سلوان إحسان
أنا محيبس شلتاغ، تلك النبتة البرية التى نبتت فى شقوق النسيان، ثمرةٌ غير شرعية لكننى أحمل فى عروقى دماءً عراقية صافية كنمير الفرات قبل أن تكدّره خطايا البشر. أنا ابن منيرة شلتاغ، تلك المرأة التى كانت فى فجر شبابها الموءود، وحين رأت عيناى النور لأول مرة، خادمةً فى دهاليز قصر التاجر اليهودى البصرى عزرا بن صالح. لا يداخلنى ريب، ولا يساورنى شك فى نقاء أصلى الآرى العراقى؛ فإذا كانت شجرة عائلتى لا تضرب بجذورها فى رمال معركة ذى قار الخالدة أو فى فتوحات الأكديين، فإن فروعها تشتبك يقيناً بأغصان العهد الملكى الأول، حيث كان للكرامة ظلّ، وللوفاء معالم لم تمحُها العواصف بعد.
أقف حائراً أمام لغز هويتى المشتتة، فلا أستطيع أن أشير بإصبع اليقين إلى الرجل الذى وهبنى نطفة الحياة، لكنه يقيناً واحدٌ من خمسة رجال كانوا يطرقون باب أمى بانتظام كدقات القدر المحتوم: القصاب عباس الذى كانت تفوح منه رائحة الدم والبهارات الحادة، أو ستار الفيتر الذى تلونت أصابعه بسواد الشحم والزيوت كأنه يحمل ليل البصرة فى كفيه، أو خلفة البناء جاسم الذى كانت ثيابه تحمل غبار الآجر والملح وأنفاس المدن الصاعدة، أو العربنجى علاوى الذى كانت سياطه تعزف لحن الشقاء اليومى على جلود الخيول المتعبة، أو الفرّاش عبود، ذلك الرجل الضئيل الذى يلوذ بظل مديرية الناحية كأنه خيالٌ لشىء لم يكتمل. لقد استنطقتُ صمت التاريخ، ونبشتُ فى دفاتر أنسابهم، وأقسم لكم بسيدى أبو شاجور أن هويتى مستمدة من طينهم، موثقة بختم لا يمحوه غبار الزمن.
أما عبود الفّراش، فإنى أزهو بذكراه أكثر من البقية، إذ كان سليل رجل عظيم لُقب فى الدواوين بـحامل الأسرار، وهو الذى ائتمنه شيخ العشيرة قديماً على مفتاح الصندوق المحرم، ذلك الصندوق الذى لم يكن يحوى ذهباً بل كان يحرس حكايات العفة المؤصدة بأقفال من كبرياء، والتى صارت مضرب الأمثال فى مجالس سمر الجنوب تحت ضوء القمر الشاحب.
فى الدار المجاورة، حيث يسكن الصمت والترقب، كان ينمو صادق كوهين. كان ظلى الذى لا يفارقنى، وتوأم روحى فى الميلاد المأساوى؛ فبينما كانت القابلة أم قحطان تجذبنى من رحم أمى المظلم، تلك الهوة السحيقة التى لا نعلم أهى ملاذ أم سجن، ولد صادق بعدها بدقيقتين واثنتين وعشرين ثانية بالضبط. هل كانت ولادتنا تحرراً من القيد؟ أم أنها كانت مجرد انتقال من ظلمات الرحم إلى ظلمات الحياة التى تترصدنا فى أزقة القرنة الضيقة؟ إننى أشك فى ذلك، فالحياة يا سيدى، فى جنوبنا الصابر، ليست دائماً هبةً من النور، بل هى أحياناً عبءٌ ثقيل يجرجر أذياله فوق الطين.
بعد يومين من صرخته الأولى التى شقت سكون الليل، زفّت اللسن البصرية بشارة قدومه فى إعلان يقطر فخراً:
أنا، إبراهيم كوهين، الحلاق وسيد المقص فى صالون الأفندى، ذلك المكان الذى تفوح منه رائحة الكولونيا المستوردة والتبغ المعتق فى ركن السوق الكبيرة، مدير نادى التعاون وكاتب أسرار الجماعة، عضو جمعية الرفق بالحيوان ومؤلف رسالة فلسفة الشعر فوق الرؤوس أعلن للعالم ولادة وريثى صادق كوهين.
كانت فوزية الخبلة، تلك المرأة التى جففها الشقاء حتى صارت كالقصبة الهاربة من أهوار الجبايش، تهمس للسيدة سليمة بنبرة يمتزج فيها العجب بالتهكم المر: يا سليمة، إن زوجك إبراهيم الذى عرفناه بالزهد والصمت، قد أسرف فى خياله هذه المرة، فما بال هذا الإعلان كأنه نذير حرب أو دعوة لوليمة ملكية فى قصور بغداد؟
كانت فوزية الخبلة فارعة الطول كأنها نخلة أصابتها الصاعقة، ملامحها حادة كمدية حلاق قديمة، وعيناها تلمعان بذكاء فطرى مرير يرى ما خلف الوجوه. أما السيدة سليمة، فكانت قصيرة، ممتلئة كحبة رمان ناضجة، تضع نظارتها فوق أنفها كأنها تحاول استجلاء مستقبل غامض يتربص بعائلتها، وشعرها المصبوغ بوقار الشيب يحيط برأسها كإكليل من غيوم تشرين التى لا تمطر. كانت تبدو وكأنها خرجت للتو من لوحة زيتية عتيقة، معفرة بغبار التاريخ والذكريات الحزينة لشتات قديم.
إبراهيم كوهين، ذلك الرجل الضئيل، كان يحمل على كاهله المائل ثقل قرون من النفى والوجع الموروث. كان أنفه ينضح بزكام مزمن، وكأنه يبكى هواء البصرة الرطب وتاريخاً لم ينصفه، لكنْ عيناه.. آه من عينيه! كانت عيونه وسيعة، صافية كزرقة السماء فوق الهور فى لحظة فجر صيفى، تشع بحكمة الأنبياء وبرحمة لا تفرق بين عرق ولون. كان يرى فى كل رأس يحلقه حكاية إنسان يكافح، وفى كل لحيّة يهذبها أثراً لزمن غابر.
فى يوم الثالث والعشرين من مايو لعام 1907، كانت القرنة على موعد مع طقس غارق فى الرمزية الغامضة: ختان صادق. إن الختان فى فلسفتنا المشرقية هو العهد القديم، هو الوسم الذى يضعه الخالق على أجساد عباده ليروض فيهم وحش الغريزة ويسمو بهم إلى ملكوت النبل الإنسانى. فى ذلك اليوم، أُغلق صالون الحلاقة، وتحول بيت كوهين إلى خلية نحل لا تهدأ. كانت أمى منيرة وفوزية الخبلة تعجنان الطحين بماء الورد وتخبزان الكليجة المعطرة بالهيل، بينما كان عبق السكر المحروق والدارسين يملأ المكان، مختلطاً برائحة الطين المنبعثة من الشط.
لقد غابت عقولهن تحت تأثير شراب ماى الورد الممزوج بنكهة الجنوب الحادة ومسكرات خفية، فحدثت فوزية أمى عن سر هذا الطقس، وكيف أن الجسد يجب أن يفقد جزءاً منه ليولد من جديد، ليزداد قوة ومنعة ضد نوائب الدهر. صدقت أمى، تلك المرأة البسيطة التى تقودها الفطرة العمياء، وعادت إلى الدار وهى تحمل فى عينيها لمعة الجنون المقدس. سحبتنى من مهد الخوص الذى صنعه لها جاسم البناء، ووضعتنى على طاولة المطبخ الخشبية المتهالكة، ونادت بآبائى الخمسة ليكونوا شهوداً على تطهيرى لمزعوم.
القصاب عباس، بسكينه التى لا ترحم والتى اعتادت قطع أعناق الخراف، كان مستعداً. ستار وجاسم وعلاوى وعبود، كانوا يحيطون بى كجدران من اللحم البشرى الصامت. كانت اللحظة مشحونة برائحة الخوف والترقب، برائحة الموت الصغير الذى يسبق الحياة. ولكن، فى الهزيع الأخير قبل أن تمسنى المدية الباردة، صرخت أمى صرخةً أيقظت الطيور المهاجرة فى الهور: كفوا أيديكم! إن طفلى ليس من أهل هذا العهد، وأخشى عليه غدر الحديد الذى لا يرحم.
فى تلك اللحظة، وبقوة لا يملكها إلا من سكنه شيطان البقاء، بصقت مصاصتى وعضضت ركبة القصاب عضةً تركت ندبتها فى روحه قبل جسده، وزحفت نحو النافذة لأرى العالم لأول مرة بكل وحشيته وجماله. رأيت شجرة آدم وهى تمد أغصانها العارية نحو السماء كأنها تستجدى الغفران، ورأيت دجلة والفرات يتعانقان فى صمت مهيب عند نقطة اللقاء، ورأيت الناس فى السوق يهرعون خلف أرزاقهم كأسراب القطا التى تطارد السراب. لم أرَ ملائكة تحوم، بل رأيت بشراً يصارعون طين الحياة وأمواج الشط. قد يظن البعض أن هذا كابوس من كوابيس الحمى، لكنه تاريخى الشخصى، الذى كتبته بصرخاتى الأولى ودموع أمى.
توالت الأيام، وكان آباؤه الخمسة يتناوبون على زيارة أمى، كلٌ يحمل فى يده قرباناً من متاع الدنيا، حتى ضاق التاجر عزرا ذرعاً بهذا الصخب الذى لا يليق بوقار بيته، فطردهم من جنته المدنية قائلاً بمرارة: إن بيتى محراب للسكينة، وليس ساحة لمبارزات العشاق الذين لا يملكون سوى الفوضى. وهكذا، فى ظهيرة تموزية حارقة تجعل من هواء البصرة ناراً، غادرنا الدار إلى غير رجعة.
كانت أمى تمشى الهوينة، تجر خلفها أذيال الخيبة والكرامة الجريحة، ويتبعها الآباء الخمسة كحاشية لملكة مخلوعة فقدت عرشها. مررنا بصالون إبراهيم كوهين، حيث كانت المرايا تعكس ضوء الشمس كأنها شظايا من ألماس، ثم انتهى بنا المطاف عند عتبة صالون نورى أبو عيون الخرز كان صالونه مرآة للبؤس والاندثار؛ جدران متشققة تنز ملحاً، كراسى ممزقة يخرج منها القش كأحشاء جثة هامدة فى العراء، ومرايا باهتة غطاها الغبار حتى لم تعد تعكس سوى الظلال الشاحبة للماضى.
نورى، ذلك الحلاق الذى سكنه الحقد الدفين على نجاح كوهين وجاه التاجر عزرا، كان رجلاً غامضاً يلفه البؤس، يرتدى ثياباً رثة وتفوح منه رائحة الصابون الردىء الممتزجة برائحة العرق واليأس. تحرش بأمى بكلمة جارحة وقرصة مهينة، لكنها ببراعة الأنثى التى خبرت دروب النجاة، حولت جرحها إلى صفقة؛ تسريحة شعر مجانية مقابل صمتها. دخلت إلى مملكته المظلمة التى تفتقر لأدنى معالم النظافة، بينما بقى الآباء الخمسة فى الخارج، تحت لهيب الشمس الذى يصهر الحديد، ينتظرون خروجها من فم هذا التنين البائس.
مرت ساعتان، والانتظار ينهش قلوبهم ويجفف ألسنتهم. قال القصاب عباس بنبرة يقطر منها السم والغيرة: لن تخرج «منيرة اليوم، فلهذا الرجل سحر لا نملكه، سحر القاع الذى لا قاع له». وعلق عبود الفراش بكلمات تعجز عن وصفها البلاغة الحزينة. وفى النهاية، وضعوا حقائب أمى المتهالكة أمام باب نورى، ورسموا علامة الخسران على وجوههم التى لفحتها الشمس، وغادروا المكان واحداً تلو الآخر، تاركين إيانا فى عهدة ذلك الحلاق الذى كان يسميه كوهين وعزرا سيد الرعاع وحلاق النفايات.
كان الصالون رثاً، لا أجد فى قواميس اللغة كلمة تصف قذارته وسواد جدرانه سوى أنها كانت تعبيراً عن أرواح سكنها الإهمال والصدأ. هناك، بين الأدوات الصدئة والمناشف الملوثة ببقايا الغرباء، بدأت فصول جديدة من حياتى الملتوية؛ حيث يختلط الطين بالدم، والوصف بالواقع، والشاعرية بمرارة الوجود الذى لا ينتهى إلا ليبدأ من جديد فى دورة العذاب الأبدى.
فى تلك اللحظة التى انغلقت فيها أبواب صالون نورى على جسد أمى المستسلم، شعرتُ وكأننى قد فُقدتُ مرتين؛ مرةً حين طُردنا من ظل عزرا الوارف، ومرةً حين رأيتُ حماة أمى الخمسة يولّون الأدبار كأنهم لم يكونوا يوماً سياجاً لبيتنا الصغير. كان الهواء فى صالون نورى ثقيلاً، مشبعاً برائحة الرطوبة التى تأكل الجدران وصوت المقصات الصدئة التى كانت تصدر صريراً يشبه صراخ الأرواح المعذبة. نورى لم يكن حلاقاً فحسب، بل كان نحّاتاً للبؤس، يشكل بمديته وجوه الفقراء والمنبوذين الذين لا يجرؤون على دخول صالون كوهين الأنيق.
كانت المرايا فى ذلك الصالون خادعة، لا ترسم لنا صورتنا الحقيقية، بل كانت تظهرنا كمشوهين، كمخلوقات خرجت من قعر الشط لتستنشق هواءً ملوثاً بالخيبة. وأنا، الطفل الذى كان يحلم بملائكة تحرس مهده، وجدتُ نفسى فى حضن واقعٍ يفرضه علىَّ هذا الغريب ذو العيون الزجاجية. هل كان نورى هو أبى السادس؟ أم أنه كان مجرد محطة أخرى فى رحلة التشتت؟
بينما كانت أمى منيرة تجلس على ذلك الكرسى المتهالك، كانت عيناها تحدقان فى الفراغ، تبحثان عن طيف التاجر عزرا أو حتى عن صراخ القصاب عباس، لكنها لم تجد سوى صمت نورى المطبق ويديه اللتين كانتا تتحركان كعناكب فوق خصلات شعرها الشقراء. فى تلك اللحظة، أدركتُ أن البقاء فى هذا العالم يتطلب أكثر من مجرد دمٍ نقى؛ إنه يتطلب القدرة على التلون بلون الجدران الباهتة، والقدرة على الصراخ دون أن يصدر منك صوت.
لقد كانت القرنة بملتقى نهريها العظيمين تشهد على ولادة وحشٍ جديد، وحشٍ سيتعلم كيف يسرق هوية الآخرين لينجو بنفسه. لم أعد محيبس شلتاغ فحسب، بل بدأتُ أتحول فى مخيلتى إلى ذلك الآخر، إلى صادق كوهين، الذى كان ينعم بالدفء والتراتيل، بينما كنتُ أنا أعانى من قرصات البرد فى شتاءات البصرة القاسية تحت سقف نورى المتهالك.
القصة لم تنتهِ عند عتبة الصالون، بل بدأت من هناك، حيث الرماد الذى يغطى الجمر، وحيث الحكايات التى لا يرويها أحد، لأنها توجع القلوب وتكشف عورات الزمان. أنا محيبس، الذى لم يولد بعد، والحلاق الذى سيحلق رؤوس التاريخ، أروى لكم سيرة الطين الذى لم يجف بعد فوق جثث الضحايا والجلادين على حد سواء.
زاد
الحبُ
ناظم حكمت







