شفرة البرومبت

سيمفونية السيليكون

محمد جلال
محمد جلال


لم‭ ‬تعد‭ ‬صناعة‭ ‬الموسيقى‭ ‬أو‭ ‬الفنون‭ ‬الأدائية‭ ‬اليوم‭ ‬حكراً‭ ‬على‭ ‬الإنسان،‭ ‬بل‭ ‬أصبحت‭ ‬مساحة‭ ‬مشتركة‭ ‬تتداخل‭ ‬فيها‭ ‬الخوارزميات‭ ‬مع‭ ‬الإحساس،‭ ‬والبرمجة‭ ‬مع‭ ‬الخيال‭. ‬من‭ ‬الروبوت‭ ‬“صوفيا”‭ ‬التي‭ ‬اعتلت‭ ‬خشبة‭ ‬المسرح‭ ‬مع‭ ‬أوركسترا‭ ‬حيّة‭ ‬في‭ ‬هونج‭ ‬كونج،‭ ‬إلى‭ ‬آلاف‭ ‬الأغاني‭ ‬التي‭ ‬تنتج‭ ‬يوميا‭ ‬عبر‭ ‬أنظمة‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬وتصل‭ ‬إلى‭ ‬منصات‭ ‬البث‭ ‬خلال‭ ‬دقائق،‭ ‬يبدو‭ ‬أن‭ ‬سؤال‭ ‬“من‭ ‬يصنع‭ ‬الفن؟”‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬بسيطاً‭ ‬كما‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬قبل‭.‬

في‭ ‬الموسيقى‭ ‬تحديدًا،‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬الإنتاج‭ ‬يعتمد‭ ‬فقط‭ ‬على‭ ‬الملحن‭ ‬أو‭ ‬المؤدي،‭ ‬بل‭ ‬على‭ ‬أنظمة‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬تحليل‭ ‬أنماط‭ ‬موسيقية‭ ‬وإعادة‭ ‬تركيبها‭ ‬في‭ ‬أعمال‭ ‬جديدة‭ ‬بالكامل‭. ‬أدوات‭ ‬مثل‮ ‬“Suno”‮ ‬و”Udio”‭ ‬وغيرها‭ ‬جعلت‭ ‬من‭ ‬الممكن‭ ‬إنتاج‭ ‬أغنية‭ ‬كاملة‭ ‬خلال‭ ‬وقت‭ ‬قصير‭ ‬،‭ ‬مما‭ ‬أدى‭ ‬إلى‭ ‬تضخم‭ ‬هائل‭ ‬في‭ ‬المحتوى‭ ‬على‭ ‬منصات‭ ‬البث،‭ ‬وأثار‭ ‬قلقاً‭ ‬متصاعداً‭ ‬لدى‭ ‬الفنانين‭ ‬حول‭ ‬مكانتهم‭ ‬داخل‭ ‬هذه‭ ‬المنظومة‭ ‬الجديدة‭.‬

في‭ ‬المقابل،‭ ‬تحاول‭ ‬المنصات‭ ‬نفسها‭ ‬التكيف‭ ‬مع‭ ‬هذا‭ ‬التحول‭ ‬عبر‭ ‬التفكير‭ ‬في‭ ‬آليات‭ ‬تصنيف‭ ‬أو‭ ‬تمييز‭ ‬بين‭ ‬المحتوى‭ ‬البشري‭ ‬والمولد‭ ‬آلياً،‭ ‬في‭ ‬محاولة‭ ‬للحفاظ‭ ‬على‭ ‬توازن‭ ‬هش‭ ‬بين‭ ‬الابتكار‭ ‬وحماية‭ ‬حقوق‭ ‬المبدعين‭. ‬لكن‭ ‬هذا‭ ‬الحل‭ ‬التقني‭ ‬لا‭ ‬يجيب‭ ‬عن‭ ‬السؤال‭ ‬الأعمق‭: ‬“أين‭ ‬يقف‭ ‬الإنسان‭ ‬داخل‭ ‬هذه‭ ‬العملية؟”‭.‬

حتى‭ ‬في‭ ‬السينما،‭ ‬امتد‭ ‬الجدل‭ ‬إلى‭ ‬إعادة‭ ‬إحياء‭ ‬أصوات‭ ‬وصور‭ ‬الفنانين‭ ‬الراحلين‭ ‬باستخدام‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي،‭ ‬ما‭ ‬فتح‭ ‬نقاشًا‭ ‬أخلاقيًا‭ ‬حول‭ ‬حدود‭ ‬“الملكية‭ ‬الفنية”‭ ‬بعد‭ ‬الموت‭. ‬ومع‭ ‬توسع‭ ‬هذه‭ ‬الممارسات،‭ ‬يصبح‭ ‬الخط‭ ‬الفاصل‭ ‬بين‭ ‬الإبداع‭ ‬الإنساني‭ ‬والإنتاج‭ ‬الآلي‭ ‬أكثر‭ ‬ضبابية‭.‬

في‭ ‬النهاية،‭ ‬قد‭ ‬لا‭ ‬يكون‭ ‬السؤال‭ ‬الحقيقي‭ ‬هو‭: ‬من‭ ‬يعزف‭ ‬في‭ ‬المستقبل؟،

بل‭: ‬هل‭ ‬سيظل‭ ‬الإنسان‭ ‬هو‭ ‬من‭ ‬يبدأ‭ ‬اللحن‭.. ‬أم‭ ‬مجرد‭ ‬أحد‭ ‬عناصره‭ ‬داخل‭ ‬نظام‭ ‬أكبر‭ ‬يعيد‭ ‬تشكيل‭ ‬الفن‭ ‬لحظة‭ ‬بلحظة؟‭.‬

;