نقيب الأطباء د. أسامة عبدالحى فى حوار صريح:

سنضبط «فوضى الطب» على السوشيال ميديا

د. أسامة عبدالحى أثناء حواره مع «الأخبار»
د. أسامة عبدالحى أثناء حواره مع «الأخبار»


«المعلومة الخاطئة قد تقتل».. بهذه العبارة يلخص نقيب الأطباء د. أسامة عبد الحى معركة موازية للتشريع؛ معركة حماية وعى المجتمع فى زمن تحولت فيه النصيحة الطبية إلى محتوى ينتشر فى ثوانٍ.

فى هذا الحوار يتحدث عن قانون المسئولية الطبية الذى أعاد تنظيم مسار التحقيقات، وعن رقم لافت كشف أن 98% من الشكاوى لم تستند إلى تقييم طبى دقيق، إلى جانب تحرك مرتقب لضبط فوضى النصائح الطبية على مواقع التواصل. حوار يرصد محاولة إعادة ضبط ميزان شديد الحساسية..

حماية الطبيب، وضمان حق المريض، ومنع بيع الوهم باسم الطب. ولا يتحدث النقيب من موقع نقابى فقط، بل من خبرة طبيب عمل فى غرف العمليات والرعاية المركزة حيث تُتخذ القرارات تحت ضغط اللحظة وفى ظروف لا تعرف اليقين الكامل.
 

قانون المسئولية الطبية أنهى عشوائية التحقيقات

المعلومــــة الخاطئــــــة قـد تقتــل .. ويجــــــب مخاطـبـــة الجمـهــــــور بالثابت علميا «فقط»

 

تخرّج د. أسامة عبدالحى من كلية طب الأزهر عام 1983، وبدأ طبيبًا مقيمًا، ثم شق طريقه الأكاديمى حتى أصبح أستاذًا للتخدير والرعاية المركزة ورئيسًا للقسم، مرورًا ببعثة علمية فى إنجلترا، قبل أن يواصل مسيرته المهنية والعلمية داخل مصر..

هذه الخلفية تنعكس فى رؤيته للخطأ الطبى باعتباره احتمالًا ملازمًا لمهنة تتعامل مع الإنسان فى أكثر لحظاته هشاشة، بالتوازى مع قلق متزايد من انتشار المحتوى الطبى غير المنضبط، وعلى رأسها فوضى «النصائح الطبية» على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث ينتقل الحديث من تنظيم المهنة إلى الدفاع عن وعى المجتمع نفسه.

فى البداية.. ماذا تحقق من وعودكم الانتخابية؟

يستهل نقيب الأطباء حديثه بهدوء محسوب، أهم إنجاز تحقق خلال السنوات الأخيرة هو صدور قانون المسئولية الطبية، لأنه أعاد تنظيم مسار كامل كان يعانى من خلل حقيقي. ويضيف القانون بدأ العمل عليه منذ يناير 2023، ومر بمراحل مطولة من النقاش داخل الحكومة والبرلمان، حتى صدر فى مارس 2025، ودخل حيز التنفيذ فى أكتوبر الماضي. لكن الأهم من تاريخ صدوره هو ما غيّره فعليًا. ويعتبره أهم إنجاز تحقق خلال السنوات الأخيرة هو صدور قانون المسئولية الطبية.

وما الذى تغيّر تحديدًا؟

المشكلة لم تكن فى وجود شكاوى، بل فى طريقة التعامل معها. التحقيق كان يتم أحيانًا دون سند علمى كافٍ، وهو ما كان يستهلك وقت جهات التحقيق، ويضع الطبيب فى مسار مهنى غير دقيق. ثم يحسم الفكرة: اليوم، لم يعد هذا قائمًا. القانون ألزم بإحالة الشكاوى إلى اللجنة العليا للمسئولية الطبية، وهى لجنة متخصصة تشكّل لجانًا فنية للتحقيق. بمعنى واضح: التحقيق أصبح علميًا، لا إداريًا.

لا يتردد النقيب فى طرح رقم لافت: وفقًا للبيانات التى عُرضت، تم حفظ نحو 98% من الشكاوى التى وصلت للنيابات، لأنها لم تكن قائمة على تقييم طبى دقيق. ويوضح كان هناك خلط بين حدوث ضرر وبين وجود خطأ طبي، بينما الحقيقة أن بعض الأضرار قد تكون من المضاعفات الطبيعية للعلاج.

ما أهم التعديلات التى تم إدخالها؟

أهم تعديل هو التمييز بين نوعين من الأخطاء: إذا كان الخطأ غير مقصود، وهو وارد فى أى ممارسة طبية، فلا عقوبة جنائية، وإنما تعويض مدني. أما إذا كان هناك إهمال جسيم أو تعمد، فهنا نتحدث عن مسئولية جنائية. ويضيف بوضوح: لا يمكن أن نُجرّم الطب. لو عاقبنا كل خطأ غير مقصود بالحبس، لن يتبقى طبيب يمارس المهنة.

صندوق التأمين.. ضمانة للمريض

ينتقل النقيب إلى نقطة يصفها بالمفصلية: كان من غير المنطقى أن يُترك التعويض لقدرة الطبيب المالية. لذلك أصررنا على أن يتحمل صندوق التأمين كامل قيمة التعويض. ويشرح الأثر: بهذا التعديل، ضمنا حق المريض كاملًا، وفى الوقت نفسه أزلنا عبئًا قد يدفع الطبيب للخوف أو التردد. هذا هو التوازن الحقيقي.

فى السابق، بدأ بعض الأطباء يتجنبون التدخل فى الحالات الصعبة خوفًا من المساءلة، وهو ما كان يضر المرضى قبل أى طرف آخر. ويؤكد: القانون الجديد أعاد للطبيب مساحة من الثقة، وبالتالى القرار الطبى سيُتخذ لمصلحة المريض، لا بدافع الخوف.

بعيدًا عن التشريعات، يفتح النقيب ملف التدريب ويؤكد أن التحدى الحقيقى الآن هو ألا يتخرج طبيب دون فرصة تدريب حقيقية. ويوضح أن الفجوة بين عدد الخريجين وفرص الدراسات العليا تمثل خللًا هيكليًا، فالطب مهنة لا تُمارس دون تخصص. وتشمل الخطوات منصات تعليم عن بُعد ومراكز تدريب معتمدة بالمحافظات لتقليل الفجوة.

فوضى السوشيال ميديا

أخطر ما نواجهه الآن هو المحتوى الطبى غير المنضبط. أصبح أى شخص قادرًا على تقديم نصائح أو الترويج لعلاجات دون سند علمى أو رقابة، وهو ما يمثل خطرًا مباشرًا على صحة المواطنين. ويضيف: المشكلة لم تعد فى المعلومات الخاطئة فقط، بل فى تضليل يمنح كلامًا غير علمى مصداقية غير مستحقة..

وتابع قائلا: نعمل على لائحة ملزمة لتنظيم ظهور الأطباء إعلاميًا وعلى منصات التواصل، وسيتم اتخاذ إجراءات قانونية ضد أى تجاوز. أى طبيب يخاطب الجمهور يجب أن يلتزم بما هو ثابت علميًا فقط. لا اجتهاد أمام الناس ولا طرح لآراء غير محسومة. الصحة ليست مجالًا للشهرة أو التجارب.

الإعلانات الطبية.. فراغ تشريعى

يشير إلى وجود قانون لتنظيم الإعلانات منذ 2019 لم يُفعّل بالكامل، ما أدى إلى انتشار إعلانات لعلاجات غير مثبتة ووعود بلا أساس. نحتاج إلى تفعيل حقيقى حتى لا يتحول المجال إلى بيع للوهم.. النقابة تعمل باستقلال وبمنهج تفاوضي. ما تحقق فى قانون المسئولية الطبية جاء نتيجة ضغط مهنى منظم ومشاركة واسعة من الأطباء. الهدف الوصول إلى أفضل صيغة تحقق مصلحة المهنة والمريض.

خلاصة المشهد

يتضح من مسار الحديث سعى لإعادة ضبط ميزان دقيق: طبيب يحتاج حماية عادلة، ومريض يستحق تعويضًا مضمونًا، ومهنة لا يمكن أن تُدار بالخوف. وبين هذه العناصر يتشكل المعنى الحقيقى لما يسميه: «عدالة علمية».