ أمامك الأيام كظلٍّ باهت، دون أن تغتسل بروحها أو تتورّط فى بهجتها. نعم، الدنيا زائفة فى ظاهرها، لكنك أنت الحقيقى فيها. أنت الامتداد من الأرض إلى السماء، لا من السماء إلى الأرض. واليوم، فى دعائي، لا أطلب انفصالًا عن الدنيا، بل وصلًا بها: «يا رب، علّق قلبى بهذه الدنيا. يارب، أجعل لى جنةً فيها، قبل جنة الآخرة».

أكرّر الدعاء للمرة العاشرة، فيما هواءُ إسطنبول الماطر منذ صباح هذا اليوم يلامس وجهى وجسدي، وأنا أَسند نفسى إلى حائط البلكونة المنخفض فى الدور العلوي، الطابق السابع، كأننى أتشبّث بالمدينة كى لا أفلت.
«آه، كم أحب المدينة من الأعلى». أتنهدُ لذلك، فى حين أخذتُ أتذكّر ما قاله «ريكاردو بيجليا» عن القارئ الأخير: إن المدينة بعيدة على الدوام، وهذا الإحساس ببعدها من نقطة قريبة جدًا، أمر لا يمكن نسيانه. ترى البنايات والميادين والشوارع، كما ترى الضاحية المائلة نحو الغرب حتى تتلاشى فى الحقول. إنها ليست خريطة، ولا هى ماكيت، بل هى بالأحرى جهاز مراقبة؛ المدينة كلها هناك، مركّزة فى ذاتها، مقتصرة على جوهرها. المدينة هى بوينوس آيرس (وفى حالتى إسطنبول)، لكنها معدّلة ومصابة بالجنون (وبالحزن)، وخاضعة للرؤية الميكروسكوبية لبانيها.
يواصل ريكاردو قائلًا وأنا ما زلتُ فى موضع وقوفي، وقطراتُ المطر لم تتلاشَ: من يتأمل المدينة يعيد إنتاج فعل القراءة. من يتأمل هو قارئ، وبالتالى يجب أن يكون وحيدًا. هذا التطلع إلى الحميمية والانعزال يفسر السر وراء مشروعى الكتابة أو التقاط الصور.
«الفن صورة مصغرة». يعيش القراء أحيانًا فى عالم موازٍ، وأحيانًا يتخيلون أن هذا العالم يتسلل إلى الواقع. المدينة إذن ليست إلا صورًا وتمثيلات، ليست إلا قراءة وإحساسًا فرديًا، ليست إلا استحضارًا للمفقود. فى النهاية، هى محاولة لرؤية غير المرئي، وتسليط الضوء على صور شفافة لم نعد نراها، لكنها لا تزال كالأشباح، تعيش بيننا.
فى مركز الغرفة، رأيتُ المدينة كما رآها «ريكاردو»؛ واقعية أكثر من الواقع، أكثر تجريدًا، وأكثر صفاءً. كأن البناية (أو غرفتي) خارج الزمن، لها مركز لكنها بلا نهاية؛ زرقة بحر البوسفور، ومن بعيد وقريب: آيا صوفيا، المسجد الأزرق، ومسجد الفاتح. وفى الشرق، قرب الشوارع الفرعية والأزقة الضيقة، ثمة سيارات مصطفّة فى مسار طويل خلف بعضها. وتحت ناظري، مقاه تصطف على طول الجادة، نظيفة وهادئة.
فى المشهد الذى كتبه «ريكاردو» لا يتحدث عن المدينة وحدها، بل عن فعل الكتابة بوصفها نظرًا من الأعلى. كأننى حين أنظر إلى إسطنبول من شرفة البلكونة تلك، لا أرصد التفاصيل لمجرد رصدها، بل أحوّلها إلى أداة قراءة، تماما كما قال ريكاردو بيجليا: النظر فعل القراءة، والمدينة نص مفتوح. أن الكتابة ليست تسجيلًا للواقع كما هو، بل هى تصفية وتكثيف؛ أننى لا أرى إسطنبول كما يراها السائح فى الشارع، بل كما تُستعاد فى ذهني: صورة مركّزة، حادة، مشبعة بالذاكرة والحنين. المدينة هنا تتحوّل إلى جهاز مراقبة داخلي، حيث كل زاوية تحمل أثرًا، وكل بناية تختزن معنى يتجاوز ماديتها. الكتابة هنا تقترب من التصوير، لكنها لا تلتقط اللقطة فقط، بل تحاول أن تُظهر ما وراءها: الغياب، الفقد، الحنين، الأشباح التى تعيش بيننا. اللافت فى المشهد أن المدينة تُرى من الأعلى، ومن الداخل فى آن واحد: من الأعلى، لأننى أملك مسافة تسمح لى برؤية اتساعها. ومن الداخل، لأننى أعيد إنتاجها عبر تجربتى الخاصة، لتصبح المدينة انعكاسًا لذاتي. الكتابة عن المدينة إذن ليست توصيفًا عمرانيًا، بل بحث عن ذاتى فى انعكاساتها، محاولة للقبض على ما لا يُرى بالعين: الإحساس بالحميمية والانعزال، والرغبة فى تعليق الزمن داخل لحظة واحدة متكررة (نفس الغرفة، نفس الإطلالة، نفس الطقس العاطفي). بمعنى آخر: هذا المشهد (من الطابق العلوي) يقول إن الكتابة هى حفظ مسافة آمنة مع العالم، تتيح لك أن تراه كاملًا، لكن عبر عزلتك الخاصة. وكأنك تكتب كى تمنح الواقع شكله الأوضح، أو لتجعله واقعيًا «أكثر من الواقع». كل مدينة تُكتب مرتين: مرةً كما هي، ومرة كما تعيشها أنت فى عزلتك.
«آه، كم أحب هذه المدينة من الأعلى، وكم اشتقت إلى تلك الشقة». أعيدُ تلك التنهيدة، وأنا أنسحبُ من الشرفة إلى تحت غطاء فراشى الدافئ، كى أنعمَ براحةٍ قليلةٍ بعد جهدِ مسافةِ الطريق من مطار (صبيحة) إلى هذا الفندق. كانت هذه المرة السادسة التى أزور فيها إسطنبول، وفى كل مرة آتى إليها أحجز الغرفة ذاتها فى الفندق نفسه، لأطل منها على المدينة. كم أشعر بالحميمية، بالانعزال، وبالتأمل، كأننى خارج العالم فى هذا المكان.
فى المساء، سرتُ أتجوّل، محاولةً منى لقطع مسافات طويلة فى أزقة شوارع إسطنبول، التى تتفرع منها ميدان تقسيم وما حواليها.
لماذا المسافات الطويلة؟
لأن الدخول فى التجربة، بالنسبة إليّ، يحتاج إلى تمهيد طويل، يحتاج إلى ذلك الصمت الممتد، إلى التكرار الأبدي.
إننى لا أمتلك الموهبة ذاتها التى يمتلكها الآخرون، أولئك الذين، بمجرد وضعهم فى المكان المناسب، يتأقلمون سريعًا، ويتناسبون مع المكان، وتتحد أرواحهم معه.
ذلك أمر يختلف عمّا أنا عليه؛ فأنا أمارس البطء، أو لأكن صادقًا: أنا بطيء جدًا كى تجد روحى مكانها، حتى ينسجم عالمى الداخلى مع عالمى الخارجي.
ولعلّ هذا ما يفسّر طريقة الكتابة لديّ؛ فأنا أحب تأصيل الأشياء قبل الحديث عن إجابة السؤال، أحتاج إلى مقدمات أمهد بها للحديث عن صلب الموضوع. ولهذا تبدو كتاباتى أشبه بتمهيدات طويلة، كما هى المسافات الطويلة التى أحتاج إلى قطعها، لا تجنّبًا للاختصارات، بل لأجد نفسى داخل التجربة، ولأحسّ بوجودي.
فالمسافات القصيرة تنتهى قبل أن تبدأ اللحظة، قبل أن أستعيد شغفى وبهجتي، قبل أن أسترعى انتباهي! لكنّ الأمرَ اختلف الآن. اليومَ لم أعدّ كما كنتُ فى زياراتى الأولى قادرًا على اجتياز تلك المسافات الطويلة دونما أن أنصدمَ بموقفٍ أو حدثٍ يعيدنى إلى حيث لا أكونُ أنا! كنتُ شبهَ تائهٍ، لا أعرف أين مكاني. أسيرُ فحسب، أهبطُ الشوارعَ منحدرًا، وأتسلّق صعودًا حادًا أحيانًا. المدينة ليلًا ليست هى ذاتها صباحًا. فى الصباح، عصافيرُ تُغرّد، أمواج البوسفور وهى تخبط الأرصفة، صياح النوارس المحلقة تحت المراكب الصغيرة، مواء القطط. فى الصباح، زحامُ البشر يخفّ، والسكارى نائمون بعد مساءٍ طويلٍ من ارتشاف الشراب. لا مناورات، لا متشرّدين، لا أحد يعترض طريقك. أصواتُ الغناء بصخبها التى تصدح من المحالّ مساءً، وأنت تسير بمحاذاتها، تختفى مع الضوء الأول. كلُّ شيءٍ هادئ فى الصباح. حفيفُ الأوراق يحيّيك، همسةُ البائع «صباح الخير»، ابتسامةُ عامل النظافة وهو يكشط الشوارع من مخلفات الأمس، زبونُ يدخل المحلّ بصمت. أما الأن وأنا أعبر الطريق فى آخر الليل. تكشف إسطنبول عن وجه آخر. عما يخشاه الروائى أورهان باموق فى كتاباته من «التغريب المادي»، «وعصر الاستهلاك» التى قضت على الهُوية التركيّة المحافظة. فى المساء ترى «فتيات السوربون» كما أطلق عليهن باموق، تلك الفتيات القادمات من أوروبا بسبب الدراسة، اللواتى يفتخرون بالأخلاق الجنسية، باعتبارها الأسلوب المتبع فى أوروبا. كنتُ أرتقى السُّلَّمَ الحجريَّ الطويل. فى كلِّ عتبةٍ كان يجلس اثنان: شابٌ وفتاة، فى عناقٍ فمويٍّ، وكلٌّ منهما يمسك بقنينةِ بيرة، يبدوان طالبين. مثل شيوع هذه الثقافة الغربية فى بلاده نراه فى كتابه «متحف البراءة» ناقمًا عليها. فى المساء لا يمكنك زيارة مبنى «متحف البراءة» الذى حوّله أورهان من مكانٍ منسيٍّ إلى متحفٍ يضمّ عددًا كبيرًا من التفاصيل الصغيرة التى ذُكرت فى الكتاب. صباحًا، سأبحث عن «كمال» و«فسون» هناك.
داهمنى العطش، فى متجرٍ صغير للموادّ الغذائية اشتريتُ عصيرين مختلفى اللون. سألتُ البائع عن سعرهما، فصرخ فى وجهى «أنتم العرب دائمًا تسألون عن السعر!». حاول رجلٌ يقف إلى جوارى تهدئةَ الموقف، فقلتُ بهدوءٍ متماسك: «أسألك فقط لأعرف قيمة ما أدفع!». قال لى الرجل الذى أنقذ الموقف، ونحن نغادر المتجر إلى زقاقٍ ضيّق، إنّ إسطنبول مدينةٌ رأسماليةٌ مقيتة. ثم أشار إلى صالون حلاقة قائلًا: «أنظر إلى ذاك الرجل. يعمل من الصباح حتى فجر اليوم التالي، لا ينام سوى ساعتين، وما يُبقيه مستيقظًا تلك السيجارة التى لا تنطفئ من بين يديه». مُفاجآت المساء أصبحت تُثقلني، المدينة فى المساء لا تُرى إلا من منظار كلمة «الحزن» التى وصفها أورهان باموق فى كتابه «إسطنبول: المدينة والذّكريات». لم أعد، كما قلت، قادرًا على القفز فوق الحواجز أو التجاوز. هل كبرتُ؟ الحقيقة، أن الواقع ليس صديقًا لي؛ لذلك، فى أسفارى الأخيرة، صرتُ أبحث عن الأسطح، عن الطوابق العلوية، أهرب من العالم السفلى إلى المتخيَّل. يتحدّث «توماس مان» فى كتابه «رحلة بحريّة مع دون كيخوته» عن الفرق بين كونك شاهدًا أو مشاهدًا؛ بين الوقوف على الساحل وبين أن تكون فى قلب المحيط. إنها الفكرة ذاتها التى أجد نفسى فيها: أن نشاهد الأشياء، أو أن نكون نحن هذه الأشياء.
فى طريقى إلى الغرفة، صادفتُ فى أحد أزقّة «ميدان تقسيم» فندقًا، فى أعلاه مقهى. كان فى الأصل سطحًا معزولًا ومهجورًا، ثم صار مكانًا للجلوس. صعدتُ إليه، فتوزّعت الجلسات بين الداخل والخارج. فى الخارج، كراسٍ تطلّ مباشرةً على الميدان. جلستُ هناك، وكأننى أقف على الساحل؛ أرتشف قهوتي، وأقلّب كتابًا. غيرَ عابئٍ بما يدور أسفلَ مني؛ بصراخِ البائعين، وجرسِ القطار المتحرّك، وعِراكِ المارّة مع المتسوّلين المتشرّدين، ولا وقعِ أقدامِ الجموع البشر المستعجلة، ولا حتى أنينِ صمتِ العازفِ الوحيد هناك. لقد صرتُ فى موضع «أن نشاهد الأشياء»، بعد ما كنت قبل قليل «أنا هذه الأشياء» فى الأسفل.
فى تلك اللحظة، بينما أُقلّب الكتاب أمام الطاولة الدائرية الصغيرة، خُيّل إليّ أننى فى مشهدٍ من عالم هاروكى موراكامي: بطلٌ وحبيبته على سطحٍ فى طوكيو، يتسامران ويشربان، بينما الحريق يشتعل فى الأسفل، وسيارات الإطفاء تصطفّ بلا اكتراث. آه، كم أحتاج أن أجلس مشاعل هنا، فوق هذا السطح، وأن نستمتع معًا بالعدمية، وباللامبالاة تجاه كل شيء. مشهد هاروكى هذا عن لحظة كاملة تتوازن فيها الفوضى بالخفة. كأنك تريد أن ترى الحياة من ارتفاعٍ غريب: النيران تلتهم العالم فى الأسفل، سيارات الإطفاء تصرخ كأنها تحاول إنقاذ النظام، بينما أنت وهى فوق، فى مكانٍ معزول، تشربان وتضحكان بهدوء، كأن لا شيء يخصكما، معفيّان من أيّ مسئوليةٍ فى سياق التبادل، أنتما لم تعودا معنيَّين، لأنكما منسحبان من هزّات العالم، غيرَ مُكترثين بالارتماء فى المستقبل. إنه مشهد موراكامى بامتياز: الحريق كرمز لانهيار العالم الخارجي، والسقف كمساحة صغيرة من الحرية، واللامبالاة التى تتحول إلى نوع من الطمأنينة الأبيقورية. الكتابة هنا تقول: أن الجلوس مع من تحب فوق سطحٍ ما، فى لحظةٍ خطرة، قد يكون أكثر صدقًا من ألف حياة منظمة. أن العدمية ليست يأسًا، بل لتخفيف ثقل العالم: «فلتحرق المدينة، نحن سنبقى نشرب ونضحك فوقها». الكتابة، بهذا المعنى، فعلُ توحّدٍ خالص؛ أن ينغلق الفرد فى عالمه الباطني، عالمٍ لا تربطه بالخارج صلةٌ مباشرة، إلا عبر الصورة. ما يجرى من حوله لم يعد قادرًا على التأثير فيه. فالكتابة تقف خارج تدفّق المعلومات التى تهزّ العالم، وتُبقى الفرد ممسكًا بعالمه الصغير، وكأنّه ملاذه الأخير. كان الليل يميل ببطء نحو منتصفه، وأنا أواصل من الطابق العلوى عيش حالة تعليق الوجود: لا ماضٍ يثقل، ولا مستقبل يضغط، فقط الآن، فقط قهوة وكتاب، فقط الحريق هناك، ورغبتى فى العبور هنا. كأن كل ما يحدث فى الأسفل، بكل فوضاه وصخبه، كان مجرد خلفية لمشهد صغير وبسيط: أنا وخطيبتى -أتخيلها أمامى الآن- نحتسى ونسمّر، غير عابئين بشيء، وكأننا نجلس على حافة العالم.
فى شقتى الجديدة التى انتقلتُ إليها قبل أسبوعين، أُمهِّد لبداية حياة جديدة. أنوى أن أنتهى من بعض كتابة المقالات قبل أن تأتى مشاعل تحت سقفٍ واحد، حاملةً معها السعادة، لتبدّد هذه الوحدة، وهذا الصمت الذى يحرِّك النص. وأحيانًا أقول: هى لا تحتاج منى سوى كل حياة، كل سعادة أضعها أمام خطواتها. عليَّ إذن أن أتخلّص من كل حساسية تجاه العالم، فحين أكتب، لا أحاول أن أفهم، بل كى أتخلّص. حين أكتب، أجد نفسى عالقًا بين عالميْن: حنينٍ يسبقنى إليها، وهذا النص الماثل أمامي. كيف تتحوّل الكتابة من مجرّد تشبّث بالأشياء إلى عبور، ثم إلى نسف يحرّرنا؟ كانت الكتابة أشبه بالتقاط صورة تُجمّد اللحظة، لكن ما يورث الألم هو البقاء عندها وعدم تجاوزها. عندها لا تعود الكتابة جسرًا نحو الأمام، بل قيدًا يشدّنا إلى الماضي. إنك حين ترفض أن تفتح قلبك لما هو آتٍ، تجد نفسك عالقًا فى زمن بعينه، أسيرَ لحظةٍ واحدة تعيقك عن المضيّ قُدُمًا. يبدو الطابق الثالث من شقّتى وكأنّه مُعلَّق فوق مستوى الأرض بقدر يشبه تمامًا ارتفاع البيوت المجاورة عن أسطحها. فمعظم تلك البيوت لا يتجاوز طابقًا واحدًا أو طابقين، تعلوهما أسطح مكشوفة للسماء. وهكذا أجدني، رغم أنّنى أسكن فى الطابق الثالث، أطلّ فعليًا من نافذتى على مستوى يوازى أسطح البيوت المقابلة أو يتجاوزها أحيانًا، كأننى أسكن فى علوٍّ مفتوح لا يفصلنى عن السماء سوى زجاج نافذتي. وصعودى اليومى عبر السلالم إلى باب شقّتى يشبه، بطريقة ما، رحلة الطفل فى كتاب (حكاية السيّد زومّر) إلى أعالى الأشجار؛ تلك الرحلة التى يمزج فيها الارتفاع بالحرية، والخطوات العادية بشيء من المغامرة الخفية. يصعد الطفل فى كل مرّة إلى أعالى الأشجار، فهى تمنحه ارتفاعًا أعلى، وإحساسًا بالسكون والانفصال عن العالم، يسود هذه اللحظة الهدوء، طالبًا أن يُترك وشأنه، فلا نداءات مزعجة من جانب الأم ولا أوامر الأخ الأكبر لأداء الواجبات. فى الأعلى، لا يوجد سوى النسيم وحفيف الأوراق وطقطقة الجذوع الخافتة... والمنظر، المنظر الرائع: «لم أكن أطل فقط على بيتنا وحديقتنا بل على البيوت والحدائق الأخرى أيضًا، وأرى حتى إلى الأراضى ما وراء البحيرة وإلى الجبال، وقرب المساء عندما تغيب الشمس، كنت أستطيع أن أراها من ذروة شجرتى وهى تنزل وراء الجبال، فيما هى بالنسبة للناس تحت قد غابت منذ مدة». السقف العالى كان مثل الطيران تقريبًا. إنّ تسلّق الأشجار فى حكاية السيّد يمنح الراوى منظورًا يشبه ما تمنحه أسطح المنازل. أى أنّ الأشجار كانت بالنسبة له نافذة أوسع وأعمق، تجعله يعيش تجربة أكثر حرية واتساعًا، تُشعر الراوى بعلوٍّ ورحابة لا تمنحها الأرض. كان التسلّق أشبه بالطيران، أو الشعور بالخروج من العالم اليومى المألوف. لهذا أخترت الطابق الثالث من الشقة، ما يمنحنى أفقًا أبعد وأوسع من سقف الطابق الأول للبيت. فالطابق الثالث جعل السكن فى مستوى الأسطح شبيهًا بالتحليق، وجعل صعود الدرج امتدادًا رمزيًا لتسلّق الأشجار، تفعل الكتابة الشيء نفسه: تربط بين الواقع والذاكرة، بين الحاضر ونصٍّ قرأناه يومًا، وتحوّل المسافة الجسدية إلى دلالة شعورية. حكاية الطفل، وحكاية صعودى للطابق العلوى يوميًا، تقول إن الكتابة تبدأ حين نتوقف عن العيش فى الأشياء، ونبدأ بالنظر إليها. كل كتابة هى نسف لكتابة سابقة، وفكرة تجبُّ فكرةً قبلها، وشعور يحجب شعورًا آخر. أعلم أن الكتابة بعد اليوم لن تصبح استدعاءً للذاكرة والإمساك بالحدث وبالشعور كى لا ينفلت، بل ستصبح: نسفًا، نسفًا، نسفًا. إنه تحوّل غريب فى مشاعري.
كانَ المطر فى ليلة شتاء بارد يشتدّ فى الخارج. من أمامَ الشرفة، تأمّلتُ المدينة، فيما تعود بى الذاكرة إلى أيامى الأولى فى إسطنبول. هناك، بين البلل والحنين، أخذتُ أَردّد كلماتي: «يا رب، علِّق قلبى بهذه الدنيا... يا رب، اجعل لى جنّةً فيها، قبل جنّة الآخرة».

كاتب سعودى حائز على جائزة ابن بطوطة لأدب الرحلة.