وحيدًا.. كما ينبغى لشاعر

الابداع
الابداع


نورهان أبوعوف

السيجارة فى يده
تتأمل أصابعه التى بردت فجأة
والرماد الذى سقط على قميصه.
احتفظ بآخر شهيق
كسرٍ لن يبوح به
فى قصيدته القادمة.
كان -على الأرجح- يفكر فى حبيبته
يرسم خطة للصلح فى رأسه
يختار كلمات رقيقة
ويتخيل عينيها
وهى تتردد قليلًا قبل أن تبتسم.
أراد أن يكون بسيطًا هذه المرة
أن يقول لها: أحبك
أن يقترب خطوة واحدة
ويترك الباقى لما يحدث.
جلس يتذكر وجه أمه
كان ينوى أن يتصل بها فى الصباح
ليخبرها بأن الغربة لا تطاق
ويحكى لها عن حلم أزعجه
لكنه رحل قبل الفجر.
لم يقل وداعًا
آثر أن يذوب فى الفراغ
الذى طالما وصفه
وأن يرفرف بعيدًا.
النساء اللواتى صرخن بملء حناجرهن
كان عويلهن يمزق قماش البيت الكبير
خيطًا وراء خيط،
حتى انكشف بأكمله أمام الجيران.
الأطفال
أولئك الذين لم يفهموا شيئًا
وقفوا بجيوب فارغة
وأيادٍ ممدودة
ينتظرون أن تتحرك أصابعه
لتُخرج لهم حبة سكر.
لم يكن هناك ضوء
سوى كشافات نحيلة
ترتجف فى أيدى المشيعين
وتكاد تنطفئ.
القصيدة التى لم تنته
أخذت تنظر إليه بذهول
تتحسس جثته
ثم جلست إلى جواره
كأرملةٍ
لا تعرف ماذا تفعل
بكل هذا الخلود.
كان جنوبيًا جدًا
عيناه تلك المفارقة العجيبة؛
بوابة تطل على قسوة الجبال حين تعبس
ونافذة تفتح قلبها
كعصفور بلله المطر
حين يبتسم.
كان يمتلك القدرة
على أن يجلدك بنظرة،
ثم يضمّد جرحك
بذات العين.
مات،
كما يميل الشجر العظيم
حين يقرر أن يستريح
بعيدًا عن ضجيج الغابة.

رحل
وهو يحمل حقيبة مثقوبة
من فرط ما كدّس فيها من حُب.
كان مخزنًا للمشاعر
التى لم تجد لها سوقًا،
وقلبًا
يضخ القصائد
فى عروق من خذلوه.