فى الرابع من مايو 1991 أصيب أهل مصر والعالم العربى بصدمة عند إعلان نبأ وفاة مطرب الملوك والأمراء المفاجئة، فلم يكن الموسيقار مريضا، كان فى كامل صحته وذهنه حاضر، كل ما هناك أن طبيبه نصحه بالسير كل يوم، وكان يفعلها سيرًا على قدميه بمحاذاة نيل الزمالك، وأقلع عن هذه العادة عندما اعتدى عليه رجل غريب الأطوار التقى به أمام مصعد العمارة التى يقطنها بحى الزمالك وتسبب فى إحداث جرح برأسه بقطعة من الحجارة المدببة، ونقل لتلقى العلاج بالمستشفى، واعتاد بعدها على السير فى شقته التى تبلغ مساحتها 500 متر وبها طرقة طويلة تصل إلى ٢٠ متراً كان يقطعها رايح جاى لأكثر من مرة، وفجأة اشتبك الخف الذى يرتديه بطرف السجادة وسقط على الأرض ليتبين بعدها أنه أصيب بسكتة دماغية لفظ بها أنفاسه الأخيرة مودعًا الدنيا التى أحبها وتشبث بها وعاش فيها ملكًا من ملوك الرقى والذوق والفن والثقافة والمعرفة والجمال.
عرفته فى السنوات الخمس الأخيرة من حياته، وعرفت فيه خفة الظل والحضور الطاغى الذى يشعرك عندما يتكلم وكأنه يغنى بصوته الصداح الجميل لما كان يتمتع به من سعة فى الثقافة والمعرفة، ولى معه حكايات قليلة ليس مكانها الآن لكى أترك الحديث عنه ونحن نحتفى بإحياء ذكرى رحيله الخامسة والثلاثين لعباقرة الموسيقى والأنغام والقلم والفكر الذين تتلمذوا عليه والذين عرفوه عن قرب، فقد ودعه الموسيقار الكبير رياض السنباطى بكلمات مؤثرة قال فيها : «عبد الوهاب فنان ذكى جدًا إذا لحن لإرضاء عبد الوهاب الفنان، كان عظيمًا فى مدرسته الموسيقية واللحنية والغنائية منذ بداياته وطوال مراحل نموه الفنى التى غير فيها جلده بطابع وهابى مستمر، وعبد الوهاب يكون فى أفضل حالاته الفنية إذا لحن لنفسه».
وقال عنه بعد رحيله الموسيقار كمال الطويل : «تأثر محمد عبد الوهاب فى بداياته بسيد درويش، ونستطيع أن نقول إنه كان كالنشافة التى تنطبع فيها غالبية ما قدمه سيد درويش من موسيقى وألحان، وعبد الوهاب بدأ يعرف عند الناس عندما كان مقلدًا لسيد درويش، وأمثال الموسيقار محمد عبد الوهاب لا يموتون رغم رحيل الجسد فهو باقٍ بأمجاده وموسيقاه وأغانيه، وهو مثل النهر الخالد متجدد المياه والفيضان ومتجدد الروح والألحان، يعيش شبابه الفنى الدائم بتجديد ألحانه بجرأته الشديدة ومغامراته المحسوبة فى التطوير والتجديد، ولهذا فهو باقٍ بألحانه وصوته الجميل، ولن يموت أبدًا لأن النغم لا يموت، كان نهرًا من أعذب الأنهار».
ورثاه تلميذه الموسيقار محمد الموجى قائلا : «كان عبد الوهاب لنا هو الأب الروحى الذى نستلهم منه العطاء والاستمرار، وكانت موسيقاه وعطاؤه المتجدد هو الحافز الذى يحقق لنا النجاح، وبرحيله فقدنا المعلم والرائد والأستاذ والبوصلة التى كنا نهتدى بها، وستظل بصمته الموسيقية موجودة على مر الأجيال».
أما المايسترو أحمد فؤاد حسن قائد الفرقة الماسية فقد رثاه قائلًا : «إن جيلًا شاملًا من أمجادنا الموسيقية والغنائية قد انهار برحيل الموسيقار الذكى محمد عبد الوهاب، غاب عنا بعد أن أدى دوره حتى آخر دقيقة فى حياته، كان مدرسة معترفًا بها فى الوسط الموسيقى والغنائى أطلقنا عليها مدرسة الغناء الوهابى، وكان ظاهرة فنية فريدة فى عالمنا العربى، لم يكن مجرد فنان يلحن ويغنى ويعزف، لأن عقله ووجدانه كانا يخترقان الحاضر نحو المستقبل فى آذان كل المستمعين فى العالم العربى وبين الأجانب أيضًا».
وروى الكاتب الكبير مصطفى أمين أن محمد عبد الوهاب كان مدرسًا للموسيقى فى المدرسة الثانوية التى كان يدرس بها ورفض أن يضمه لفريق الغناء عندما اختبر صوته وقال له «انت لا تصلح للغناء» وعلق مصطفى أمين على ذلك بأن محمد عبد الوهاب أنقذ الوطن من مطرب نشاز يدعى مصطفى أمين، وقال إن عبد الوهاب كان يمتلك عالمًا داخليًا سريًا جدًا فى اختيار ألحانه، وقال إنه وقع فى قصة عاطفية عاصفة مع فتاة من أسرة أمير الشعراء أحمد شوقى أحبته وأحبها لكنه لم يملك الشجاعة لاتخاذ خطوة فى هذه القصة لأبعد من النظرات العاطفية تقديرًا لأمير الشعراء الذى كان صاحب الفضل الأكبر فى تربيته وتثقيفه ومساندته فنيا».
وكتب عنه أنيس منصورمقالا فى «الأهرام» قال فيه : «عبد الوهاب كان كالعملة المصهورة من الفضة والنحاس، فعبد الوهاب الفنان اللامع هو الفضة، وعبد الوهاب التاجر الشاطر هو النحاس، فلولا النحاس لتلاشى وتآكل عبد الوهاب، ولولا الفضة لصدأ عبد الوهاب، هو يستحق التقدير لأنه عمل بإخلاص لكى يفوز باحترام الناس، والناس لم يحترموا عبد الوهاب إلا لأنه احترم فنه، أى احترم نفسه، وألحان عبد الوهاب مثل مرآة ضخمة، يجد فيها كل إنسان نفسه، وكل ملحن يجد فيها موسيقاه، وألحانه تشبه لوحة «الجيوكندا» التى رسمها دافنشى إذا نظرت إليها من أى اتجاه تحس أنها تنظر إليك وتبتسم».
أما الساخر الأعظم أحمد رجب فقال عنه : «عبد الوهاب يتعامل مع أذنيه، أذن 6 على 6 وحادة جدًّا ومرهفة ولها قدرة عجيبة على تذوق الكلمة الحلوة ذات الإيقاع، ولها قدرة أعجب على اكتشاف النشاز إذا افتقرت إلى الإيقاع والنغم، وعبد الوهاب تستهويه العبارات الموسيقية وتشده، وإذا سمع كلمة حلوة قال «يا حياتى»، يميل إلى الاقتناع فى المناقشة إذا اتجهت إلى استعمال العبارات الموسيقية، وإذا استعملت معه كل قواعد المنطق فى إقناعه يطقطق أسنانه دون أى استعداد للإقناع».
قال عنه الناقد الموسيقى الكبير كمال النجمى: «عبد الوهاب بشهادة النقاد والموسيقيين والملحنين والمستمعين أقدر الجميع على وضع اللحن المناسب للصوت المناسب، وبفضل هذه القدرة لمعت ليلى مراد، وعبد الحليم حافظ، ونجاة، ورجاء عبده، وكافة المطربين والمطربات الذين تعهدهم فى مراحل تاريخية مختلفة، وعرف كيف يعيد لأم كلثوم شبابها فى رائعة «أنت عمرى»، وأثبت الموسيقار محمد عبد الوهاب أنه موسيقى متجدد دائمًا فى الجملة اللحنية والآلات الغربية التى أدخلها على الفرق الموسيقية ووظفها بشكل رائع ليؤكد أنه ملحن للجميع، وترزى ماهر جدًا فى تفصيل اللحن على إمكانات الصوت.
ما سبق سطور قليلة من شهادات لشخصيات معتبرة، أردت أن استعيدها وأعيد نشرها للجيل الجديد من الشباب الذين لم يعيشوا عصر الموسيقار محمد عبد الوهاب، سطور تشكل ملامح سريعة لمطرب الملوك والأمراء الذى حمل لقب موسيقار الأجيال، ولا نملك فى ذكرى رحيله إلا أن نستعير من إحدى أغانيه الخالدة السطور التالية «مهما كان بعدك ها يطول.. أنا قلبى عمره ما يتحول.. وها نفتكرك أكتر م الأول»، رحم الله موسيقارنا العظيم وأسكنه فسيح جناته.

كنوز| حكايات سيدة الشاشة مع عملاق الصحافة فى ذكرى ميلادها الـ 95
كنوز| مستقبل مصر فى عقلها
كنوز| قصة «ثومة» مع الشريف فى «مسامرات الجيب» !







