أتفهم تمامًا أن يطالب محبو هاني شاكر بجنازة شعبية مهيبة تفيض بالدموع والزحام. لكن من يهاجمون مشهد وداعه، ويتحدثون عن "حرمان الجماهير" من توديعه، يتناسون أن زمن الجنازات تغيّر، ولم يعد كما كان في عصر أم كلثوم وعبد الحليم، حين كانت الجماهير تسير خلف نجومها بقلوبٍ مكسورة لا بهواتفٍ مرفوعة، وأن كثيرًا من جنازات الفنانين تحوّلت في السنوات الأخيرة إلى فوضى تنتهك هيبةالوداع أكثر مما تُكرّم أصحابها.
العالم تغيّر، والجنازات تغيّرت، وما كان تعبيرًا خالصًا عن الحب في الماضي، أصبح اليوم ساحة للفوضى والتدافع، واقتناص "اللقطة" واصطياد "الترند"، حتى باتت حرمة الموت مهددة وسط زحام الهواتف وصناع المحتوى والباحثين عن مشهد مثير.وليس عيبًا أن تحرص أسرته على وداعٍ يحمي لحظاته الأخيرة من العبث والمرجلة التي شاهدناها في جنازات كثيرة لنجوم كبار، ولا جريمة أن تختار له وداعًا هادئًا يليق بنقاء صورته وتاريخه.فمشاهد التدافع والصراخ والبحث عن "الترند" وملاحقة النجوم بالكاميرات في العزاء، ليست تعبيرًا صادقًا عن الحب.
ثم إن اختزال الأمر في أنه "وداع داخل كومباوند فاخر" لمجتمع "إيجيبت" فقط، يحمل قدرًا كبيرًا من القسوة والتجني بحق أسرة فقدت إنسانًا قبل أن تفقد فنانًا. الأسرة لم تمنع الحب، ولم تصادر حق الجماهير في الحزن، لكنها حاولت حماية لحظة الوداع الأخيرة من العبث الذي شهدناه مرارًا في جنازات تحوّلت فيها الكاميرات إلى بطل المشهد.
قيمة هاني شاكر الحقيقية ليست في مشهد نعشٍ تتخاطفه الأيدي، ولن تُقاس بعدد الأكتاف التي حملت نعشه، بل بما تركه في قلوب ووجدان الناس من احترام ومحبة وذكريات طوال 50 عامًا. والجماهير التي صنعت نجوميته لم تكن تحتاج إلى لمس نعشه كي تثبت حبها له، لأنها حملته بالفعل في قلوبها لعقود. والصورة التي ستبقى، صورة فنانٍ راقٍ عاش محترمًا، ورحل بهدوء يشبه أخلاقه، بينما ظلت زوجته السيدة نهلة تحيطه بنفس الوفاء والتفاني والحنان حتى مثواه الأخير.

«التلمذة الصناعية».. تصحيح مسار أم مغامرة محفوفة بالمخاطر؟
الأزهر والبرلمان والحكومة.. من يرسم ملامح قانون الأسرة الجديد؟
اقتصاد الفحم.. كيف تحولت "المكامير" إلى أزمة بيئية في الغربية؟







