شهدت المنطقة العربية والشرق الأوسط لحظة تاريخية فاصلة مع تصاعد التوترات بين الولايات المتحدة وإيران إلى مستويات غير مسبوقة منذ اندلاع المواجهات العسكرية المباشرة فى 28 فبراير 2026، عندما شنت الولايات المتحدة وإسرائيل ضربات جوية مفاجئة استهدفت مواقع عسكرية وحكومية فى أنحاء إيران، بما فى ذلك اغتيال المرشد الأعلى على خامنئى.
وفى ظل هذا السياق المتفجر تبرز مفاوضات إسلام آباد التى تستضيفها باكستان كآخر أمل دبلوماسى لتجنب انزلاق المنطقة نحو حرب إقليمية شاملة، فى وقت تتصاعد فيه التحذيرات الأوروبية من تبعات هذا الصراع على الأمن العالمى واستقرار أسواق الطاقة.
ورغم الهدنة الهشة بوساطة باكستانية تكشف صور الأقمار الصناعية أن إيران تستغل فترة وقف إطلاق النار لإعادة تنظيم قواتها الصاروخية على المستوى التكتيكى، من خلال محاولة إعادة فتح مداخل الأنفاق فى قواعد صواريخ باليستية فى تبريز وخُمين. وتقدر مصادر استخباراتية أمريكية أن نحو نصف منصات إطلاق الصواريخ الإيرانية لا تزال قيد التشغيل، مما يشير إلى أن القدرات العسكرية الإيرانية لم تُشَل بالكامل رغم الضربات المكثفة.
وعلى جانب آخر تُعد الأزمة اللبنانية أحد أكبر التحديات التى تواجه مفاوضات إسلام آباد، فبينما تؤكد طهران أن الهدنة تشمل لبنان، تصر واشنطن وإسرائيل على أن العمليات العسكرية ضد حزب الله مستقلة عن المفاوضات. وقد شنت إسرائيل فى 9 أبريل أوسع قصف لها على لبنان منذ بدء الصراع، مما دفع وزير الخارجية الإيرانى عباس عراقجى للتحذير من أن استمرار الضربات قد يؤدى إلى انهيار الهدنة برمتها.
وفى سياق متصل اختارت واشنطن وطهران باكستان وسيطًا للمفاوضات نظرًا لعلاقاتها المتوازنة مع الطرفين وموقعها الجيوسياسى المحايد نسبيًا. وتُجرى المحادثات بصيغة االتقارب الجغرافىب، حيث يجلس الوفدان فى غرفتين منفصلتين بفندق سيرينا فى إسلام آباد، بينما يتنقل الدبلوماسيون الباكستانيون لنقل الرسائل بين الجانبين. وتُعد هذه الصيغة دبلوماسية معروفة، وقد استخدمتها باكستان سابقًا فى مفاوضات جنيف 1988 حول انسحاب القوات السوفيتية من أفغانستان.
المواقف الإيرانية فى المفاوضات تعكس انقسامًا عميقًا بين تيار االمتشددينب بقيادة محمد باقر ذوالقدر أمين المجلس الأعلى للأمن القومى، وتيار االبراجماتيينب بزعامة وزير الخارجية عباس عراقجى، وتشير تقارير إلى أن ذوالقدر أحد مؤسسى فيلق القدس عارض بشدة أى تنازلات حول دعم امحور المقاومةب، مما أدى إلى انسحاب الوفد الإيرانى بعد 21 ساعة من المفاوضات فى الجولة الأولى.
وفى المقابل وضعت واشنطن شرطين مسبقين لاستئناف المفاوضات، الأول إعادة فتح مضيق هرمز بالكامل أمام الملاحة الدولية، والثانى أن يتمتع الوفد الإيرانى بـاتفويض كاملب من القيادة العليا، بما فى ذلك الحرس الثورى، لإبرام اتفاق نهائى، ويُعد الشرط الثانى اعترافًا ضمنيًا بأن النظام الإيرانى لا يتخذ قراراته بشكل مركزى، بل عبر مجلس متنازع عليه بين فصائل متنافسة.
ومن جانبه أعلن إسرائيل كاتس وزير الدفاع الإسرائيلى أن الولايات المتحدة وإسرائيل اتفقتا على أن إزالة اليورانيوم المخصب من إيران تُعد اشرطًاب لإنهاء الحملة العسكرية، وتطالب واشنطن بتقييد قابل للتحقق من البرنامج النووى الإيراني، بما فى ذلك وقف التخصيب وإزالة المخزونات المتراكمة.
يؤكد على نيكزاد نائب رئيس البرلمان الإيرانى أن طهران الن تتفاوض على حقها فى تخصيب اليورانيومب، ورغم أن إسماعيل بقائى متحدث الخارجية تبنى نبرة أكثر مرونة بالقول إن إيران مستعدة لمناقشة امستوى ونوع التخصيبب، إلا أنه شدد على ضرورة احتفاظ إيران بالقدرة على التخصيب وفق ااحتياجاتهاب.
وكشفت صحيفة نيويورك تايمز فى 13 أبريل أن مسئولين إيرانيين كبارًا أبلغوا الولايات المتحدة باستعداد طهران لتعليق أنشطة التخصيب لمدة تصل إلى خمس سنوات كجزء من صفقة محتملة، ورغم أن هذا العرض يمثل تقدمًا، إلا أن الفجوة لا تزال واسعة بين االتعليق المؤقتب الذى تطرحه طهران واالإزالة الدائمةب التى تطالب بها واشنطن.
وعلى جانب آخر يواجه الاتحاد الأوروبى تحديًا مزدوجًا من ناحية القلق من تداعيات الحرب على أمن الطاقة والاستقرار الإقليمى، ومن ناحية أخرى العجز عن ممارسة رافعة دبلوماسية مؤثرة فى ظل هيمنة واشنطن على مسار المفاوضات، وتشير مجلة البرلمان الأوروبى إلى أن االرسائل المنقسمة، والرافعة المحدودة والقنوات الدبلوماسية المتوترة تركت الاتحاد الأوروبى يكافح للعب دور فعالب.
كما حذّرت تقارير أوروبية من أن استمرار الصراع قد يؤدى إلى اضطرابات حادة فى أسواق الطاقة العالمية، خاصة مع اعتماد أوروبا على النفط والغاز المار عبر مضيق هرمز، وارتفعت أسعار النفط الخام برنت بنسبة تزيد على 60% خلال شهر واحد بسبب المخاوف من تعطل الإمدادات.
اقرأ أيضا: «المتوسط للدراسات الإقليمية»: سيناريوهان أمام واشنطن بعد المهلة مع إيران
الكونجرس للبيع!.. التمويل الخفي يحكم انتخابات أمريكا
حرب إيران تشعل الخلافات.. تحالف «واشنطن ــ أوروبا» يتصدع
معركة النفط.. حرب تكسير عظام بين أمريكا والصين







