مذكرات مسافرات إيرانيات إلى مكة

مدونات «الخوانم»

الصورتان من منمنمات الأميرة شيرين
الصورتان من منمنمات الأميرة شيرين


ياسمين عبدالله

يحكى الفردوسى فى شهنامته عن شيرين، الأميرة الأرمنية التى سافرت وحدها على صهوة جوادها إلى إيران لتعثر على حبيبها، الأمير خسرو، فصورتها المنمنمات وهى تستحم فى مياه النهر بينما يحرسها فرسها، أو بينما تُبارز خسرو نفسه، فى زمن كان سفر المرأة وحدها يُقابل بالمنع والتحريم. 
وفى الحقيقة، فإن سفر النساء وحدهن فى قوافل الحج كان شكل من أشكال التنقل المُستساغة والمفهومة، فيذكر التاريخ أن زبيدة زوجة هارون الرشيد سافرت وحدها للحج، وأقامت فى الطريق عين ماء لا تزال تُعرف إلى اليوم بعين زبيدة، كما عُرف عن كثير من نساء سلاطين المماليك الذهاب إلى رحلات الحج بدون السلطان وفى رفقة موكب المحمل وأمير الحج، وتناول أيضًا بعض الرحالة وجود النساء لأداء شعيرة الحج بالوصف، مثلًا ابن جبير وصف فى رحلته لمكة فى القرن السادس الهجرى مشهدًا استثنائيًا لاحتشاد نساء مكة فى اليوم التاسع والعشرين من شهر رجب، وهو اليوم المخصص لفتح باب الكعبة لهن، والسماح لهن بالصلاة فى جوفها، فوصف ابن جبير ما صاحب هذا اليوم من طقوس ومشاعر استثنائية لدى النساء، لكن اللافت أيضًا أنه سجل ملاحظات حول النساء النبيلات اللواتى حضرن الحج، مثل «الشريفة جمانة» التى كان لها هودج مميز يجر خلفه ذيلًا طويلًا على الأرض، ولاحظ أن المشاعل كانت تتقدم مواكب أميرات أخريات، ومنهن من كانت توفر مئات الإبل لحمل المياه والمؤن والملابس وتوزيعها مجانًا على الحجاج المنقطعين.

عدسة مغايرة للمُقدس: كيف وثقت نساء إيران رحلة الحج؟
فى ورقة بحثية بعنوان (Women as Pilgrims: Memoirs of Iranian Women Travelers to Mecca= النساء كحاجّات: مذكرات مسافرات إيرانيات إلى مكة) أعدتها أمينة محلاتي، المحاضرة فى جامعة برينستون، تتناول الورقة موضوعًا كان مهملًا بالفعل فى الدراسات التاريخية، وهو مذكرات ورحلات النساء الإيرانيات اللواتى سافرن إلى مكة المكرمة على مدار القرون الأربعة الماضية؛ بالتحديد أربعة نماذج محددة لنساء من الطبقة العليا، دوّنَ تجاربهن الروحية، والصعوبات التى واجهنها، وتصوراتهن للمجتمعات التى مررن بها.
وفى الحقيقة تجسد كتابات النساء الإيرانيات عن رحلة الحج جنسًا أدبيًا رصينًا فى الأدب الفارسي، لا يقل فى قيمته المعرفية أو التاريخية عن مساهمات الرجال، بل يضيف إليها أبعادًا إنسانية وتفصيلية لم تنل حظها الكافى من الدراسة من قبل؛ فبالرغم من تباين خلفيات الكاتبات واختلاف ظروفهن، فقد توحدت غايتهن فى السعى نحو أداء المناسك على وجهها الصحيح وبلوغ الصفاء الروحى المنشود، مع توثيق دقيق للصعوبات والأعباء الاستثنائية التى كانت تواجه المرأة تحديدًا فى مثل هذه الأسفار الشاقة والممتدة.
ومن ناحية أخرى، يمكن اعتبار أن هذه النصوص تمثل مادة ثرية تعمل كمرجع للمعلومات الدقيقة التى تخدم الباحثين فى مجالات الجغرافيا التاريخية، وتاريخ الفن، والعلوم الاجتماعية؛ نظرًا لما تتميز به من تركيز فريد على تفاصيل الحياة اليومية، وتوصيف دقيق للملابس، ورصد لحركة الأسعار والأسواق، وهى جوانب غالبًا ما تغيب عن مدونات الرجال التى تنشغل عادةً بالأحداث الكبرى أو الأطر العامة.

دموع فى حلب وأشواق فى الشام: سفر نامه منظوم حاج
تبدأ الحكايا النسائية عن رحلات الحج مع مخطوط سفرنامه منظوم حج الذى كتبته زوجة ميرزا خليل، السيدة الأرستقراطية التى لم تذكر اسمها، والتى انطلقت من أصفهان فى مطلع القرن الثامن عشر عقب وفاة زوجها الذى شغل منصب (رقام نويس= سكرتير) فى البلاط الصفوي، وقد كتبت رحلتها فى شكل قصيدة طويلة، من حوالى ألفًا ومائتى بيت، مزجت فيها بين التوثيق الجغرافى التاريخى وبين النزعة الوجدانية التى تستحضر فيها زوجها عند كل مشهدٍ مهيب، وقد وصفت نفسها بأنها مثل «المجنون» فى الصحراء، إذ انطلقت بمفردها دون رفيق أو قريب ينضم إليها، معتبرة أن الله هو الصديق الوحيد للوحيدين، وسجلت فى قصيدتها كيف أن جمال مدينة حلب ذكّرها بوطنها وبأطفالها الذين تركتهم وراءها فى أصفهان، ما أثار دموعها وأحزانها وتعتبر هذه القصيدة أقدم عمل معروف فى هذا النوع الأدبى لامرأة إيرانية.
وقد وجدت هذه السيدة فى قوافل الحج وسيلة آمنة للترحال المنفرد، وفق ما تقتضيه الأحكام الفقهية، عابرة كاشان وقم وقزوين وصولًا إلى الحواضر العثمانية. وفى حلب، عقدت مقارنةً جمالية بينها وبين مسقط رأسها، واصفةً أسواقها ووفرة ثمارها بدقةٍ متناهية؛ وذكرت أن أسواقها مليئة بالفاكهة؛ فالتين فى رأيها حلو مثل «سكر النبات»، والبطيخ لونه أقوى من «الياقوت اللامع»، وهو حلو وعصيرى لدرجة أن بطيخة واحدة تكفى مائة شخص. كما وصفت دمشق بأنها أنموذج للجنان الأرضية، مستفيضة فى ذكر عذوبة مياهها التى تشبه «ماء الورد»، وخبزها ناصع البياض كأنه ممزوج باللبن، وربما واحدة من جماليات هذا العمل هو الوصف الدقيق للطريق؛ إذ سجلت زوجة ميرزا خليل بدقة مراحل الطريق من أصفهان عبر كاشان وقم وتبريز، وصولًا إلى الأراضى العثمانية، واهتمت بوصف الجغرافيا والأسواق والمنتجات الزراعية، وإن كان اللافت أيضًا فى مذكراتها الشعرية هو إيجازها فى وصف مكة المكرمة والمدينة المنورة؛ إذ اقتصرت فى قصيدتها على وصف مناسك الحج التى أدتها، وأشارت إلى أنها كانت تتبع القافلة العثمانية التى سمحت لها ولرفاقها بممارسة الشعائر الشيعية الخاصة بهم.
عصمت السلطنة تحج بيت الله: سفرنامه مكة
ثم تبرز رحلة مهرماه خانم «عصمت السلطنة»، الأميرة قاجارية، وابنة عم الملك ناصر الدين شاه، وابنة الأمير فرهاد ميرزا، والمعنونة باسم (سفرنامه مكه)، والتى جاءت فى العام 1880م، وفيها استهلت المسير من طهران فى شهر رمضان، تجاه العراق لزيارة العتبات المقدسة، ثم عبرت إلى مكة، فى رحلة استغرقت تسعة أشهر و14 يومًا نحو الحجاز عبر صحراءٍ محفوفة بالمخاطر والأوبئة، التى كانت سببًا فى موت بعض أعضاء القافلة التى كانت فيها. وقد اتسم تدوينها بالدقة العلمية والوصفية، لا سيما عند حديثها عن المدينة المنورة التى شهدت فيها استقرار المناخ وسكينة الروح؛ فوصفت جوها بالسكينة وشبهته بالجنة، وذكرت أن جبالها مهيبة لدرجة تُذهب العقل، وانبهرت بوجود خضروات طازجة (مثل الفول والباذنجان) فى أواخر الخريف، مع رصدٍ دقيق لمظاهر العمران فى الحرم النبوي؛ فوصفت إنارة مآذنه الثمانية ذات الطوابق الثلاث، والتى تُضاء بما لا يقل عن مائتى مصباح.
وعند وصولها لجدة تظهر شخصيتها المتمسكة بالتقاليد، فى رفضها الإقامة فى منزل القنصل الإيرانى بجدة لأنه لم يكن متزوجًا، ثم وفى طريق العودة إلى إيران عبر البحر على متن سفينة بريطانية، تجلت فى تدويناتها نظرة نقدية؛ فاعترضت ضمنيًا على تقاعس الحكومة المركزية وتدهور أحوال الرعية وظلم السلطات المحلية، وابدت انبهارًا بالنظام التقنى والملاحى المتمثل فى «البوصلة» وانضباط القيادة فى إحدى السفن البريطانية، وتعجبت من الذكاء البشرى الذى صنع هذه «الآلة الضخمة» للمشى فى هذه المياه الواسعة، لكن المؤسف أن رحلتها التى استغرقت أكثر من تسعة أشهر انتهت بنهايةٍ مأساوية، إذ علمت بوفاة زوجها فى طهران فور وصولها إلى شيراز.

حجّ بمسار هندي: روزنامه سفر حج علوية كرماني
أما مذكرات علوية كرمانى التى تعود للعام 1892م والتى تحمل اسم (روزنامه سفر حج، عتبات عاليات، و دربار ناصري)، فهى تكشف عن مسار رحلة حج غير تقليدي؛ إذ مرت القافلة عبر بندر عباس وصولا إلى بومباى فى الهند ومنها إلى جدة، وعلوية سيدة من الطبقة العليا فى كرمان، وقد تميز رصدها بالانفتاح على المظاهر الحداثية فى هذا الوقت؛ إذ وصفت بدقة بالغة حدائق الحيوان فرصدت الأقفاص الضخمة التى تضم الأسود والنمور والفهود، كما وصفت الحفر الحجرية المخصصة للدببة، ولفت انتباهها نوع من القرود السوداء التى تميزت بلحى بيضاء طويلة، أيضًا وصفت علوية قاعة الأنتيك والمتحف، فسجلت بذهول مدهش مرأى الحيوانات المحنطة من طيور وأسماك وثعابين وحتى الجاموس، وهى محفوظة داخل صناديق زجاجية بهيئة تبدو معها وكأنها حية تنبض بالحياة وعيونها تلمع ببريق طبيعي، أيضًا وصفت رؤية أجساد بشرية مشرحة فى صناديق مماثلة. 
كما توقفت مليًا عند البنية التحتية المتطورة فى بومباي، فوصفت ببراعة كيفية نقل المياه العذبة عبر أنابيب حديدية من مسافات بعيدة تصل إلى عشرين ميلًا لتغذى المنازل، وصولًا إلى المراحيض فى الطوابق العليا. وقد توقفت بدهشة أمام فكرة «الصنبور» الذى بمجرد فتحه تتدفق منه المياه.
وتروى السيدة علوية أيضًا تفصيلة شخصية طريفة عندما طلبت من مشرف فى مصنع نسيج ببومباى أن يصنع لها منديلًا مربعًا، لكنهما لم يستطيعا فهم بعضهما البعض بسبب اختلاف اللغة. 
وقد وصلت علوية مكة فى الأول من ذى الحجة وأقامت فى المدينة لمدة أسبوع، ومع ذلك، لم تُركز مذكراتها على وصف الحياة اليومية أو المعالم فى مكة والمدينة، بل كان جل تركيزها على الخوف، والقلق، والمعاناة، والمشقة التى واجهتها فى الطريق، فوصفها للرحلة كان يشوبه الكثير من المرارة وخيبة الأمل.
 وفى الحقيقة تكتسب تدوينات السيدة علوية أهمية استثنائية نظرًا لأوصافها السابقة، وأيضًا من خلال ما أوردته عن الحياة اليومية للحياة السرية داخل حرم الشاه فى طهران، إذ أقامت هناك لمدة عام ونصف بعد عودتها من رحلتها، وإن لم تُقدم الباحثة أى أوصاف ذكرتها السيدة علوية لحياة النساء فى حريم الشاه فى هذه الورقة، لاهتمامها بتوثيق رحلات النساء إلى الحج.

رحلة الحج كمرثية: روزنامه سفر وقار الدولة
وتكتمل هذه الرحلات برحلة سكينة سلطان، الملقبة بوقار الدولة، وهى تُقدم فى مذكراتها المعروفة باسم (روزنامه سفر عتبات و مكه) سيرتها الشخصية، بوصفها إحدى زوجات ناصر الدين شاه، التى تزوجت لاحقًا من ميرزا إسماعيل خان، ولذلك فهى تُعّد نموذجًا فريدًا لأدب الرحلات الذى يمزج بين التوثيق المكانى وبين التجربة الشخصية، وبين حتى البوح الوجداني.
فقد اتسمت كتاباتها بنبرة من الحنين المرير لأيامها الخوالى فى البلاط الملكي، وصورت بعمق مأساة تشتت زوجات الشاه وانكسار حيواتهن بعد مقتله، ما أضفى على نصها صبغة إنسانية تتجاوز مجرد سرد أحداث الرحلة إلى كونه مرثية لحياة اجتماعية وسياسية آلت إلى الزوال.
انطلقت رحلة سكينة من طهران إلى العراق، ثم حلب وإسكندرونة، ومنها أبحرت إلى جدة فمكة، وفى العودة، سلكت طريق البر عبر الصحراء العربية إلى النجف، ثم العتبات المقدسة، وصولًا إلى بروجرد حيث كان زوجها يعمل، وقدمت وصفًا للحقول الممتدة بين دمشق وحلب، فوصفتها بأنها تزدان بآلاف الزهور فى كل ياردة، مستعينة باستعارة بصرية فريدة ربطت فيها بين ألوان تلك الزهور الطبيعية وبين زينة ومكياج النساء فى حرم الشاه، وهنّ يتبخترن فى أبهى حللهن كالطواويس، وقالت كم تمنت لو كان زوجها الراحل موجودًا ليرى هذا الجمال، إذ كان يحب وصف الزهور فى مذكراته، كما أفردت مساحة لتقدير جمال إسكندرونة التى رأتها تشبه منطقة «صاحبقرانية» فى طهران، مُثنية على جمال سكانها من رجال ونساء وطيب أخلاقهم، وصورت هيبة سامراء وقبتها تحت ضوء القمر بوصف روحى بليغ، جعلها تبدو كأنها «قبة من نور» خالص يلامس الوجدان.
وعلى صعيد القضايا الاجتماعية، برزت فى تدويناتها رؤية نقدية مبكرة لأوضاع المرأة وصراعاتها فى ظل السلطة الذكورية السائدة؛ إذ عبرت بوضوح عن شعورها بالعجز والقيود التى تكبل إرادتها. وتتجلى هذه المعاناة فى وصفها لحادثة حرمانها من زيارة ضريح السيدة زينب فى دمشق نتيجة رفض رجال المجموعة، وهو ما دفعها لتدوين مقولتها المؤثرة التى لخصت فيها حال النساء فى عصرها بوصفهن «أسيرات فى يد الرجل».
ختامًا، تمثل هذه المدونات والرحلات وثائق إنسانية لم تكتفِ بتأريخ المكان، وإنما أرّخت أيضًا لحديث نفوس النساء التائقة للحرية ولممارسة شعائر الله بدون إملاءات؛ هذه الوثائق شهاداتٌ حيّة تثبت أن عين المرأة كانت دومًا مرآة كاشفة لتفاصيل الحياة.