النصر فى الحرب ليس لمن يملك الصاروخ الأحدث، بل لمن يملك الحكمة والقدرة على منع العدو من إطلاق الصاروخ الأول.
فى القاموس العسكرى والعمليات الجوية، تستخدم عبارة نقطة «وينشستر» (Winchester) كرمز أو «كود» يختصر اللحظة الأكثر حرجًا لأى مقاتل وهى لحظة انتهاء الذخيرة. يعود أصل التسمية إلى بندقية «وينشستر» الشهيرة التى كانت رمزًا للقوة النارية فى القرن التاسع عشر، ومع تطور التكتيكات العسكرية، وتحديدًا فى الحروب الجوية الحديثة، اعتمدت قوات «الناتو» هذا الكود ليطلقه الطيار عبر اللاسلكى حين يفرغ مخزن طائرته من الصواريخ والقذائف تمامًا.
ويقال إن طيارى الحرب العالمية الأولى هم أول من استخدموا هذا المصطلح عندما كانت تنفد ذخيرة مدافعهم الرشاشة، كإشارة إلى أنه لم يتبقَ معهم سوى بنادقهم اليدوية الشخصية من طراز «وينشستر».
الوصول إلى هذه النقطة يعنى تقنيًا تحول الطائرة من «سلاح فتاك» إلى مجرد «كتلة معدنية طائرة» قادرة على المناورة لكنها عاجزة عن الردع، مما يستوجب انسحابها الفورى من مسرح العمليات.. تقارير مراكز الأبحاث الأمريكية حذرت مؤخرًا من وصول أجزاء من الترسانة الاستراتيجية للولايات المتحدة إلى «نقطة وينشستر» الحرجة، خاصة فى أنواع الصواريخ الأساسية مثل «توماهوك» و»جافلين» والصواريخ الاعتراضية، وذلك فى حال انخرطت واشنطن فى اشتباك متعدد الجبهات وعالى الكثافة ضد إيران ودولة أخرى كبرى فى آن واحد مثلا.
التقارير تشير إلى أن قوة «الردع» لا تتحقق فقط بامتلاك التكنولوجيا المتطورة، بل بامتلاك «العمق اللوجستي» والقدرة على الإنتاج الكمى السريع. فعندما تصل قوة عظمى إلى نقطة «وينشستر» فى مخزونها من الصواريخ الذكية، فإن ذلك قد يمنعها عن حماية مصالحها فى جبهات أخرى، وهو ما يمثل ثغرة أمنية قد يستغلها المنافسون، خاصة لو اندلعت حرب متزامنة فى مضيق تايوان مع الصينيين. هذا الانكشاف الاستراتيجى دفع البنتاجون لإدراك أن حروب الاستنزاف الحديثة -خاصة فى ظل المواجهة مع المسيرات الانتحارية- تجعل من غير المنطقى الاستمرار فى إطلاق صواريخ تبلغ تكلفتها ملايين الدولارات لإسقاط مسيرات لا تتعدى قيمتها بضعة آلاف.
من هنا، بدأ التحول الأمريكى نحو استراتيجية تصنيع صواريخ اعتراضية مبسطة تعتمد على التكنولوجيا التجارية و»الطباعة ثلاثية الأبعاد» وللوهلة الأولى تبدو فكرة «طباعة الصواريخ» خيالًا علميًا، لكنها فى الواقع تشبه مبدأ طابعات الأوراق والمجسمات ولكن بمستويات عسكرية معقدة فبدلًا من «نحت» الأسلحة من قطعة معدن كبيرة وهدر الوقت والمواد، تقوم هذه التقنية ببناء الصاروخ طبقة تلو أخرى من مسحوق المعادن والسبائك داخل الطابعة العملاقة.
قناة «سى إن إن» الأمريكية بثت تقريرًا حول أول صاروخ كروز مطبوع فى العالم، تم إنتاجه بتكلفة أقل بـ10 مرات وفى غضون أسابيع بدلًا من شهور. وبسبب أهمية هذا التحول، قام وزير الدفاع الأمريكى «بيت هيغسيث» بزيارة المصنع المخصص لهذه التقنية الناشئة فى كاليفورنيا، ليقف بنفسه على هذا الإنجاز مخاطبًا المهندسين: «نحن بحاجة للمزيد من هذا». ورؤية الأمريكان الآن تتلخص فى أنه إذا فقدنا 100 صاروخ فى معركة اليوم، فلا داعى لانتظار شهور لصناعة وشحن البديل، بل يمكن «طباعة» الأجزاء المطلوبة وتجميعها فى قواعد قريبة من الجبهة، لضمان الابتعاد دائمًا عن حافة النفاد الحرجة.
أما فى عالم السياسة، فتوجد أيضًا «نقطة وينشستر»؛ وهى اللحظة التى تستنفد فيها الحلول الدبلوماسية وتصمت لغة الحوار، وهو ما تحاول مصر جاهدة التحذير منه مرارًا وتكرارًا. وتلعب القاهرة دورًا محوريًا فى تقريب وجهات النظر وفتح قنوات الاتصال لتهدئة الصراعات الإقليمية، إدراكًا منها أن الانزلاق نحو الحرب سيؤدى إلى حالة «وينشستر» اقتصادية وسياسية تطول الجميع. وفى هذا الإطار، جاءت جولة الرئيس عبد الفتاح السيسى الأخيرة إلى سلطنة عُمان والإمارات لتؤكد على أهمية استمرار المفاوضات واحتواء التوتر، لأن استمرار حالة عدم الاستقرار ستكون لها تداعيات وخيمة تطول الجميع.
وبينما تسابق القوى العظمى الزمن لتطوير طابعات الصواريخ لضمان تدفق ذخيرتها، تظل الدبلوماسية المصرية هى «المصنع» الأول الذى يحاول طباعة السلام والاستقرار ونشره فى منطقة لا تتحمل المزيد من المعارك؛ والكتب العسكرية دائما ما تشير إلى أن الانتصار فى الحروب ليس لمن يملك الصاروخ الأحدث، بل لمن يملك الحكمة والقدرة على منع العدو من إطلاق الصاروخ الأول.

عيد الإعلاميين
ايمان ممتاز تكتب : لماذا يحتاج الشباب إلى الوعي السياسي الآن أكثر من أي وقت مضى؟
ياسر عبد العزيز يكتب: عفوًا .. كابتن لبيب ورفاقه الاستقالة لا تمر فوق جبل الديون







