عمرو الخياط يكتب: تعاون وليس تنافرًا

عمرو الخياط
عمرو الخياط


لم تكن زيارة الرئيس الأمريكى ترامب إلى بكين مجرد محطة دبلوماسية عابرة، بل بدت وكأنها محاولة لإعادة رسم شكل العلاقة بين أكبر قوتين فى العالم، فى لحظة دولية شديدة التعقيد، تتشابك فيها ملفات التجارة والطاقة والتكنولوجيا والأمن العالمي. فالزيارة التى وصفت بالتاريخية جاءت وسط أجواء دولية متوترة، وصراعات اقتصادية متصاعدة، ومخاوف من انزلاق العالم إلى مرحلة جديدة من الاستقطاب الحاد بين واشنطن وبكين.  
اللافت فى الزيارة أن لغة التصعيد التى طبعت سنوات طويلة من العلاقة بين الطرفين بدت أكثر هدوءًا، حيث حرص ترامب والرئيس الصينى على إظهار قدر كبير من الود السياسى والرسائل الرمزية التى تعكس رغبة مشتركة فى تخفيف حدة التوتر. وقد ظهر ذلك بوضوح فى مراسم الاستقبال الضخمة واللقاءات المطولة بين الزعيمين، إلى جانب الحديث المتبادل عن «الشراكة» و«الاستقرار العالمي».  


لكن خلف الصور البروتوكولية والمصافحات الدافئة، تقف حسابات أكثر تعقيدًا. فالولايات المتحدة تدرك أن الصعود الصينى لم يعد مجرد تحدٍ اقتصادي، بل تحول إلى مشروع نفوذ عالمى يمتد من التكنولوجيا إلى الموانئ والطاقة وسلاسل الإمداد. وفى المقابل، ترى الصين أن إدارة الصراع مع واشنطن أصبحت ضرورة استراتيجية لتجنب مواجهة قد تهدد الاقتصاد العالمى بأكمله.


اقتصاديًا، تبدو الزيارة محاولة لاحتواء حرب تجارية ظلت تتصاعد خلال السنوات الماضية. فالشركات الأمريكية الكبرى التى رافقت ترامب إلى بكين تسعى للحصول على مساحة أوسع داخل السوق الصينية، بينما تريد الصين ضمان استمرار تدفق التكنولوجيا والاستثمارات وتخفيف القيود الأمريكية على الصناعات المتقدمة والرقائق الإلكترونية.  


الزيارة لابد أن تؤدى إلى تفاهمات مرحلية فى ملفات التجارة والرسوم الجمركية، لكن دون الوصول إلى تسوية نهائية للصراع الاقتصادي. فالتنافس بين البلدين لم يعد متعلقًا فقط بالأرقام التجارية، بل بمن يقود الاقتصاد العالمى فى العقود المقبلة، ومن يملك السيطرة على الذكاء الاصطناعى والطاقة والتكنولوجيا المتقدمة.


أما سياسيًا، فإن أخطر ما فى الزيارة يتمثل فى الملفات الجيوسياسية التى فرضت نفسها على طاولة المباحثات، وعلى رأسها أزمة إيران وملف تايوان والتوتر فى منطقة المحيطين الهندى والهادئ. فالصين تدرك أن أى مواجهة عسكرية واسعة فى الشرق الأوسط ستؤثر مباشرة على اقتصادها وإمدادات الطاقة، بينما تحاول واشنطن دفع بكين للعب دور أكبر فى تهدئة الأزمات الإقليمية.  


وفى المقابل، تسعى الصين إلى انتزاع اعتراف أمريكى غير مباشر بمصالحها الاستراتيجية فى آسيا، خاصة فيما يتعلق بتايوان، التى تظل القضية الأكثر حساسية فى العلاقة بين البلدين. ولهذا فإن الهدوء الحالى لا يعنى انتهاء الصراع، بل ربما يمثل مجرد هدنة مؤقتة تفرضها المصالح المشتركة.


النتائج الحقيقية لهذه الزيارة لن تظهر فورًا، لكنها ستنعكس تدريجيًا على شكل النظام الدولى القادم. فإذا نجحت واشنطن وبكين فى إدارة خلافاتهما، فقد يشهد العالم مرحلة من التوازن الحذر تمنع الانفجار الكبير. أما إذا عادت لغة التصعيد، فإن العالم سيكون أمام حرب باردة جديدة، تختلف أدواتها عن الماضي، لكنها لا تقل خطورة.


وربما تكمن أهمية الزيارة فى أنها أكدت حقيقة باتت واضحة للجميع: لا الولايات المتحدة قادرة على عزل الصين، ولا الصين قادرة على تجاوز النفوذ الأمريكى بسهولة. ولهذا فإن العلاقة بين الطرفين ستظل قائمة على مزيج معقد من التعاون والصراع فى آنٍ واحد.


تبدو زيارة ترامب إلى بكين أكثر من مجرد حدث سياسي؛ إنها رسالة بأن العالم يدخل مرحلة جديدة، تتغير فيها موازين القوة، ويعاد فيها تشكيل التحالفات والمصالح، بينما يبقى السؤال الأهم: هل ينجح العملاقان فى إدارة التنافس دون أن يقودا العالم إلى مواجهة مفتوحة؟