■ بقلم: محمد ياسين
أصدر الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات تقريره الأخير حول مؤشرات استخدام الإنترنت ليوم في عام 2026 الذي لم يكن مجرد كشفٍ حسابي للبنية التحتية الرقمية في مصر، بل كان في جوهره وثيقة إدانة لطريقتنا في إهدار العمر.
حين نقرأ أن المصريين يستهلكون 14.6 مليون ساعة يوميًا في مشاهدة مقاطع الفيديو القصيرة، فنحن لا نتحدث عن أرقام تقنية، بل نتحدث عن نزيف زمن مخيف، إنها ملايين الساعات التي تتبخر في ثقوب سوداء تدعى خوارزميات الترفيه، حيث يغرق الشاب في تتابع لا نهائي من المقاطع التي لا تترك وراءها وعيًا ولا تبني معرفة، بل تترك ذهنًا مشتتًا وقدرة معطلة على التركيز.
الصادم في التقرير ليس وصول عدد الرسائل إلى 471 مليار رسالة يوميًا، بل في دلالة هذا الرقم على السيولة الكلامية التي نعيشها، ما يدل على أننا أصبحنا مجتمعًا يتحدث أكثر مما ينتج، ويدردش أكثر مما يفكر. هذه الثرثرة الرقمية، تحولت من وسيلة لتقريب المسافات إلى جدران تعزلنا عن واقعنا الحقيقي، فبينما يتبادل 54 مليون مستخدم 25 مليار زيارة لمنصات التواصل، تتقلص المساحات الحقيقية للحوار البناء والعمل الجاد والزيارات الأسرية.
أما قطاع الألعاب الإلكترونية، الذي التهم 1.8 مليون ساعة يوميا، فهو يشير إلى هروب جماعي نحو الواقع الافتراضي. وبالطبع، ليس العيب في التكنولوجيا كأداة، بل في تحولها إلى غاية استهلاكية. فالدولة التي تستثمر المليارات لتطوير الإنترنت، تنتظر من شبابها أن يكونوا صناع محتوى هادف ومبرمجين ورواد أعمال رقميين، لا مجرد أرقام في عدادات المشاهدات التي تدر الربح على الشركات العالمية وتترك لنا فتات التسلية.
إننا أمام فخ رقمي حقيقي، فالزيادة التي بلغت 60% في مشاهدة المحتوى ليست نموًا نفتخر به، بل استنزاف يستوجب ثورة وعي تبدأ من الأسرة وتمر بالمدرسة وصولًا إلى الإعلام. علينا أن نسأل أنفسنا بصدق: هل نحن من نقود هذه الهواتف، أم أنها تقودنا نحو مستقبل من التشتت والسطحية؟
إن الوقت والعمر هما العملة الوحيدة التي لا يمكن استردادها، وفي سباق الأمم، لن يربح من يمتلك أسرع إنترنت فقط، بل من يمتلك الوعي الكافي لإغلاق الشاشة والبدء في بناء الواقع، والعمل المثمر له ولبلده.
أفاعى «الإخوان» (14) .. صالح عشماوى .. أحد مؤسسى النظام الخاص
صلاح دندش يكتب : تخاريف
أيمن بدرة يكتب: الملك الكروي بين الإنجليزي والمصري







