تلك المدينة لا تريد أن تثبت شيئًا للعالم. لم تخطط لتكون الأسعد بل يكمن سرها الحقيقى فى أنها اختارت أن تكون المدينة التى تعيش فيها الإنسانية براحة وهدوء.
تحيز طبيعى
السبت:
فور أن وضعت قدمى فى السيارة الأوبر رحب بى السائق الستينى بابتسامة يستقبلك بها أى أمريكى تلتقيه فى أى مكان، ثم قال لى بكل ثقة: مرحبًا بك فى أسعد مدن العالم!!. ظننت الرجل لا يعنى الكلمة قدر ما يريد أن يقوم بالدعاية للمدينة التى يعيش فيها.. ويبدو أنه فهم من رد فعلى أنى استقبلت كلمته بأذنى اليمنى وودعتها باليسرى فقال ليؤكد كلامه: لعلك لا تصدق ما أقول أو تعتبره من قبيل المبالغة؟!. قلت له: ليس بالضبط، ولكن بصراحة كل إنسان فى العالم يعتبر مدينته هى أسعد مدينة فى العالم، نوع من التحيز الطبيعى للمكان الذى يعيش فيه، حتى لو كان أسوأ مكان فى العالم. فطلب منى فورًا أن أفتح محرك البحث جوجل وأسأله عن أسعد مدينة فى العالم. وكانت المفاجأة أن كلام الرجل كان يحمل نصف الحقيقة، فمدينته، التى كانت واحدة من محطات رحلتى الأخيرة للولايات المتحدة الأمريكية، تحصد بالفعل لقب أسعد مدينة ولمدة ثمانى سنوات متتالية بدأت من عام 2019 وحتى عامنا هذا. داعبته وأنا أفند مزاعمه مؤكدًا أن كثيرًا من المؤشرات التى تقيس السعادة تعتبر فعًلا مدينته التى أزورها للمرة الأولى هى أسعد مدينة، بيد أن ذلك فى أمريكا فقط وليس العالم كله فقال وهو يضحك ضحكة كبيرة: وهل هناك عالم آخر سوى أمريكا. شرعت فى إعطاء الرجل درسًا فى السياسة والتاريخ والجغرافيا وكل العلوم الاجتماعية والإنسانية لولا أنه استدرك قائلًا: أنا فقط أداعبك حيث واضح من ملامحك أنك من إحدى دول الشرق الأوسط التى يتميز أغلب شعوبها بخفة الدم، فأردت أن أستخدم نفس طريقتكم فى السخرية. شكرت له حسن ظنه ثم بدأت أتأمل ما أمر به فى الطريق من شوارع وحدائق وبنايات فى محاولة لمعرفة سر سعادة هذه المدينة.
فريمونت وفيرمونت
الأحد:
اسم المدينة «فريمونت» وهى إحدى مدن ولاية كاليفورنيا الجميلة. ظللت عدة أيام أخلط فى نطقها بينها وبين «فيرمونت» التى هى ولاية صغيرة مستقلة تقع فى إقليم نيو إنجلاند شمال شرق الولايات المتحدة. لذا كان كل من يسمعنى أقول «فيرمونت» يصحح لى نطقها إلى «فريمونت» حتى أتقنته. حاولت الوقوف على سر سعادة مدينة لا تزيد جمالًا ولا رونقًا عن غالبية المدن الأمريكية التى زرتها كثيرًا. وأخذت كلما ركبت سيارة أجرة أجرى حوارًا مع هؤلاء الناس. هم ليسوا سائقين محترفين بالطبع، ولكن أوبر فتحت المجال لسكان العالم كله لتحسين الدخل فلا عجب أن تركب مع سائق له حيثية دنيوية كبيرة، خاصة فى بلاد لا فضل فيها لمواطن على آخر إلا بمدى التزامه بالقواعد والآداب العامة وباحترام الآخرين مهما كانت انتماءاتهم أو معتقداتهم أو ظروفهم الاجتماعية. وإذا كان الحكماء قالوا إنه إذا أردت أن تتعرف على مدينة فتقرب من السائقين الذين تركب معهم خلال زيارتك، فمن المؤكد أنه كلما زادت ثقافة السائق كان تعرفك على المكان أسرع وأصدق. من الخصال الجميلة فى السائقين بالولايات المتحدة بشكل عام أن كلًا منهم يتحول بمجرد أن تركب معه إلى مرشد سياحى يحاول، خاصة إذا شعر بأنك أجنبى عن المكان أو حتى أمريكى لكنك تزور مدينته للمرة الأولى، أن يشرح كل المعالم التى تمر بها خلال رحلتك معه طالت أم قصرت. حتى سائقى الحافلات العامة الخاصة بالركاب يفعلون نفس الشىء بحب شديد لبلادهم. بل بعضهم يعقد اختبارًا فى المعلومات العامة للركاب، والفائز يسترد قيمة تذكرته ويحصل على أخرى مجانية فى العودة.
نعود إلى فريمونت التى تقع فى ولاية كاليفورنيا، على مرمى حجر من مدينة سان فرانسيسكو، وعلى تخوم وادى السيلكون الذى طالما كانت زيارته من أحلامى الصحفية. فى البداية ظننت أن فريمونت ربما تكون هى أغنى مدينة أمريكية بسبب ذلك الوادى الذى يضم أشهر وأغنى شركات ورجال الأعمال فى العالم لكن الغريب أنها ليست الأغنى فى الولايات المتحدة الأمريكية، بل تأتى فى المرتبة الخمسين من حيث متوسط دخل الفرد!. ثم منذ متى كان المال هو المتسبب الأول فى السعادة. ربما يكون مهمًا فى تحققها، ولكنه ليس الأهم ولا الأبرز، فكم من قصص يحملها التاريخ القديم والحديث عن أغنياء يتمنون لحظة سعادة حقيقية، حتى لو دفعوا كل أموالهم. هل تكون الصحة والشباب الدائم هى سبب السعادة؟!. أبدًا فسكان مدينة فريمونت مثل كل الناس فى كل العالم..أُناس طبيعيون يأكلون ويشربون ويمرضون ويهرمون، ويموتون أيضًا.
التوازن هو السر
الثلاثاء:
قضيت عشرة أيام فى مدينة فريمونت، تمنيت لو كانوا عشر سنوات، اكتشفت بعض أسرار تلك السعادة، ولعل أهم ما يميز هذه المدينة هو التوازن حيث لا تطغى المادة على الروح، ولا يكون النجاح المادى على حساب العلاقات الإنسانية. العمل حاضر بقوة، نعم، لكن الحياة ليست مرجأة إلى إشعار آخر. الحدائق ليست ديكورًا، بل أسلوب حياة، ترى العائلات تجلس على المساحات الخضراء فى تقديس للجمال، الأطفال يركضون بلا خوف، وكأن المدينة كلها عين أم تسهر على راحتهم. حتى الحيوانات هنا تبدو سعيدة، أو هكذا ظننت بعد أن وجدت تقريبًا فى كل حى حديقة خاصة تستطيع أن تصطحب إليها كلبك أو قطتك لقضاء بعض الوقت مع قطط وكلاب آخرين حتى لا يشعر أى حيوان بالوحدة أو العزلة!. مع لافتة رقيقة تناشدك عدم اصطحاب كلبك للحديقة لو لم يكن فى المود وأنه الأفضل لك وله ولزملائه الكلاب أن تأتى به فى وقت آخر عندما يكون فى حالة مزاجية جيدة!.
وادى السيلكون حلم صحفى
الخميس:
توجهت إلى وادى السيلكون، حلم الطفولة المهني. كنت أتوقع أن أشعر بالاندهاش من التكنولوجيا ومن السرعة، ومن الاختراعات. لكن الحقيقة أن السعادة هنا لم تكن فى الأجهزة أو الشركات أو الثروات، بل فى الاحترام للإنسانية ضمن هذا الصخب.. أحد أسرار سعادة تلك المدينة أنها لا تريد أن تثبت شيئًا للعالم. هى ليست حريصة لأن تكون الأكبر أو الأضخم ولا حتى خططت لتكون الأسعد بل سرها الحقيقى يكمن فى أنها اختارت أن تكون المدينة التى تعيش فيها الإنسانية براحة وهدوء. السعادة ليست فى المدينة وحدها، بل فى عبقرية اللقاء بين المكان والإنسان. وادى السيلكون، الحلم القديم، كان قريبًا، لكننى لم أشعر أنه يبتلع المدينة. هنا التكنولوجيا تخدم الإنسان، لا العكس. لا تشعر بأنك رقم، ولا أن قيمتك تُقاس بعدد ما تنتجه فقط. حتى المقاهى، تبدو مصممة للحوار لا للعزلة. الناس يقرأون، ويناقشون، و يكتبون، أو يكتفون بالنظر إلى السماء. نعم.. اكتشفت أن النظر إلى السماء عبادة لم أمارسها منذ زمن.
فى القاهرة مثلًا نعيش فى قلب شوارع صاخبة بضجيج الناس وزحمة السيارات، لكن فى فريمونت الصخب أقل، وأقصى ضجيج للناس لا يتعدى الهمسات الرقيقة.. وزحام السيارات لا يعد زحامًا، بل سيمفونية موسيقية من الذوق الرفيع يشارك فى عزفها كل قائد سيارة كأن الجميع أعضاء فى أوركسترا يأتمرون بعصا مايسترو مخفى عن الأنظار ولا تراه الأعين. فى فريمونت أدركت أن السعادة تأتى حين يكون مسموحًا لك بأن تستمتع باللحظة التى تعيشها، دون أن تنشغل بالماضى أو تقلق على المستقبل. معادلة السعادة واضحة تمامًا حتى لو طبقتها فى أى مدينة أو نجع او حتى كفر بأى بقعة من العالم.. ففى كل مكان سوف ترى أشخاصًا يملكون كل شىء، ومع ذلك لا يبتسمون، وستجد آخرين بسطاء يضحكون بحرية وكأنهم اكتشفوا سر الحياة.. السعادة إذن ليست امتلاكًا، بل شعور وطريقة حياة وحالة من الإدراك.
سألت نفسي: هل السعادة فى البعد قليلًا عن بلادنا أمهاتنا، أم أن نراها من بعيد فنفهمها أكثر، أدركت أن فريمونت لم تُلغِ حنينى لمصر، بل أعادت ترتيبه. جعلتنى أشتاق لا للزحام، بل للوجوه. لم افتقد الضجيج، بل الحكايات.اجتمعت أسباب السعادة هنا لأن المدينة لم تحاول أن تكون شيئًا آخر.
لم تتنكر لهويتها، ولم تركض خلف وهم العظمة. اختارت أن تكون مدينة صالحة للعيش فقط. وهذا، فى عالم اليوم، إنجاز استثنائي. لذا وأنا أغادر مدينة فريمونت بعد عشرة أيام كاملة، شعرت بأننى أغادر صديقًا حميمًا أعرفه منذ الطفولة لا مدينة كل تاريخ علاقتى بها لم يتعد عشرة أيام. لكنه ذلك الصديق الذى علّمنى أن السعادة ليست مكانًا نهرب إليه، بل حالة نسمح لها أن تحدث، حين تتوفر الشروط، ويهدأ القلب.
نهاية الرحلة
«معظم الناس سعداء بقدر ما يقررون أن يكونوا».
أبراهام لينكولن الرئيس السادس عشر للولايات المتحدة الملقب بمحرر العبيد.

حكايات من دفاتر الآثار
أسرار جائزة مصطفى وعلى أمين
سفارى قتل البشر







