هنا القاهرة.. تسعة عقود من صناعة الوعى العربى

محطات فى تاريخ الإذاعة المصرية

هنا القاهرة
هنا القاهرة


محمد جراح

فى الحادى والثلاثين من شهر مايو من عام 1934 بدأ البث الرسمى للإذاعة المصرية، لتولد وتستمر كواحدة من أقدم وأعرق الإذاعات العالمية بما امتلكته من أرشيف ضخم عُد تجسيدًا موثقًا لتاريخ البلاد فى زمنها المعاصر، وكان رافدًا مهمًا فى تشكيل الوجدانين المصرى والعربى طوال عقود عدة مضت.
لقد كانت مصر من أوائل الدول التى عرفت البث الإذاعى اللاسلكى؛ إذ واكب ظهور الإذاعة فيها بداياتها فى العالم الأول، لتتبوأ مكانة رائدة فى منطقتها، وتتحول مع توالى الأيام إلى واحدة من كبريات الإذاعات العالمية انتشارًا، وتنوعًا فى الخدمات، وثراءً فى المحتوى. ويُمكن القول باطمئنان إن الإذاعة المصرية زاحمت لردح طويل من الزمن الصروح الإذاعية الكبرى لدول عظمى؛ كبريطانيا، وألمانيا، والاتحاد السوفيتى السابق، والولايات المتحدة الأمريكية.

والمتتبع لخطاب الإذاعة سيجد أن لسانها كان بليغًا منذ يومها الأول، وهى  تخاطب الجماهير بلغة واضحة سريعة ورشيقة، تتسامى عن لغة الترهلات والتجاوزات التى  واكبت عمل الإذاعات الخاصة التى  سبقت البث الرسمى  للإذاعة المصرية، والتى  ظلت تعمل طوال أكثر من عقد من الزمن دونما رقيب فى معظم الأحيان قبل أن توقفها الدولة بصفة نهائية، وتتولى هى  شأن البث كله.

محطات أهلية: ريادة فردية وفوضى تنظيمية
عرفت مصر الإذاعة اللاسلكية بعد سنوات قليلة من وجود ذلك الاختراع الجديد؛ وإذا كان من فضل فى هذا السبق، فإنما يعود إلى اجتهادات مواطنين شغفوا بوسيلة الاتصال الجديدة، ومن ثم فقد ظهرت الإذاعات الأهلية فى العشرينيات من القرن الماضي، وظل الأمر كذلك طوال ما يربو على عقد كامل من الزمن دون أن تشهد تحركاً رسميًا أو حكوميًا.
وعلى سبيل المثال كانت هناك محطة تسمى محطة «مصر الجديدة» انطلقت عام 1927، وبعدها «راديو سابو» 1929، و«راديو الأمير فاروق» 1932، وفى العام نفسه انطلقت محطة «راديو مصر الملكية». وفى عام 1933 تم إطلاق ثلاث محطات جديدة هي: راديو «سكمبرى»، وراديو «فؤاد»، وراديو «فيولا»، وتبعتها ثلاث أخرى هى  محطات: «راديو القاهرة»، و«راديو صايغ»، و«راديو الأميرة فوزية».
وتجدر الإشارة إلى أن أمر إطلاق تلك المحطات الإذاعية الأهلية لم يستمر حكراً على القاهرة وحدها، فقد تخطاها إلى الإسكندرية؛ فتم إطلاق إذاعات عدة بها ومنها: «ماجستيك»، و«المحطة الدولية»، و«فؤاد»، و«نفرا» وغيرها، فى حين لم يسجل التاريخ أن أياً من محافظات الصعيد قد انطلقت منها إذاعة.
ولم تكن هناك أى  رقابة أو تشريع ينظم إطلاق مثل تلك الإذاعات التى  صارت تتكاثر بشكل ملحوظ، وهو ما دعا الحكومة المصرية للتحرك لإصدار مرسوم خاص بتنظيم تركيب واستعمال أجهزة الاتصالات اللاسلكية بالقطر المصرى  فى العاشر من شهر مايو عام 1926 لضبط الأمور، وعدم تركها تسير وفقاً لأهواء أصحاب تلك المحطات بما كانت تبثه من جد وهزل، وخاصة أن بعضها كان يمكن أن يشكل تهديداً للأمن.
وكمثال على ذلك، أن من هذه المحطات من وظفتها عصابات إجرامية كانت تقوم بتوزيع المخدرات، وذلك من خلال الاتفاق على إذاعة أغانٍ تمثل «شيفرة» فيما بين التجار والموزعين، واختيار الأوقات المناسبة لبثها طبقاً للمستجدات الأمنية؛ فإذا أذيعت مثلاً أغنية «فى الجو غيم» فمعنى ذلك أن تتوقف عملية التوزيع، أما الأوقات التى  كانت تخلو من الرقابة فكانت تذاع أغنية «الجو رايق وصافي» فيطمئن الموزعون!
وفضلاً عن ذلك، كانت تسكن مصر جاليات أجنبية كثيرة لم تتأخر فى إنشاء محطات خاصة بها، وبدا منذ اللحظة الأولى لبثها أنه من الصعب التحكم فيما يبثونه من مواد، لما كانت تتمتع به تلك الجاليات من امتيازات قد تبعد بها عن عملية المساءلة القانونية، وتجعلها بمنأى عن نظر الأجهزة المعنية فى معظم الأوقات.
وعلى الرغم من كل ذلك، فإنه يمكن القول بأن الغالبية العظمى من تلك الإذاعات حكمتها أسس وقواعد وأخلاقيات، كما أنها راعت الضوابط التى  تناسب مخاطبة المجتمع شبه المحافظ إلى حد كبير، فلا تخدش الحياء، ولا تكدر الصفو العام، بل تعمل على نشر رسالة تلك الوسيلة بما تحتوى  عليه من الثقافة، والتسلية، والإعلانات الترويجية.
تحت عين المحتل: شروط التأسيس ومعركة البدايات
كثرت الإذاعات الأهلية إذن ومع انتشارها، وما أحدثته من مردود إيجابي، وتفاعل الجماهير معها وسعى  الناس إلى شراء أجهزة استقبالها، رأت الحكومة المصرية والحال هكذا أنها هى  الأحق بمخاطبة شعبها دون غيرها فى تلك الفترة الحرجة التى  ضربت فيها الأزمة الاقتصادية العالم، إضافة للصراع السياسى مع المحتل الإنجليزى  المتعنت والنضال من أجل إنهائه.
لكن عندما عزمت الحكومة المصرية على إنشاء إذاعتها الرسمية، رفضت دار «المندوب السامى  البريطاني» ذلك المطلب، لكن مع الإصرار المصرى  وافق المحتل، بعد الاتفاق على أن يكون لشركة «ماركونى» الإنجليزية حق الإدارة. وحسب ما ذكره الإذاعى  الكبير الراحل إيهاب الأزهرى، ورواه بمرار سواء فى كتبه أو فى محاضراته، فإنه فى اليوم العاشر من شهر يناير عام 1934 عُقد اجتماع بمقر المجلس الثقافى البريطانى  بالقاهرة، ضم خبراء من وزارة المستعمرات البريطانية لوضع الأسس التى  ستُراعى فى موضوع إنشاء الإذاعة اللاسلكية للحكومة المصرية، وكانت كالتالي:
أن يكون تمثال «أبى  الهول» هو شعار الإذاعة (باعتبار أن الأهرامات وأبا الهول من المعالم الأثرية والسياحية الشهيرة التى  تعرف بها مصر).
أن تذاع فقط الأغانى  الطويلة (لتكون هى  الأساس المسيطر على الخريطة الغنائية للإذاعة المصرية بصفة عامة).
الابتعاد تماماً عن اتفاقية حقوق المؤلف العالمية (بل وتضييق الخناق على المؤلف بشكل عام).
العمل تحت قانون المطبوعات والرقابة (وكان القانون مليئاً بالمحاذير).
تمجيد أصحاب المواهب الصوتية (على حساب صاحب الفكرة سواء أكان مؤلفاً أو  موسيقياً).
وكما رأى الأزهري، فقد كان فى أكثر تلك البنود عورات؛ بداية من الشعار «أبو الهول» الذى  يرمز للصمت، فكيف به يعبر عن إذاعة ناطقة بالصوت! وكان من الأفضل اختيار شعار آخر يعبر عن أصالة وتراث مصر وحضارتها، ويعبر فى الوقت نفسه عن وظيفة الإذاعة. كما أن تلك البنود جارت على المؤلف فى شتى تخصصاته؛ ربما لأن المحتل رأى أن المؤلف سيكون بمثابة العقل المفكر والمحرض، وفى المقابل تم الاحتفاء بصاحب الحنجرة.
 أما موضوع إذاعة الأغانى  الطويلة فقد كان مقصوداً به خلق ثقافة تعتمد على فكرة الإلهاء، فلا مانع لدى الإذاعة من أن تطول الأغنية لتصل مدتها إلى ساعة أو أكثر، ويحاسب المطرب مادياً على المدة التى  استغرقتها أغنيته، وحبذا لو كانت من أغانى  الطرب التى  تحفل بالآهات ولواعج الحب والاشتياق!
ويقول الإذاعى  الرائد محمد فتحى  فى كتابه «الإذاعة المصرية فى نصف قرن» إن برامج الإذاعة بموجب العقد المبرم بين الحكومة المصرية وشركة ماركونى  كانت لا تتجاوز غايتى  التعليم والتسلية، وعلى أن تعتمدها لجنة مكونة من خمسة أعضاء؛ ثلاثة منهم تعينهم الحكومة، واثنان تعينهما الشركة المخولة بالإدارة.
كما نص العقد على أن تتلقى الشركة من الحكومة مقابل إدارة وإنتاج البرامج، شريطة ألا تحجب الشركة بما لها من خبرة تخصصية عالية فى هذا العلم السريع التطور عن الإذاعة المصرية كل ما يجد وينتج عن بحوثها من تطورات تقنية ومخترعات، وأن يكون للحكومة حق إذاعة البيانات والإرشادات الرسمية التى  تهم الجمهور والصادرة من مصالحها المختلفة كالأرصاد، والصحة، والزراعة، والرى  وغيرها، وذلك دون الحاجة إلى عرضها على لجنة البرامج.
ومن حسن الطالع أن أعضاء لجنة البرامج الذين عينتهم الحكومة كانوا بحق رجالاً من طراز فريد من حيث استقلال شخصياتهم، وسعة أفقهم، وثقافتهم الرفيعة؛ فقد ترأس اللجنة د. على  باشا إبراهيم، وكان أشهر جراح فى القطر المصرى  وقتها، فضلاً عن كونه شخصية اجتماعية مرموقة تجمع بين العلم المتخصص والثقافة الشاملة. والعضو الثانى  كان السيد حافظ عفيفى باشا، وكان هو الآخر طبيباً، وشغل كذلك مناصب رفيعة عدة من قبل منها: رئاسة اللجنة العليا للمسرح، والبعثة الدبلوماسية فى لندن، إضافة إلى رئاسة الديوان الملكى، وكان أيضاً متمتعاً بخلفية ثقافية رفيعة. أما العضو الثالث فكان هو حسن فهمى  رفعت باشا، وكان من رجال الإدارة البارزين فى وزارة الداخلية، فضلاً عن علاقته الوثيقة بالأدب والفن.
وكان لهذه اللجنة عظيم الأثر فى تدعيم الإذاعة المصرية ورسم خطاها، وتمكنوا من أن يضفوا عليها مهابة واحتراماً منذ يومها الأول باختيار لغتها السلسة التى  تصل بيسر إلى آذان المستمعين.
وقد تم تعيين الأستاذ محمد سعيد لطفى (شقيق أستاذ الجيل أحمد لطفى السيد) كبيراً للبرامجيين، وكان قد شغل من قبل منصب مدير مديرية (محافظ) فى كل من الجيزة والقليوبية حتى تم عزله من منصبه، وكان قد تخرج فى جامعة «أكسفورد» ودرس فيها التاريخ، كما كان على علم ومعرفة ودراية وثقافة رفيعة، ومولعاً بالأدب والفن، وذواقة للشعر. وتولى مدحت عاصم منصب المدير الأول للموسيقى بالإذاعة، وكان مثقفاً ثقافة رفيعة فى الموسيقى بمختلف مدارسها وأنواعها شرقاً وغرباً.
أما المذيعون الأوائل فكانوا ثلاثة: أحمد سالم، وأحمد كمال سرور، ومحمد فتحي؛ وقد تم اختيارهم من بين المئات الذين تقدموا للاختبارات، لتبدأ بهم رحلتها فى مخاطبة الجماهير. ولم تذكر لنا المراجع هل تقدمت لتلك الاختبارات أصوات نسائية أم لا، لكن الواقع كان معبراً فقد ولدت الإذاعة مفتقدة إلى الصوت الأنثوى  فى بداياتها.

تمصير الإذاعة: معركة استقلال الصوت الوطني
قبل التمصير كانت الأمور كثيرة التأزم داخل لجنة الإدارة، إذ سرعان ما دب الخلاف بين الجانبين المصرى  والإنجليزي؛ فلم يذعن الجانب المصرى  أبداً إلى منطق أن الإذاعة مجرد أداة للتسلية والتعليم فقط كما جاء فى نص الاتفاقية، بل سعى إلى ضرورة أن تكون وسيلة إخبار أيضاً، ونتج عن هذا أن صارت المادة الإخبارية جزءاً هاماً من البرامج، وذلك من خلال استحداث نشرتين للأخبار؛ الأولى تذاع عند الساعة الثانية والنصف من بعد الظهر، والثانية عند الساعة الثامنة والنصف مساءً، وهما حتى الآن من أهم نشرات الأخبار فى شبكة إذاعة البرنامج العام.
وينبغى  ملاحظة أن الأخبار كانت تحرر باللغة الإنجليزية أولاً حتى يتمكن الأعضاء الإنجليز من قراءتها ومراجعتها، ثم تترجم بعدها إلى اللغة العربية. وكان الجانب الإنجليزى  فى ذلك الوقت كثير التدخل فى عمل الإذاعة، إلى درجة أن السفير البريطانى  كان يتدخل فى بعض الأحيان تدخلاً مباشراً وسافراً، ومثال ذلك قيامه بمنع خطبة على  ماهر باشا فى مجلس الشيوخ، وهى  الخطبة التى  أشار فيها إلى أن معاهدة عام 1936 لا تُلزم ولا تُرغم مصر فى دخول الحرب إلى جانب بريطانيا.
ومرت السنوات العشر الأولى وانتهى العقد مع الشركة سنة 1944، ونظراً لظروف الحرب العالمية الثانية التى  لم تكن قد وضعت أوزارها بعد، إضافة إلى ارتباك المناخ العام داخلياً وخارجياً، فقد تم الاتفاق على تمديد العقد لمدة خمس سنوات جديدة. ولكن فى عام 1947 حدثت عراقيل ومشاكل بين الحكومتين المصرية والبريطانية بسبب التلكؤ فى الانسحاب من منطقة قناة السويس، وهو ما دفع بمصر أن تشكو بريطانيا فى مجلس الأمن.
وعندما عاد النقراشى  باشا من نيويورك رأى ضرورة تمصير الإذاعة المصرية، وقد تم الاتفاق على تعويض الشركة عن باقى  مدة العقد، مع الإبقاء على الطاقم الفنى  الأجنبى  بذات رواتبهم ومميزاتهم الوظيفية لتسيير الشأن الهندسى  حتى يتم إعداد الكوادر الوطنية البديلة لهم.
وفى 20 أكتوبر من عام 1947 صدر مرسوم نص على أن الإذاعة المصرية هى  إدارة مستقلة تسمى «الإذاعة اللاسلكية المصرية»، وهى  هيئة قائمة بذاتها وتلحق بوزارة الشؤون الاجتماعية، ويشكل مجلس إدارتها من ثلاثة عشر عضواً برئاسة وزير الشؤون الاجتماعية، وعضوية وكلاء وزارات الشؤون الاجتماعية، والمواصلات، والداخلية، والمعارف العمومية، وتفتيش عام مصلحة التلغرافات والتليفونات، ومدير الإذاعة اللاسلكية، وخمسة أعضاء آخرين من المشتغلين بالأمور العامة يرشحهم وزير الشؤون الاجتماعية، وكان من بين الخمسة كل من الكاتب الكبير عباس محمود العقاد، ومحمد سعيد لطفى باشا.
وسعياً نحو تثبيت وتقوية الإذاعة صدر بخصوصها القانون رقم 98 لسنة 1949 والذى  نص على استقلال الإذاعة، واعتبارها هيئة مصرية مستقلة تسمى «الإذاعة المصرية» ويرأسها دولة رئيس مجلس الوزراء، أما النواحى  الهندسية والفنية فكانت تحت إشراف وزارة المواصلات، كما أصبح للإذاعة ميزانية خاصة خاضعة لإشراف وزارة المالية؛ وقد بلغت فى السنة المالية 1950 / 1951 مبلغ 655.000 جنيهاً مصرياً، بما كان يمثله ذلك المبلغ من قوة فى ذلك التاريخ.

صوت الثورة: صوت المعارك السياسية والتنموية
يمكن القول إن الإذاعة المصرية مثلما استطاعت التأثير على المستوى المحلي، استطاعت التأثير كذلك على المستويين الإقليمى  والدولي، خصوصًا بعد قيام ثورة يوليو 1952، والتى  أذيع منها بيانها إلى الأمة، وقرار إبعاد الملك عن البلاد، وصولاً إلى إلغاء النظام الملكى  كلية وإعلان النظام الجمهورى  فيما بعد.
وإضافة إلى انحياز الإذاعة المصرية للمطالب الوطنية المشروعة، فقد حملت أيضًا عبء ومسؤولية قومية وإقليمية بمواكبة تيار القومية العربية المتصاعد، والدعوة لمكافحة الاستعمار ورفض مشروعاته. فساندت القضايا العربية عمومًا، وكانت ظهيرًا قويًا لبعض حركات التحرر العربية، والقضية الفلسطينية خصوصًا، كما دعمت حركات التحرر الوطنية فى كل من أفريقيا، وآسيا، وأمريكا اللاتينية، والمغرب العربي، واليمن، وغيرها.
وفى هذا الإطار جاءت انطلاقة إذاعة «صوت العرب» عام 1953، وتلا ذلك إطلاق مجموعة من الخدمات الإذاعية الموجهة إلى قارات العالم كافة من خلال الموجات القصيرة بمحطات بثها العملاقة، فكان صوت القاهرة حاضرًا وبقوة فى أفريقيا بالعديد من اللغات الدولية كالإنجليزية والفرنسية، أو اللغات المحلية كالهاوسا، والزولو، والأمهرية وغيرها. كما كان صوت مصر قويًا أيضًا فى آسيا باللغات الدولية، فضلًا عن لغات عديد من الدول والقوميات المستهدفة بالرسالة الإعلامية، فكانت هناك خدمات تبث باللغات الفارسية، والتركية، والبشتو، والدُري، وغيرها من لغات تلك الدول والقوميات، ومثلما كان الحال فى آسيا وأفريقيا، كان الحال فى أوروبا والأميركتين.
وضمن معركة تنمية داخلية للقضاء على ثالوث التخلف الشهير (الفقر، والجهل، والمرض)، تم إطلاق مجموعة جديدة من الخدمات الإذاعية ذات الطابع المحلي، بدأت بإذاعة الإسكندرية المحلية عام 1954، لتعمل جنبًا إلى جنب مع الإذاعة الأم فى النهوض بالمجتمع السكندري. وتأكيدًا على النهوض بالثقافة وللمساهمة فى حركة التنوير، تم إنشاء إذاعة متخصصة فى الآداب والفنون الرفيعة هى  إذاعة «البرنامج الثاني» عام 1957، وهى  الإذاعة نفسها التى  ظلت تحمل ذلك الاسم حتى تغير مؤخرًا لـ «البرنامج الثقافي».
ونظرًا لما حققته تجربة إذاعة الإسكندرية فى مجتمعها المحلى  من تأثير، تم إنشاء «إذاعة الشعب» عام 1959 لتكون لسان حال طبقتى  العمال والفلاحين اللتين أولتهما الدولة عنايتها باعتبارهما القطاع العريض من المجتمع الذى  تستطيع به التأثير فى قواعد الحياة السياسية والاجتماعية.
وتأكيدًا على اهتمام مصر بالقضية الفلسطينية تم إطلاق إذاعة «فلسطين» عام 1960، وكانت تبث رسالتها إلى الجماهير المستهدفة من خلال موجة إذاعة «صوت العرب» الرئيسة، وقد ظلت على تلك الحال لفترة طويلة حتى استقلت فيما بعد بموجة إذاعية مستقلة، مثلها فى ذلك مثل إذاعة «وادى  النيل» التى  اهتمت بالشأن السوداني، وكانت من قبل عبارة عن ركن يحمل اسم «ركن السودان من القاهرة» يبث برامجه على أثير موجة إذاعة القاهرة. وقد تفردت إذاعة وادى  النيل عن غيرها بأنها كانت قائمة فى كلتا الدولتين، أى  كانت لها وما تزال إدارة فى كل من مصر والسودان تتشاركان معًا فى مناقشة ووضع خريطة برامجها بما يخدم المستمع فى الجنوب والشمال على حد سواء.
ونظرًا لتأثير الإذاعة وسرعة انتشارها، تم عام 1964 إطلاق إذاعة «الشرق الأوسط»، وقد بثت على موجة متوسطة قوية تصل إلى كثير من الأقطار العربية، لتذاع من خلالها البرامج الخفيفة والسريعة وبرامج المنوعات والفن. وفى العام نفسه، ووسط ترحيب جماهيرى  عريض، أُنشئت إذاعة «القرآن الكريم» لتذيع القرآن بأصوات أشهر القراء، ولتساهم بدأب فى اكتشاف الموهوبين فى مجال القراءة، والابتهالات، والمدائح، والتواشيح الدينية.
وفى عام 1975 أطلقت مصر إذاعتين جديدتين متخصصتين؛ الأولى تخصصت فى المجال الموسيقى  وعرفت باسم إذاعة «البرنامج الموسيقي»، وروعى  فى رسالتها أن تقدم روائع الموسيقات العالمية سواء الكلاسيكية أو الخفيفة وتبث على مدار الساعة، والثانية هى  إذاعة خاصة بالشباب حملت اسم إذاعة «الشباب»، وبدأت بمدة إرسال متواضعة حتى صارت شبكة كاملة تبث على مدار اليوم.
هكذا استطاعت الإذاعة المصرية، عبر رحلتها الطويلة من الأهلية إلى التمصير ثم العالمية، أن تتحول من مجرد أداة تقنية إلى عقل أمة وصوت وطن، شكل تاريخ المنطقة وهويتها طوال تسعة عقود.