الجنوب يفقد صوته

أشرف البولاقى
أشرف البولاقى


عبدالله السلايمة

لم يكن خبر رحيل أشرف البولاقى مجرد نبأ عابر فى شريط الحزن اليومى، بل كان صدمة هزّت القلوب بعنف. رحل فجأة، تاركًا وراءه ذاكرة مثقلة بالكثير، وصمتًا أثقل من كل الكلمات التى يمكن أن تُقال فى رثائه.

كان اسمه يمرّ كنسمة هادئة؛ لا صوت لها، لكنها تترك أثرها فى العمق. لم يكن من أولئك الذين يصنعون الضجيج، بل من الذين يتركون أثرًا خفيًا، يتسلل إلى الداخل ويستقر فيه. وحين غاب، بدا الصمت أثقل من أى رثاء، وكأن ما تركه من نصوص صار وحده القادر على الكلام. بقيت كتاباته شاهدة على عمر كامل من الإخلاص، لا للكتابة وحدها، بل لما كانت تحمله من معنى وانحياز، ومن موقف لا يهادن.

ظلّ وفيًا للجنوب، لا بوصفه مكانًا، بل باعتباره قدرًا وذاكرة. لم يتعامل معه كخلفية للنص، بل كجوهر حىٍّ يتنفس فى كل سطر. حمله فى لغته، وفى أسئلته، وفى نظرته إلى العالم، حتى بدا الجنوب لديه حالة وجودية، لا جغرافيا محدودة. هناك، فى تلك المساحة المشحونة بالتجربة، تشكّل صوته؛ صوت خافت، لكنه نافذ، يعرف أن الجمال لا يُصنع، بل يُستخرج من عمق المعاناة، وأن الكتابة الحقيقية ليست ترفًا، بل ضرورة.
لم يكن شاعرًا أو كاتبًا فحسب، بل كان حضورًا إنسانيًا يمشى بهدوء بين الناس، ويكتب بصدق نادر. لم يسعَ إلى الأضواء، ولم يساوم على نبرته، بل ظلّ وفيًا لذاته، كأن الكتابة عنده عهد لا يُنقض. شغل موقعه فى الثقافة لا كوظيفة، بل كمسؤولية، منحازًا لفكرة أن الكتابة موقف، وأنها شكل من أشكال المقاومة الصامتة ضد الزيف، وضد التواطؤ مع الرداءة.

كتب الشعر كما لو أنه يرمم به ما يتصدع فى الداخل، وكأن القصيدة لديه محاولة دائمة للنجاة. وكتب السرد كمن يوثّق وجعًا يتجاوز الفرد إلى الجماعة، إلى العالم، إلى تلك المساحات التى لا تُرى لكنها تُعاش. أما النقد، فكان لديه محاولة مستمرة لفهم هذا الالتباس العميق بين الإنسان وزمنه، بين ما نعيشه وما نظنه حياة. فى كل ما كتب، كان هناك خيط واحد يجمع النصوص: صدقٌ لا يهادن، ونبرة تعرف طريقها دون ادعاء.
لم ألتقِ بالبولاقى سوى مرةٍ واحدة، فى مؤتمر أدباء مصر بالأقصر، قبل عدة سنوات، لكنه ظل حاضرًا فى الذاكرة، كأن بعض اللقاءات، مهما كانت قصيرة، تترك أثرًا لا يُمحى. منذ ذلك الحين، لم ينقطع التواصل بيننا، تابعت كتاباته من بعيد، وكأن المعرفة الحقيقية لا تحتاج إلى تكرار اللقاء، بل إلى صدق الأثر، وإلى تلك الألفة التى تنشأ بين القارئ والنص دون وسيط.

برحيله، لا نفقد اسمًا يُضاف إلى قائمة الغائبين، بل نفقد صوتًا كان يكتب بضمير حى، ويؤمن أن الكتابة ليست مهنة تُؤدّى، بل موقف يُعاش. نفقد كاتبًا لم يساوم على صوته، ولم يتخفَّ خلف الزيف، وظلّ وفيًا لما آمن به حتى النهاية.

يمضى أشرف البولاقى، لكن ما كتبه لا يمضي. يبقى فى نصوصه، وفى أثره، وفى تلك المساحة التى تركها لنا لنواصل طرح الأسئلة.
وداعًا يا بولاقى… حتى نلتقى.