شيّده الملك زوسر.. حكاية أول هرم حجري في التاريخ وأسراره المعمارية

مراحل إنشاء الهرم المدرج قديمًا - ارشيفية
مراحل إنشاء الهرم المدرج قديمًا - ارشيفية


يأتي تمثال الملك زوسر بالمتحف المصري بالقاهرة كواحد من أهم القطع الأثرية التي تجسد بدايات العبقرية المعمارية المصرية، خاصة في ظل الاحتفاء بفكرة أن "المتاحف توحد عالماً منقسماً"، حيث يعكس التمثال لحظة تاريخية فارقة استطاعت فيها الدولة المصرية القديمة توحيد العقول والمهارات لبناء أول صرح حجري ضخم في التاريخ الإنساني.

 

◄ المتحف المصري وحفظ ذاكرة الحضارة

 

ويُعد المتحف المصري بالقاهرة أقدم متحف أثري في الشرق الأوسط، كما يضم أكبر مجموعة من الآثار المصرية القديمة على مستوى العالم، إذ تمتد مقتنياته من عصور ما قبل الأسرات وحتى العصرين اليوناني والروماني، ومن أبرز كنوزه تمثال الملك زوسر، أول ملوك الأسرة الثالثة وصاحب الهرم المدرج بسقارة.

ويظهر الملك زوسر في التمثال جالسًا على عرش الحكم بالحجم الطبيعي تقريبًا، في واحد من أقدم التماثيل الملكية المعروفة في مصر القديمة. وقد صُنع التمثال من الحجر الجيري الملون، ولا تزال بعض آثار الألوان الأصلية واضحة عليه حتى الآن، ما يؤكد أنه كان مزينًا بالكامل في عصره، كما يرتدي الملك غطاء الرأس الملكي "النمس"، إضافة إلى عباءة احتفال "الحب سد"، وهو العيد الملكي الذي كان يقام بعد مرور ثلاثين عامًا على اعتلاء العرش، في إشارة إلى قوة الملك واستمرار حكمه.

 

◄ اكتشاف أثري أعاد إحياء التاريخ

 

وعُثر على التمثال خلال حفائر مصلحة الآثار المصرية بين عامي 1924 و1925 داخل السرداب الموجود بالجانب الشرقي من الهرم المدرج بسقارة، بينما وُضعت نسخة طبق الأصل من الجبس في موقع الاكتشاف الأصلي. وتشير الدراسات إلى أن عيني التمثال كانتا مطعمتين بالكريستال الصخري، لكن اللصوص القدماء قاموا بإزالتهما منذ قرون طويلة.

ونُقشت على قاعدة التمثال ألقاب الملك واسمه الحوري "نتجيرخت" ، والتي تعني "جسده إلهي"، وهو الاسم الذي ارتبط بزوسر في النصوص الهيروغليفية القديمة. ويعود التمثال إلى عصر الدولة القديمة، الأسرة الثالثة، ويرجع تاريخه إلى الفترة ما بين 2649 و2630 قبل الميلاد.

 

◄ زوسر مؤسس عصر الأهرامات

 

ويحظى الملك زوسر بمكانة استثنائية في التاريخ المصري القديم، إذ تولى الحكم بعد الملك خع سخموي، آخر ملوك الأسرة الثانية، ويعتبر المؤسس الحقيقي للأسرة الثالثة. واستمر حكمه قرابة 29 عامًا، شهدت خلالها مصر طفرة حضارية ومعمارية ضخمة كانت البداية الحقيقية لعصر الأهرامات.

وقد ارتبط اسم زوسر بأعظم مشروع معماري في زمانه، وهو الهرم المدرج بسقارة، الذي يعد أول هرم حجري معروف في التاريخ. ولم يكن هذا الإنجاز مجرد مقبرة ملكية، بل ثورة هندسية كاملة نقلت العمارة الجنائزية من استخدام الطوب اللبن إلى البناء بالحجر الضخم.

 

◄ أمحوتب العقل الذي صنع المعجزة

 

ويقف وراء هذا الإنجاز المهندس العبقري أمحوتب، وزير الملك زوسر، الذي لم يكن مجرد مهندس معماري، بل كان أيضًا طبيبًا وإداريًا بارعًا، حتى أن المصريين القدماء قدسوه لاحقًا واعتبروه إلهًا للطب والحكمة.

وتشير المصادر التاريخية إلى أن زوسر لم يكتفِ بالإنجازات المعمارية، بل اهتم أيضًا بتوسيع نفوذ الدولة المصرية جنوبًا، حيث توغل في النوبة السفلى حتى مناطق قريبة من الشلال الثاني، وهو ما اعتبره المؤرخون بداية لترسيخ النفوذ المصري في تلك المناطق.

كما تكشف مقتنيات المتحف المصري المرتبطة بزوسر عن تطور الفن المصري القديم، خاصة مع عرض التمثال حاليًا في الدور الأرضي بالمتحف بجوار لوحات القيشاني الأزرق الشهيرة، التي عُثر عليها داخل الممرات أسفل هرمه المدرج سقارة، وقد خضعت هذه اللوحات لأعمال ترميم دقيقة داخل معامل المتحف المصري قبل إعادة عرضها للجمهور.

 

◄ الشرارة الأولى للحضارة الخالدة

 

ويظل تمثال الملك زوسر شاهدًا حيًا على اللحظة التي بدأت فيها مصر القديمة كتابة فصل جديد من تاريخ الحضارة الإنسانية، حين تحولت فكرة الوحدة والعمل الجماعي إلى بناء خالد تحدى الزمن، ليصبح الهرم المدرج البداية الحقيقية لعصر المعجزات المعمارية التي لا تزال تبهر العالم حتى اليوم.