يوميات الاخبار

مزيد من الحكمة.. وكثير من الوعى

د. عبدالواحد النبوى
د. عبدالواحد النبوى


يكتبها اليوم :عبدالواحد النبوى

استمرت مصر فى نهجها بالنظر إلى الجزيرة العربية والخليج العربى؛ بأنهما جزء من أمنها، واستمرت روابطها معهما قوية .

لم تكن مصر طوال تاريخها بعيدة عن محيطها الإقليمى وبخاصة جوارها العربى؛ فبوصفها دولة مركزية كانت دائماً هى الحليف الإقليمى الأول لكل الدول العربية، رغم أن هناك قوى إقليمية أخرى كانت تحاول أن تنتزع مكانتها فى هذا الإقليم، إلا أن مصر - وحتى فى أكثر لحظات ضعفها عبر تاريخها - لم تكن تتخلى عن دورها الذى فرضته الجغرافيا والحضارة والتاريخ والروابط الممتدة فى أعماق الزمن. 
وكل قادة مصر عبر العصور كانوا يدركون أن علاقة مصر بجوارها علاقة لا يمكن أن تنالها قطيعة دائمة أو انفصال مكتمل؛ فالروابط تزداد يوماً بعد يوم، وتترسخ أكثر، وتزداد تماسكاً، ومهما حاول البعض العمل على تفكيك تلك العلاقة، تزداد قوة وترابطاً، لأن الوعى بطبيعة هذه العلاقة والروابط الذى لا يمكن الانفكاك منها تفرض على جميع الأطراف وضع تماسك العلاقة فوق أى خلاف، وقد جاءت القوى الاستعمارية المختلفة البلدان والتوجهات، وفعلت الكثير من التشوهات والتفتيت، وبذرت ثقافات مختلفة عن ثقافة المنطقة، ووضعت رجالاً لها على رأس الحكم فى بعض المناطق، على أمل فصم عرى روابط مصر بالمنطقة، ليسهل تطويعها لمشروعاتهم والسيطرة على مقدراتها؛ فذهب الجميع، ولم تنجح تلك المشروعات التى هدفت لإبعاد مصر عن المنطقة.
ترابط مستمر أمام المخاطر
 لقد بذلت مصر الكثير فى هذه العلاقة، عبر تاريخ طويل من الاستهداف والترصد والغزو، ولن نذهب بعيداً جداً فى أعماق التاريخ القديم أو العصور الإسلامية؛ لذكر حوادث فاصلة وكبيرة فى تاريخ مصر بالمنطقة، فكلنا يعلم ما قدمته مصر لهذه البقعة قديماً، وفى العصور الإسلامية أيضاً، لحمايتها من القوى الطامعة ومنها المغول والحملات الصليبية، ويكفى أن نعود قليلاً إلى بدايات التاريخ الحديث، فعندما أرسلت البرتغال أسطولاً بحرياً للاستيلاء على مكة المكرمة والمدينة المنورة، ومحاولة هدم الكعبة والاستيلاء على الأماكن المقدسة الإسلامية، أرسلت مصر فى أكتوبر 1505 أسطولاً بحرياً من 50 سفينة حربية إلى ميناء جدة لحماية الأماكن المقدسة، وفر الأسطول البرتغالى إلى الهند، فتبعه الأسطول المصرى الذى انتصر فى معركة شاول البحرية عام 1508، وفشلت بعد ذلك كل محاولات البرتغاليين التى تكررت للوصول إلى الأماكن المقدسة، رغم أنهم استطاعوا إيجاد موطأ قدم لهم فى الخليج، وتنازلت لهم الدولة الصفوية التى كانت تحكم فارس (إيران حالياً) عن جزيرة هرمز عام 1515، وهو ما مكنهم  من البقاء فترة من الزمن فى الخليج العربى.
استمرت مصر فى نهجها بالنظر إلى الجزيرة العربية والخليج العربي؛ بأنهما جزء من أمنها، واستمرت روابطها معهما قوية، رغم وقوعها تحت سيطرة العثمانيين، واستمرت مصر اقتصادياً واجتماعياً وأمنياً داعمة لتلك المنطقة، فالأوقاف المصرية على الحرمين الشريفين، والتجارة معها، واستقبال الأزهر لأبنائها، وإرسال الكسوة، استمرت بلا انقطاع رغم الحوادث الكبيرة التى مرت بها مصر خلال ثلاثة قرون استمر فيها الحكم العثمانى المباشر لمصر.
وعندما وصلت القوات المصرية بقيادة إبراهيم باشا إلى قلب الجزيرة العربية عام 1818، وتوطدت علاقاته بحكام الخليج، عرضت بريطانيا على مصر التحالف ضد أبناء المنطقة، ورفضت مصر وأبت أن تكون فى تحالف مع قوة استعمارية ضد أشقاء روابطهم مع مصر موغلة فى القدم، وعندما سيطر الاحتلال على الخليج بمعاهداته الثقيلة، وحط على أرض مصر عام 1882، استمر الارتباط بين مصر ومنطقة الخليج يزداد توثقاً فى مجالات جديدة، كان التعليم والثقافة والفكر والصحافة والفن حجر الزاوية فى توثيق الروابط، ومع ازدياد حركات التحرر بقيام ثورة يوليو 1952، حافظت مصر على عروبة الخليج من شماله إلى جنوبه، وقدمت كل عون ودعم لحركات التحرر والاستقلال لدوله، بل ووقفت أمام ادعاءات العراق فى الكويت عام1961، وادعاءات إيران فى البحرين 1968، ووقفت مع العراق ضد إيران فى حرب الخليج الأولى، وضد عدوان العراق على الكويت فى حرب الخليج الثانية 1990، ورفضت أن تدخل القوات المصرية أرض العراق بعد تحرير الكويت.
إن مصر لديها عقيدة صلبة فى تعاملها مع جوارها العربى لا تحيد عنها، تكونت عبر تاريخ طويل متراكم، وميراث حضارى ثابت، وأمن قومى صلب، وتبلورت رؤيتها حالياً ضمن مفاهيم واضحة قائمة على مبدأ «الاتزان الاستراتيجي»، فهى ترفض العدوان، وترفض التدخل فى شئون الدول، وترفض دعاوى التقسيم، وغير ذلك من القيم النبيلة التى ترسخت عبر العصور.         
قوات مصرية فى الخليج
عقيدة مصر الصلبة ظهرت واضحة جلية، عندما قامت كل من الولايات المتحدة وإسرائيل فى صباح 28 فبراير2026، بالعدوان على إيران، لتنفيذ مراحل مهمة فى المشروع الصهيونى الاستعماري، بالاستيلاء على المزيد من الأرض، والحصول على مكاسب اقتصادية من خلال الاتفاقيات التى تفرضها الولايات المتحدة على دول المنطقة، وذلك بإضعاف القوى الإقليمية الكبرى، التى مازالت تقف حجرة عثرة أمام هذا المشروع، وبخاصة (مصر وتركيا وإيران). وجاء الرد الإيرانى سريعاً على إسرائيل، وعلى القواعد الأمريكية فى المنطقة، وكان خطأ إيران أنها استهدفت مرافق - منها مرافق مدنية - لدول الخليج العربية، التى لم تستشر أو تستأذن فى العدوان الأمريكى الإسرائيلى على إيران.
لقد أجبرت دول الخليج، بل والمنطقة العربية، على حرب لم تطلبها، ولم تعلم بها. وكان قرار دول الخليج أنها لن تكون طرفاً فيها، فهى ليست حربها، وأنها ستدافع عن نفسها، وأنها تعتصم بالقانون الدولى فى هذا الشأن، وبدا واضحاً أن منظومات الدفاع الأمريكية فى المنطقة تم تسخيرها لصالح أمن إسرائيل، وتضررت دول الخليج رغم أن قواتها المسلحة حققت إنجازات كبيرة فى حماية أراضيها.
لم تتردد مصر، ولم تتوان لحظة، عن التحرك سريعاً لمحاولة تحجيم مخاطر ذلك العدوان ومحاولة إيقافه؛ فعلاوة على جهود دبلوماسية وسياسية كبيرة قام بها الرئيس عبدالفتاح السيسى منذ الساعات الأولى للعدوان مع جميع الأطراف؛ كما هناك دعم من جانب قواتنا المسلحة، وليس بهدف المشاركة فى أعمال قتال، بل بالقيام بدور داعم لتلك الدول، كجزء من واجبها القومى والأخوى . 
تحرك الدعم العسكرى المصرى فضح وجوهاً خبيثة، كشفت عن أهوائها، ولصالح من تعمل، وأى أفكار تعتنق؛ فقبل الإعلان عن الأمر شنت هجوماً إعلامياً كبيراً على مصر ودورها، وقللت من قدراتها، وأن لديها من المشاكل ما لا يجعلها تستطيع أن تقف بجوار أشقائها، وكفرت بدور مصر العروبى والإقليمي، وعندما ظهر للعلن الدعم العسكرى المصرى «بهت الذى كفر».
على الجانب الآخر، فإن قطاعاً كبيراً من الشعب المصرى، أبدى تعاطفاً مع إيران؛ فالمعتدى الكيان الصهيوني، الذى ارتكب وما زال يرتكب المذابح والاعتداءات وسفك الدماء منذ أن ظهر فى الأرض الطيبة فلسطين فى أوائل القرن العشرين، وآخر جرائمه ما فعله فى سوريا وغزة ولبنان، ويرى ذلك القطاع من المصريين أن وجود قوات مصرية فى الخليج، قد تكون فى صالح الكيان الصهيوني، لقد نسى هؤلاء أن مصر الوحيدة التى وقفت أمام مخططات التهجير، وأنها التى تستخدم كل السبل لوقف تنفيذ المشروعات الصهيونية فى المنطقة، وأن تاريخ مصر فى مكافحة المخططات الصهيونية جعل فى كل بيت مصرى شهيداً فى كل الحروب التى خاضتها ضدها حتى اليوم، وأن قيادة مصر أكثر من يدرك ذلك؛ فالأمر يستلزم من الجميع «مزيداً من الحكمة وكثيراً من الوعى».
ومن شعر ندى يوسف الرفاعى الكويتية:
مِصرُ العروبةِ لم تزل مثلَ الجبلْ.. 
ولها المكانةُ ترتقى بينَ الدوَلْ.. 
فسياطُها بصِراطها ورِباطِها.. 
منصورةٌ باللهِ ضِدَّ مَنِ افتعلْ.. 
حربًا ليهزِمَ عزمَها وكيانَها..
ولها الكرامةُ والشهامةُ والمَثَلْ.. 
مرفوعةُ الهاماتِ ليس نِزالُها لعبًا..
على الساحات أو مرمى الهَزَلْ..
 هى أمُّنا ذاتُ الفخامةِ والنُّهى..
 وعمودُ خيمتِنا بوجهِ ذوى الزللْ..