مع اقتراب انتخابات التجديد النصفى الأمريكية لعام 2026، لا تبدو المعركة السياسية فى الولايات المتحدة مجرد منافسة تقليدية بين الجمهوريين والديمقراطيين على مقاعد الكونجرس، بل تتحول تدريجيًا إلى ساحة نفوذ مفتوحة تتقاطع فيها مصالح جماعات الضغط، وشركات التكنولوجيا، وصناعة العملات المشفرة، والمقامرة الإلكترونية، مع شبكات التمويل السياسى الخفى.
ومن كنتاكى إلى بنسلفانيا مرورًا بميشيجان وإلينوى تكشف الانتخابات التمهيدية المبكرة عن واقع جديد فى السياسة الأمريكية؛ واقع لم تعد فيه الإعلانات الانتخابية تعكس بالضرورة الجهات التى تقف خلفها، ولم يعد فيه النفوذ السياسى يمارس بصورة مباشرة وواضحة، بل عبر شبكات معقدة من لجان العمل السياسى العملاقة، والتمويل غير المعلن، والمؤثرين الرقميين، والتحالفات الاقتصادية التى تسعى لحماية مصالحها داخل الكونجرس المقبل.
وفى قلب هذا المشهد تظهر أسماء مثل اأيباكب (لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية)، وشركات الذكاء الاصطناعى، ومستثمرى العملات المشفرة، ليس فقط كجهات تمويل انتخابى، بل كقوى تحاول التأثير فى شكل السياسات الأمريكية المقبلة، وفى القوانين التى ستنظم التكنولوجيا والحروب والاقتصاد والنفوذ الدولى للولايات المتحدة خلال السنوات القادمة.
بعد ستة عشر عامًا على قرار امواطنون متحدون ضد لجنة الانتخابات الفيدراليةب التاريخى الذى أصدرته المحكمة العليا الأمريكية، والذى غيّر بصورة جذرية قوانين تمويل الحملات الانتخابية أصبحت الانتخابات الأمريكية تخضع بشكل متزايد لهيمنة شبكات واسعة من لجان العمل السياسى المستقلة (Super PACs)، والمانحين المجهولين، وعمليات النفوذ السياسى المدعومة من الشركات، فما بدا يومًا نقاشًا حول احرية التعبيرب والإنفاق السياسى تحول إلى منظومة سياسية معقدة تستخدمها الصناعات التى تواجه ضغوطًا تنظيمية؛ من العملات المشفرة والذكاء الاصطناعى إلى المقامرة الإلكترونية وجماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل، للتأثير فى الانتخابات دون ربط أسمائها مباشرة بحملات تثير الجدل.
تكشف الانتخابات التمهيدية الأخيرة فى كنتاكى وبنسلفانيا وميشيجان وإلينوى كيف يعمل هذا النموذج الجديد؛ مبالغ هائلة من الأموال تمر الآن عبر طبقات من لجان العمل السياسى المؤقتة ذات الأسماء العامة وغير السياسية، مما يجعل من الصعب على الناخب العادى تتبع الجهات الحقيقية التى تمول الإعلانات السياسية قبل يوم الاقتراع. ووفقًا لتقارير موقع اذى إنترسبتب الأمريكى أصبحت جماعات الضغط أكثر براعة فى إخفاء إنفاقها السياسى، بينما تبنى نفوذًا هادئًا داخل الكونجرس.
وفى قلب هذا الجدل تقف أيباك. خلال الانتخابات التمهيدية فى كنتاكى، حيث أنفقت جماعات مؤيدة لإسرائيل أكثر من 15 مليون دولار ضد النائب الجمهورى اتوماس ماسىب بعدما دفع بقوة نحو الإفراج عن ملفات إبستين ووجه انتقادات متكررة للمساعدات الخارجية المرتبطة بإسرائيل. ولم يأتِ جزء كبير من هذا الإنفاق تحت اسم أيباك مباشرة، بل جرى تمريره عبر لجان عمل سياسى حديثة التأسيس تحمل أسماء غامضة وغير سياسية، أخفت المصدر الحقيقى للأموال.
ويعكس ذلك تحولًا استراتيجيًا أوسع؛ فمع تراجع صورة إسرائيل ـ خصوصًا بين الناخبين الديمقراطيين الشباب الغاضبين من الحرب فى غزة ـ أصبحت أيباك والجهات المانحة المتحالفة معها تعتمد بشكل متزايد على آليات تمويل غير مباشرة، وبدلًا من وضع علامة واضحة على الإعلانات باعتبارها تدخلات مؤيدة لإسرائيل، تموّل هذه الجماعات غالبًا إعلانات هجومية تركز على قضايا داخلية لا علاقة مباشرة لها بإسرائيل، والهدف ليس بالضرورة الترويج لإسرائيل بشكل مباشر، بل إقصاء المرشحين الذين يُنظر إليهم على أنهم معادون للسياسات الإسرائيلية أو للمساعدات العسكرية الأمريكية.
اقرأ أيضا: مجلس الشيوخ يدعم قرارًا يحد من صلاحيات ترامب في حرب إيران
حرب إيران تشعل الخلافات.. تحالف «واشنطن ــ أوروبا» يتصدع
هدنة هشة فوق برميل بارود.. الشرق الأوسط على حافة الانفجار
معركة النفط.. حرب تكسير عظام بين أمريكا والصين







