ليس هناك تناقض فى أن يجمع البشر بين التعاطف مع ضحايا الحروب والكوارث الطبيعية والاستغلال الجنسى وبين التعاطف مع كائنات ضعيفة تعانى بشدة.
فى فبراير الماضى استحوذ قرد يابانى صغير من فصيلة قرود الماكاك، يُدعى «بانش-كون»، على انتباه رواد منصات التواصل الاجتماعى فى العالم كله، خاطفًا الاهتمام من ضحايا حروب ونزاعات كانت قائمة وقتها، ومن بوادر صراعات كانت لا تزال تتخمر فى أذهان مخططيها. تتابعت صور «بانش-كون» ومقاطع فيديو قصيرة له، فتلقفها ملايين المتابعين وعبروا عن ألمهم لمأساته وتعاطفهم معه، ورغبتهم فى منحه بعض مشاعر الحب والدفء التى حُرِم منها.
والحكاية لمن لا يعرفها تخص قرد ماكاك يابانيًا رفضته أمه بعد ولادته، فاهتمت به إدارة حديقة حيوان إيشيكاوا لبعض الوقت، وحين أعادوه للعيش مع فصيلته من القرود، نبذه أفرادها وضربوه.
ثم أهداه موظفو الحديقة دمية محشوة على هيئة قرد كبير، فاحتمى بها يحتضنها تارة مستعيضًا بها عن أمه، ويسحبها خلفه تارة أخرى بعد كل اعتداء يتعرض له من القرود الأكبر. هكذا تتالت مقاطع فيديو لـ «بانش-كون» وهو يُضرَب أو يقبض على دميته متلمسًا بعض الدفء أو ينزوى حزينًا فى ركن من الأركان.
قصة حافلة بكل العناصر المثيرة للتعاطف، وأى متابع لها سيجد بعضًا من نفسه فيها. فمَن منا لم يختبر لحظة نبذ أو رفض أو خذلان حتى من أقرب المقربين؟! مَن منا لم ينزوِ لاعقًا جراحه وحيدًا؟! لذا كان من الطبيعى أن يُسقِط المتابعون رغباتهم وهواجسهم واحتياجاتهم على الصغير «بانش-كون»: مَن تحب رجلًا لا يبادلها الحب رأت نفسها فيه وهو يحاول دفع الدمية عبثًا لاحتضانه فى مقطع فيديو قصير، ومَن يعارض اللا إنجابية سخر من أن الرافضات للإنجاب يذرفن الدمع تعاطفًا مع قرد، ومَن لديه مشاكل مع أمه تحسر على قيم الأمومة الغائبة، معتبرًا أن رفض أم «بانش-كون» له أمر متكرر بين البشر أيضًا.
أما مدمنو الاستهلاك، فقد سارعوا إلى شراء نُسخ من الدمية. ومِن جانبها استغلت إيكيا الموقف، وضربت عصفورين بحجر واحد، بإهدائها «بانش-كون» عشرات الدمى، فظهرت بمظهر المتعاطف مع معاناة كائن ضعيف يواجه العنف والنبذ ويتعطش للمسة حنان، وروَّجت فى الآن نفسه لمنتجها وعلامتها التجارية.
متابعة مفروضة
لم أكن أعرف شيئًا عن قرد الماكاك اليابانى الصغير، ولا أتابع عادةً إلّا ما يدخل فى نطاق اهتمامي، لكن خوارزميات منصة إكس كان لها رأى آخر، إذ فرضت عليّ وعلى غيرى هذه القصة، فى وقت تداوم فيه على تقييد وصول قضايا أخرى أهم إلى جمهور أوسع، وأبرز مثال على هذا ما شاهدناه فى حالة الإبادة فى غزة.
فكم من حسابات قُيِّدت وحُجِّم انتشارها أو حتى حُظِرَت لمجرد أن أصحابها تجرأوا على فضح ما يجرى فى القطاع من إبادة والتنبيه إلى ما يعانيه أهله من أهوال! لكن هذه المنصات نفسها تابعت ما يحدث مع بانش-كون لحظة بلحظة لتغذية فضول المتعاطفين معه وجذب متعاطفين جدد بعد أن صار قرد الماكاك الصغير مغناطيسًا يجذب الاهتمام والتعاطف، ويشبع حاجة الراغبين فى تأييد قضية لا تكلفهم شيئًا.
من منظور بيولوجي
فى فورة التعاطف تلك، أعلن بعض هؤلاء استعدادهم لتبنى القرد الصغير ورعايته، ومنهم مَن عرض مبلغًا ماليًا ضخمًا، وتساءل أحدهم، وهو من أشد مؤيدى ترامب: كيف لا تؤدى اليابان واجبها فى حماية القرد الصغير؟ ولماذا لا تسعى لإنهاء معاناته؟
وما غاب عن طارحى مثل هذه الأسئلة أن ما حدث مع بانش-كون أمر طبيعى تمامًا من منظور بيولوجى لأن قرَدة ماكاك حيوانات اجتماعية بطبيعتها ولا يمكنها اكتساب مهاراتها الاجتماعية إلّا ضمن مجموعة. والتراتبية الصارمة والقسوة الزائدة تجاه الصغار تعد من آليات التكيف التى تدربهم على تحمل الضغوط بحيث يتواءمون مع واقع قاس بدوره، أى أن تعامل القرَدة الأكبر العنيف مع بانش-كون يقع ضمن التصرفات المعتادة لديناميكية القبول والرفض داخل القطيع.
ناهيكم عن حقيقة بيولوجية أخرى مفادها أن الحيوانات البرية غير قابلة للتبنى كحيوانات أليفة. وكذلك اعتماد بانش-كون على البشر ولو مؤقتًا لن يفيده، بل سيضره ضررًا بالغًا؛ أولًا لأنه سيعزله عن محيطه الطبيعى، وثانيًا لأنه سيحرمه من تطوير المهارات الخاصة بنوعه، ما يؤدى إلى إعاقة نموه النفسى والعاطفى وربما الحركى على المدى البعيد. ووفق هذه الرؤية المتخصصة فإن فترة الرعاية البشرية للقرد الصغير عقب نبذ الأم له هى ما ضاعف من قسوة القرَدة الأخرى فى المجموعة تجاهه، إذ بدا لأفرادها غريبًا ومحملًا بآثار لا تخصهم.
تعاطف انتقائي
لا أنتقص من التعاطف مع الحيوانات والكائنات الأضعف، ولا أدعو للبلادة أمام مثل هذه القضايا، فأنا نفسى تألمتُ فيما أتابع آيات الخذلان والجوع للحنان متجلية على وجه وحركات كائن لا حول له ولا قوة، يتعرض للضرب والتعنيف من القردة الأكبر، بعد أن رفضته أمه ونبذته. وليس هناك تناقض فى أن يجمع البشر بين التعاطف مع ضحايا الحروب والكوارث الطبيعية والاستغلال الجنسى وبين التعاطف مع كائنات ضعيفة تعانى بشدة.
لكن اللافت أن هناك يمينيين متطرفين وعنصريين كثيرين تباكوا على بانش-كون بالتوازى مع إنكارهم للإبادة فى غزة وعدم اكتراثهم بجرائم إبستين وزمرته ضد الأطفال والنساء، فوجدنا بين هؤلاء مَن يدعو إلى قصف بلد دون اهتمام بالمدنيين، ومَن يدعى أن المشاهد والصور القادمة من غزة مجرد تمثيل وبروباجندا، بل كتب أحدهم على منصة «إكس» ردًا على تغريدة تنتقد تجاهل معاناة أطفال غزة والتركيز على بانش-كون، أنه سيسوى غزة بالأرض مجددًا لو أن هذا سيجعل بانش-كون سعيدًا!
من التعاطف إلى التضامن
بالعودة إلى خوارزميات إكس وغيره من تطبيقات التواصل الاجتماعي، لم يعد خافيًا على أحد أن الأنظمة الحاسوبية تعكس تحيزات مصمميها وتعمل وفق البيانات التى دُربت عليها، ما يؤدى إلى ما يُطلَق عليه «تحيز الخوارزميات» الذى ينتج عنه إضعاف التعاطف مع قضايا ومضاعفته مع قضايا أخرى، ما يساهم فى نهاية المطاف فى تشكيل تصوراتنا عن الآخرين.
فالخوارزميات تتلاعب بنا إن لم ننتبه، فتعرضنا بكثافة لقصص فيما تعتم على قصص أخرى. نرى معاناة قرد المكاك مصبوغة بكل ما يدعم التعاطف، فى حين تحاط معاناة أطفال فلسطين بتلاعب يعزز التحامل عليهم والتقليل مما يواجهونه. أى أن خوارزميات الإنترنت تحدد لنا ما يُرى وما يُخفى، ما يُعرَض لنا مكسوًا بما يثير التعاطف والتماهي، وما يمر عابرًا باعتباره أمرًا عاديًا لا يستحق التوقف عنده لأنها تحيطه بصور نمطية مكرورة أو بسياق يحيله إلى نقيضه.
لكن علينا ألّا ننسى أن موجات التعاطف التى تحركها الخوارزميات قصيرة العمر لأنها فى فضاء قائم على الـ»ترند»، فسرعان ما يتحول الاهتمام إلى موضوع جديد، وهو اهتمام واسع لا تحده حدود الدول ولا اختلاف الثقافات، لكنه يتوقف غالبًا عند التفاعل السطحى والعابر. فحتى القضايا السياسية العادلة إن حظيت بدعم الخوارزميات، وتسلط الضوء عليها ومعه التعاطف، سرعان ما تُنسَى ما إن ينتقل الضوء إلى صرعة جديدة، لذا فالتحدى يكمن فى تحويل التعاطف الرقمى إلى تضامن سياسى مستدام.
وهو ما حدث فى حالة غزة، فعلى الرغم من وقوف إدارات منصات التواصل الاجتماعى ضدها، وتلاعب وسائل الإعلام الغربية بالحقائق، فقد حظيت غزة بتضامن سياسى واسع ومستدام.

حكايات من دفاتر الآثار
أسرار جائزة مصطفى وعلى أمين
سفارى قتل البشر







