انعقدت قمة «الجماعة السياسية الأوروبية» فى العاصمة الأرمينية يريفان فى 4 مايو 2026 فى لحظة حساسة تمر بها القارة الأوروبية، حيث تزامنت مع تصاعد القلق بشأن مستقبل الأمن الأوروبى فى ظل التحولات المتسارعة فى السياسة الخارجية الأمريكية، لا سيما بعد إعلان الرئيس الأمريكى دونالد ترامب سحب نحو 5 آلاف جندى أمريكى من ألمانيا.
وجاء قرار ترامب وسط تصاعد خلافه مع المستشار الألمانى فريدريش ميرتس حول الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، وغضب ترامب من تردد الحلفاء الأوروبيين فى التدخل فى الصراع فى الشرق الأوسط، فالإدارة الأمريكية كانت تتوقع دعمًا أوروبيًا فى المواجهة مع طهران، إلا أن العديد من الدول الأوروبية تبنت مواقف أكثر حذرًا، مفضلة تجنب الانخراط فى صراع مباشر.
وكان المستشار الألمانى قد قال مؤخرًا إن الولايات المتحدة تتعرض لـ «إذلال» من قبل القادة الإيرانيين، مضيفًا أنه لا يرى «ما هو المخرج الاستراتيجى الذى يختاره الأمريكيون الآن».. ويُفهم قرار ترامب بسحب قوات من ألمانيا كرسالة ضغط سياسية موجهة إلى الحلفاء الأوروبيين، مفادها أن استمرار المظلة الأمنية الأمريكية ليس أمرًا مضمونًا دون مقابل، وأن واشنطن تنتظر من شركائها دورًا أكثر فاعلية فى دعم أولوياتها الاستراتيجية، خاصة فى الملفات التى تعتبرها حاسمة لأمنها القومى..
ولدى وصوله إلى العاصمة الأرمينية، كتب رئيس المجلس الأوروبى أنطونيو كوستا على وسائل التواصل الاجتماعى «سيبحث قادة من مختلف أنحاء القارة، بمشاركة كندا، سُبل التعاون لتعزيز الأمن وتعميق الصمود المشترك»، وذلك بعدما عمّقت الحرب فى إيران الشرخ على مستوى العلاقات عبر الأطلسى.
وعلى تلك الخلفية جاء انعقاد قمة يريفان بمشاركة قادة أكثر من 40 دولة، من بينهم الرئيس الفرنسى إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء البريطانى كير ستارمر ورئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلونى ورئيس وزراء كندا مارك كارنى، وإن غاب عنها عدد من القادة البارزين، بينهم المستشار الألمانى فريدريش ميرتس والرئيس التركى رجب طيب أردوغان.
وقد فرضت التطورات الأخيرة نفسها على جدول أعمال القمة التى أعادت تقييم موقع أوروبا فى النظام الأمنى الدولى، خصوصًا فى ظل استمرار الحرب فى أوكرانيا، والتوتر مع روسيا، وأزمة الشرق الأوسط، وتزايد الشكوك حول التزام واشنطن بحماية حلفائها.
وقد أثار قرار سحب القوات الأمريكية من ألمانيا قلقًا واسعًا لعدة أسباب، أهمها أن هذا البلد يمثل مركز الثقل العسكرى الأمريكى فى أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، فالقواعد العسكرية الأمريكية المنتشرة هناك، مثل قاعدة رامشتاين الجوية، تلعب دورًا محوريًا فى عمليات الناتو وفى دعم العمليات العسكرية فى أوروبا والشرق الأوسط، وبالتالى، فإن تقليص هذا الوجود لا يُفهم فقط على أنه إعادة انتشار، بل يُنظر إليه كإعادة تعريف للالتزامات الأمنية الأمريكية فى القارة..
وخلال القمة، قالت كايا كالاس، مسئولة السياسة الخارجية فى الاتحاد الأوروبى إن «الحديث عن سحب القوات الأمريكية من أوروبا كان يدور منذ فترة طويلة، لكن جاء توقيت هذا الإعلان مفاجئا ليُظهر ضرورة تعزيز الدور الأوروبى فى حلف الناتو».
كما اعتبر رئيس الوزراء الكندى مارك كارنى أن أوروبا وكندا ليستا محكومتين بالخضوع لنظام دولى «وحشى» جديد. وقال كارنى، وهو أول ضيف من خارج أوروبا يشارك فى القمة الأوروبية: «لا نعتقد أننا محكومون بالخضوع لعالم أكثر نفعية وانعزالا ووحشية، واجتماعات كهذه تُتيح لنا مسارًا آخر».
وتناولت النقاشات داخل القمة مفهوم «الاستقلال الاستراتيجى الأوروبى»، وهو المفهوم الذى عاد بقوة إلى الواجهة فى السنوات الأخيرة، وشدّد القادة على استقلالية أوروبا فى مجال الدفاع وتعزيز العلاقات مع كندا، وذلك خلال قمة خيّمت عليها التهديدات الأمريكية بخفض الدعم العسكرى للحلفاء التقليديين.
وفى هذا السياق، برزت دعوات لزيادة الإنفاق الدفاعى الأوروبى، ليس فقط استجابة لضغوط أمريكية قديمة، بل كضرورة استراتيجية فرضتها المتغيرات الجديدة، وقد أشار عدد من القادة إلى أن أوروبا لم تعد تستطيع الاعتماد على الضمانات الأمنية التقليدية، وأن عليها تطوير صناعاتها الدفاعية وتعزيز التعاون العسكرى بين دولها، سواء داخل إطار الاتحاد الأوروبى أو من خلال آليات موازية.
وفى الواقع أنه لا يمكن فصل القرار الأمريكى الأخير عن السياق السياسى الأوسع للعلاقات بين واشنطن والعواصم الأوروبية، فقد شهدت هذه العلاقات توترا ملحوظا فى السنوات الأخيرة بسبب اختلاف المواقف من قضايا عدة، منها الحرب فى أوكرانيا، والسياسات التجارية، والموقف من الصين، بالإضافة إلى قضايا الشرق الأوسط وآخرها الحرب على إيران.
وقد استخدم ترامب مرارًا خطابًا ينتقد فيه ما يعتبره «تقاعسًا أوروبيًا» فى تحمل الأعباء الدفاعية، وهو ما انعكس فى قراراته المتعلقة بإعادة توزيع القوات الأمريكية.
ويمكن القول إن قرار سحب القوات الأمريكية من ألمانيا كان بمثابة «صدمة استراتيجية» لأوروبا، دفعتها إلى مواجهة واقع جديد قد يفرض عليها إعادة تعريف دورها فى النظام الدولى.
كما بحثت القمة أيضًا ملف أوكرانيا، فى ظل انتقال العبء المالى لدعم كييف إلى الأوروبيين، بعد إقرار الاتحاد الأوروبى قرضًا بقيمة 90 مليار يورو.
ودعا الرئيس الأوكرانى فولوديمير زيلينسكى إلى عدم تخفيف العقوبات على روسيا، مطالبًا بمواصلة الضغط على فلاديمير بوتين لدفعه نحو تسوية دبلوماسية.
وأعلنت كندا عن تقديم دعم إضافى بقيمة 270 مليون دولار لتعزيز القدرات العسكرية الأوكرانية، مما يرفع إجمالى مساعداتها إلى أكثر من 25 مليار دولار، فى مؤشر على تنامى الدور الكندى ضمن هذا المحور الغربى الجديد.
ولم تغب تداعيات التوترات فى الشرق الأوسط عن النقاشات، إذ انعقدت القمة فى بلد مجاور لإيران، وسط مخاوف أوروبية متزايدة من انعكاسات النزاع على أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد.
ولقد اكتسبت القمة التى استضافتها أرمينيا أيضًا بعدًا رمزيًا، إذ يقع هذا البلد بين الشرق والغرب، ويسعى لتعزيز علاقاته مع أوروبا فى ظل تراجع الاعتماد على روسيا، كما أن اختيار يريفان لاستضافة القمة يعكس رغبة أوروبية فى توسيع دائرة الشراكات شرقا، فى وقت تتغير فيه موازين القوى الإقليمية.
وقد اعتبر العديد من المراقبين أن هذه القمة تمثل نقطة تحول فى التفكير الأوروبى، حيث انتقل النقاش من مستوى النظريات إلى مستوى السياسات العملية.
وبينما لا يزال الطريق نحو الاستقلال الدفاعى طويلًا ومعقدًا، فإن قمة يريفان أظهرت بوضوح أن القارة الأوروبية ومعها كندا بدأت تدرك أن أمنها لم يعد مضمونا بنفس الدرجة التى كان عليها فى العقود الماضية، وأن عليها التحرك بسرعة لمواكبة التحولات الجيوسياسية.
وهكذا، تعكس هذه التطورات مرحلة انتقالية فى العلاقات عبر الأطلسى، قد تؤدى إلى إعادة تشكيل التحالفات الدولية، ليس فقط فى أوروبا، بل على مستوى النظام العالمى ككل، وفى ظل استمرار الغموض حول السياسات الأمريكية المستقبلية، يبدو أن أوروبا تتجه تدريجيًا نحو تبنى دور أكثر استقلالية، وإن كان ذلك سيستغرق وقتًا ويتطلب توافقًا سياسيًا واقتصاديًا عميقًا بين دولها.
اختبار صعب للهدنة| ضربات أمريكية - إيرانية متبادلة.. وأضرار بمطار الكويت
تصعيد بلا توقف| مايو الأكثر دموية فى غزة منذ بداية العام
ثلاثية حرب لبنان| مفاوضات.. مخطط إسرائيلى للجنوب.. وانزعاج أمريكى من تل أبيب







