كم من بيت تهدّم، وكم من أم بكت، وكم من روح أُزهقت، كانت المخدرات هي الخيط الخفي الذي يقود إلى تلك النهايات المأساوية..
لم تعد المخدرات مجرد أزمة صحية أو سلوك منحرف، بل تحولت إلى قنبلة موقوتة تنفجر داخل بعض بيوتنا، فتحول الأهل إلى ضحايا، والأبناء إلى جناة، والحياة إلى ساحة من الفوضى والدم.. لم يعد الخراب يقتصر على المدمن وحده، بل يمتد ليبتلع أسر بأكملها، ويزرع الكراهية والعنف حيث كان يفترض أن يسود الأمان.
وراء كل جريمة قتل بشعة، أو واقعة اعتداء مأساوية، غالبًا ما يقف عقل غائب، أنهكته السموم، وفقد السيطرة تحت تأثير المخدرات.. لحظات فقدان الوعي تلك، تتحول في ثوان إلى قرارات لا رجعة فيها، تدفع ثمنها عائلات بأكملها.
في هذا التحقيق، نقترب من الحقيقة، ونكشف كيف تحولت المخدرات من مجرد مادة مخدرة إلى وقود يغذي الجريمة، ويقود إلى خراب البيوت، ويهدد مستقبل أجيال بأكملها.. نستعرض وقائع حقيقية لجرائم ارتكبت تحت تأثير المخدرات، ونستمع إلى آراء خبراء وعلماء اجتماع، لتحليل أسباب انتشارها، وكشف سبل المواجهة والحد من خطرها الذي يتسلل إلى كل بيت.
واحدة من الجرائم التي تكشف بوضوح عمق المستنقع الأخلاقي الذي أصبحنا نعيشه في تلك الأيام.. جريمة تخالف الطبيعة البشرية السوية من ابن عاق تجاه والدته؛ التي كان من المفترض أن يحنو عليها في شيخوختها ويترفق بها في أيامها الأخيرة، لكنه بدلا من ذلك تعدى عليها بالقول والفعل؛ للاستيلاء على أموالها القليلة من أجل شراء جرعة سموم، فهل يعقل أن يقوم ابن بتهديد والدته بمسدس وماء نار لإجبارها على منحه ما لا يستحق من أموالها التي كانت تدخرها لشراء أدويتها؟!، هذا مع حدث ولهذا كانت كلمات القاضي الذي مثل أمامه المتهم درسًا أخلاقيًا بليغًا له ولغيره لمن يدنسون قدسية العلاقة مع الأم، الحكاية بدأت في قرية الوسطى، التابعة لمركز الفتح بمحافظة أسيوط، حيث تعيش حليمة، سيدة تبلغ من العمر ٥٧ عاما، تعيش مع ابنها، محبوبة بين أهالي قريتها، تحاول إشغال وقتها في الجلوس مع جيرانها، والحقيقة الكل يحبها ويستمتع بحكاويها وكلامها، تحاول أن تتناسى قسوة ذلك الزمن، والمعاناة والحزن حين تكالبا عليها وأخذا نصيبًا من وجهها؛ حين ترى المعاناة ترسم ملامحها، فموت زوجها وتحملها وحدها رعاية أبنائها، قطف زهرة جمالها، قررت حليمة أن تعيش من أجل أبنائها، تكون لهم أما وأبا في نفس الوقت، على أمل أن يعوضوها شبابها الذي ضاع، لم تكن تلك المسكينة تدري أنها تزرع في أرض بور.
حليمة الأم المكلومة التي تعيش حياة هادئة فقط ما كان ينغص عليها حياتها هو ابنها محمد، البالغ من العمر 36 عاما، الذي انجرف نحو طريق المخدرات، حينما تعرف على أصحاب السوء الذين جعلوه يدمن كل أنواع السموم، منذ تلك اللحظة ضاع عمر حليمة الذي أفنته في تنشئة ابنها تنشئة حسنة، وتبدل سلوكه، وبدلا من أن يحنو على والدته، بدأ يعتدي عليها بالضرب، يأخذ أموالها دون وجه حق لينفقها على مزاجه الخاص، حاولت حليمة مرارا وتكرارا أن تعيده لرشده لكن بلا فائدة.. حالها هي الأخرى انقلب رأسًا على عقب، تنام كل ليلة وهي تبكي دما بدلا من الدموع، لا تصدق أن نجلها الذي عاشت من أجله وأخذت ترعاه يفعل بها هذا، لا تدري من أين أتى بهذا الكم من الجحود والقسوة، تنام وهي غير مطمئنة، وتستيقظ وهي تشعر بالهلع، بسبب ابنها؛ الذي انجرف نحو طريق المخدرات، فالحياة مع شخص مدمن أشبه بحياة على حافة الهاوية، تستيقظ من نومها على كوابيس مفزعة، حتى حدث ما لم تكن تتوقعه تلك الأم المكلومة؛ ابنها فلذة كبدها يرفع في وجهها السلاح الناري ويهددها بماء النار حتى تعطيه الأموال.. تقف الأم مذهولة لا تعرف ماذا تفعل، قلبها يتمزق وعيونها لا تصدق، والابن بكل قسوة وجحود يهددها، وكأن في تلك اللحظة ينطبق المثل القائل: قلبى على ولدي انفطر وقلب ولدى عليا حجر»، فبعد أن ضحت الأم طوال عمرها، جاء ابنها ليكافئها ببث الرعب في قلبها وتهديدها، وفي النهاية تمكن من سرقة ثلاثة آلاف جنيه منها بالإضافة لمشغولاتها الذهبية، وتركها وحدها تتألم بسبب ما فعله، ليس لأنه سرق أموالها، بينما بسبب أنها ظلت ترعاه ٣٦ عاما، ولم تبخل عنه بشيء وبعد هذا العمر بدلا من رعايتها يتعدى عليها ويسرقها، يسرق تحويشة عمرها التي كانت تدخرها لشراء ادويتها، الأم وقتها كانت بين نارين، لا تعرف ماذا ستفعل، تتركه دون أي رد فعل منها، بالتالي سيكرر ما فعله، أم تبلغ عنه بعدما يئست من صلاح أحواله، حتى هداها تفكيرها أن تبلغ عنه وعما فعله، لعلها بذلك تعيده لرشده مرة أخرى.
ذهبت لمركز الشرطة وأبلغتهم بما فعله معها ابنها، وتوصلت تحريات المباحث لصحة الواقعة، وأن المتهم محمد، هدد المجني عليها «والدته» بسلاح ناري فرد خرطوش وأيضا هددها بإلقاء ماء نار عليها وسرق 3000 جنيه وغويشة و2 حلق ذهبي، وأشارت التحريات إلى تعاطي المتهم للمواد المخدرة، تمكنت الأجهزة الأمنية من إلقاء القبض عليه وتحولت القضية للجنايات.
وأثناء جلسة النطق بالحكم تغيبت الأم المكلومة عن حضور الجلسة، ربما لأن قلبها لن يتحمل أن تراه خلف القضبان، فهو في النهاية ابنها، وحدثت مواجهة بين رئيس المحكمة والمتهم.
واجه القاضي محمد فاروق علي الدين رئيس المحكمة المتهم بالاتهام الموجه له قائلا: «أنت سرقت أمك وأخذت ذهبها وهددتها بإلقاء ماء نار عليها من أجل المخدرات؟!، وأنكر المتهم الواقعة قائلا، «الكلام ده محصلش.. أمي اتهمتني بسبب مشكلات على الميراث».
ليرد رئيس المحكمة عليه: «النيابة قامت بإجراء تحليل لك وتبين تعاطيك للمواد المخدرة أنت بتضرب أمك علشان المخدرات وجاي تكذب على المحكمة».
وبعدها أسدل القاضي الستار على ما فعله المتهم بحق والدته، وقضت الدائرة الثامنة بمحكمة جنايات أسيوط، برئاسة المستشار محمد فاروق علي الدين رئيس المحكمة، وعضوية المستشارين أحمد فتحي كروت، وإيهاب أحمد دهيس، وأمانة سر سيد على بكر وعثمان أحمد عبد الحميد، بمعاقبة المتهم بالسجن المشدد لمدة 5 سنوات؛ ليكون بهذا الحكم عنوان الحقيقة وعبرة لكل من تسول له نفسه أن يفعل مثلما فعل هذا الشاب.
زوج مدمن
عشرون عامًا من الأمان والحب عاشها زوجان حتى انقلبت حياتهما ودخلت في مرحلة العند والطريق المسدود، ربما كان من الأفضل أن تنتهي بالطلاق ولكن الزوج اختار النهاية المأساوية وأقبل على قتل زوجته ليدخلها القبر ويدخل هو السجن.. الضحية في هذه المأساة هم الأطفال فقد ترك ثلاث بنات في ظلمة اليتم يحملن عار والدهن بعد جريمته البشعة التي ارتكبها بسبب المخدرات التي عرفت طريقه...
في بيت ريفي بسيط داخل قرية ديسط بمحافظة الدقهلية، نشأت نشوى، سيدة على مشارف الأربعين من العمر؛ حرمت من حنان والدها منذ الصغر، توفى وتركها هي وأشقائها يواجهون الحياة الصعبة، فارتدت الأم عباءة الرجال وعاشت على تربيتهم تربية صالحة.. كبرت نشوى ولم يكن لها حظًا في التعليم.. حتى تقدم لها شاب من قريتها للزواج منها.. منذ اللحظة الأولى التي جلسا فيها سويًا رأته زوجًا صالحًا سيساعدها على عيش حياة كريمة، سيعوضها عن حنان الأب وعن قسوة الحياة والوحدة، وسرعان ما تم زفافهما وسط حفل عائلي كبير حضره الأهل والأصدقاء، وانتقلت نشوى للعيش في بيتها الجديد.. كانت الحياة هادئة مطمئنة تسير بشكل طبيعي؛ الزوج فلاح بسيط يخرج كل يوم لكسب قوت يومه بالحلال، يسعى لتوفير احتياجات زوجته، حتى رزقهما الله بثلاث بنات... فجأة انقلبت حياة الزوجين رأسًا على عقب بعدما عرفت المخدرات طريقها نحو الزوج؛ فجلس في البيت دون عمل، ووجدت نشوى نفسها في مواجهة ظروف صعبة، قررت أن تتحمل المسئولية وكأنها ورثت الشقاء عن والدتها.. حاولت مرارًا وتكرارًا أن تصلح منه ولكن بلا فائدة، فخرجت تبحث عن العمل في الأراضي الزراعية لتوفير لقمة عيش بالحلال... كانت تأخذ 500 جنيه معاشا من تكافل وكرامة، لم تكن تلك المسكينة تدري أن هذه الأموال ستكون سببًا في قتلها دون شفقة أو رحمة.
يوم الواقعة
كانت نشوى تستعد لتجهيز ابنتها المقرر لها الزواج بعد العيد، كانت الفرحة تملأ قلبها فلم يتبق سوى أيام قليلة وستجد ابنتها عروس ترتدي الفستان الأبيض، فقد تحملت معها معاناة شديدة، لم تكن تلك المسكينة تدري أنها ستستيقظ على كابوس مفزع وترتدي الكفن الأبيض.
في هذا اليوم ذهبت نشوى لأخذ ال 005 جنيه، وعندما عادت للبيت وجدت زوجها يطلب منها مائة جنيه لشراء كيس بودرة، رفضت وأبلغته أنها لا تملك شيئًا.. تطور الأمر بينهما لشجار عنيف انتهى بإحضار الزوج السكين وطعنها، خرجت تستغيث لكنه لاحقها بالطعنة الثانية حتى سقطت جثة هامدة غارقة في دمائها وسط ذهول من البنات فأخذن يصرخن بأعلى صوت لهن، حتى أسرع الجيران إليهن وكانت الفاجعة التي أصابت الجميع، وسادت حالة من الحزن الشديد على أهالي القرية جميعًا، لم يتوقع أحد منهم أن تكون نهاية تلك الزوجة التي تحملت الكثير والصعاب بهذا الشكل المأساوي وعلى يد زوجها الذي لم تتركه رغم كل ما كان يفعله معها، وأصبحوا ينتظرون الآن القصاص العادل لتلك الزوجة المسكينة التي تحملت ما لا يتحمله أحد وقُتلت بلا أي ذنب.
قتل طفلته
داخل بيت ريفي في قرية ديروط الشريف، التابعة لمحافظة أسيوط، نشأ عماد ماهر، رجل في منتصف الثلاثينيات من العمر، فلاح، متزوج رزقه الله بالبنات والبنين، أصغرهم طفلة اسمها قمر، لم تبذل قمر جهدا كبيرا في نشر البهجة والسعادة على أركان البيت، حياة عماد كانت طبيعية جدا، يسافر للعمل في القاهرة ثم يعود كل أسبوعين لبيته، مرت الأيام ولكن تبدل الحال عندما سلك طريق المخدرات ومن هنا بدأت تتغير أحواله وتصرفاته، فاتخذ اشقاؤه قراراهم بإيداعه إحدى المصحات النفسية، لكن للأسف لم يمهلم الوقت وإنقاذ شقيقهم، فاستيقظوا على جريمته البشعة بعدما أقدم على قتل طفلته.
قررت المحكمة إيداع المتهم 45 يومًا بإحدى المصحات النفسية للفحص، وانتداب لجنة خماسية من الأطباء لفحص حالته النفسية والعقلية وإعداد تقرير شامل.. وأرسلت مستشفى الصحة النفسية بالعباسية خطابًا يفيد بأن المتهم ما زال تحت الملاحظة والفحص ويحتاج إلى مدة إضافية لإعداد التقرير.. ثم جاء التقرير النهائي، وثبت للجنة الفحص أن المتهم لا يعانى من أى أعراض دالة على وجود اضطراب عقلى أو نفسى فى الوقت الحالى أو وقت ارتكابه الواقعة محل الاتهام يفقده أو ينقصه الإدراك والاختيار وسلامة الإرادة والتمييز والحكم الصائب على الأمور ومعرفة الخطأ من الصواب، مما يجعله مسؤولاً عن الاتهام المسند إليه، لتسدل محكمة جنايات أسيوط بعد هذا التقرير الستار على تلك الجريمة، فقضت المحكمة برئاسة المستشار وليد سيد الأمير، وعضوية المستشارين محمد أبو القاسم محمد وأحمد عصمت الزيني، وأمانة سر صلاح تمام وأحمد عبد العال، بإعدام المتهم.
اقرأ أيضا: ضبط 3 عناصر إجرامية لاستغلالهم مخزنًا بالإسكندرية في ترويج المواد المخدرة
يذبح زوجته
وفى مركز ميت غمر بالمنصورة، يسكن هاني ذلك الشاب البسيط الذي ينتمي لأسرة متوسطة الحال، لم يكمل تعليمه ولكنه كان لديه طموح أن يكون شخصًا متعلمًا، أو على الأقل أن يعرف القراءة والكتابة، فقرر أن يذهب لمحو الأمية في بلدته، وشاء القدر أن يجمعه بـ»سحر» تلك الفتاة التي كانت حاصلة على دبلوم صناعة، وكانت هي معلمته في ذلك المكان، منذ أن رآها تحركت مشاعر قلبه لها، وتملك الحب منه، وكانت هي الأخرى تبادله نفس الشعور، فالبداية بينهما كانت مجرد نظرات تحكي الكثير والكثير، وتوسمت فيه كل مشاعر الحب وأنه سيكون هو رفيق الحياة، تقدم هاني لخطبتها، وقتها لم تفكر سحر في أية فوارق اجتماعية أو تعليمية تفرضها العادات والتقاليد، فكل ما كان يهمها الآن هو الحب، وبالفعل تزوج الاثنان، ووعدها هاني أنه سيشاركها في كل شيء، فقرر أن يشتري بيتًا لهما في قرية كفر النصر التابعة لمركز ميت غمر ويكتب لها نصف البيت باسمها والنصف الآخر له، عاش سويًا حياة هادئة ورزقهما الله بثلاثة أبناء.
ولكن فجأة تبدلت الحياة الهادئة بينهما إلى حياة أسوأ، وحياة الترف والسعادة إلى حياة القسوة، وذلك بعدما انجرفت يد هاني نحو طريق المخدرات، وأصبح ينفق أمواله عليها، على الرغم من أنه كان عاملًا بسيطًا، وأغفل زوجته وأطفاله الثلاثة، وعلى الرغم من كل هذا العذاب إلا أن سحر كانت لا تريد سوى أن تربى أولادها وألا تنفصل عنه، وفعلت أقصى ما عندها حتى تبعده عن هذا الطريق، إلا أن شيطان المخدرات تملك من عقله، وبعدما يأست سحر من صلاح أحواله، قررت أن تتحمل تلك الحياة البائسة وكأنها أصبحت جسد بلا روح، وراحت تعمل حتى تنفق على أولادها.
بعدما كثرت ديون هاني، قرر أن يبيع البيت، اقترح على زوجته ذلك ولكنها رفضت بشدة، لأنها كانت تعلم جيدًا أنه سينفق أمواله على المخدرات، فتشاجر معها، الى أن وسوس له الشيطان أن يتخلص من زوجته حتى ينعم بالبيت، فاشترى مخدرًا لأولاده وعاد للمشاجرة مرة أخرى مع زوجته، وأحضر سكينا ومزق جسدها بعدة طعنات في البطن والصدر والرأس وتركها غارقة في دمائها وفر هاربًا من البيت.
وكانت المفاجأة أن ألقى بنفسه من الدور الخامس في شقة خالته التي كان مختبئًا بها، لتموت الزوجة وتنتهي حياة الزوج في لحظة والسبب المخدرات.
غياب الاستقرار
لم يعد الإدمان مجرد أزمة فردية تخص شخصًا بعينه، بل أصبح خطرًا يمتد أثره ليطول استقرار الأسرةبالكامل؛ فخلف كل حالةإدمان، توجد ضغوط نفسية وأوجاع خفية قد لايراها أحد،لكنها تترك أثرًا عميقًا في حياة صاحبها ومن حوله.. وبين هذا وذاك، تبقى الحاجة لفهم أعمق بعيدًا عن الأحكام السريعة، خاصة مع مايسببه الإدمان من خلل في العلاقات وتفكك داخل البيوت؛ لذلك تواصلنا مع الدكتورة إيمان عبد الله استشاري الطب النفسي، لتوضح أبعاد هذه الظاهرة وتأثيراتها المختلفة،فقالت: «إن الإدمان يعد من أخطر المشكلات التى يتعرض لها الإنسان، نظرًا لعمقه وتأثيره الممتد على مختلف جوانب الحياة،خاصة داخل الأسرة».
وأوضحت: «المدمن،في حال كان متزوجًا، تتضاعف أزماته نتيجة ما تفرضه الحياة الزوجية من مسئوليات وأدوار، فالإدمان يؤدي إلى تراجع دوره كأب وزوج، وعجزه عن تلبية الاحتياجات الأساسية لأسرته».
وأضافت: «دخول الإدمان إلى أي بيت يعني فقدان الشعور بالأمان والاستقرار،إذ تتلاشى سبل الراحة ويحل محلها القلق والخوف وعدم الاستقرار،فالإدمان لايعد ضعفًا أخلاقيًا، بل هو في جوهره اختلال في المعنى، حيث لايسعى المدمن إلى المتعة بقدر مايحاول الهروب من واقع مؤلم أوحزن داخلي، وهنا الإدمان يمثل نوعًا من التخديرالداخلي؛الذي يسكت صوت العقل والضمير».
وأشارت إلى أن الإدمان يُلقي بظلاله على العلاقة الزوجية،إذ تتحول من شراكة قائمة على المودة إلى أزمة مستمرة، تعيش فيها الزوجة حالة من الاستنزاف العاطفي المزمن، مع انهيار الثقة والشعور بالأمان،وقدتتفاقم الأمورلتصل إلى ارتكاب جرائم. كما تتعرض الأدوار داخل الأسرة لاضطراب واضح حيث يصبح المدمن غائبًا نفسيًا وفعليًا، بينما تتحمل الزوجة أعباء مضاعفة تفوق طاقتها،ماينعكس سلبًا على الأبناء الذين يعيشون في أجواء من الخوف والقلق.
وأشارت إلى أن مفهوم الإدمان لايقتصر على تعاطي المواد المخدرة فقط، بل يمتد ليشمل أنماطًا أخرى مثل التدخين أو الإفراط في استخدام الإنترنت، موضحة أن الإدمان في جميع أشكاله يمثل محاولة فاشلة للعلاج الذاتي، يدفع الإنسان ثمنها من صحته وحياته وعلاقاته.
وأضافت: «أن الزوجة والأبناء هم الضحايا الأساسيون لهذه الظاهرة، حيث تعيش الزوجة ما يُعرف نفسيًا بـالصدمة المزمنة منخفضةالحدة».
واستعرضت إحدى الحالات التي تعاملت معها، لسيدة فقدت نجلها بسبب الإدمان، مشيرة إلى أنه باع أثاث المنزل بالكامل تحت تأثير التعاطي، مؤكدة أن من يعيشون مع مدمنين يواجهون معاناة مستمرة، ويظلون تحت تهديد دائم، في ظل ارتباط الإدمان بوقوع العديد من الجرائم.
واختتمت دكتور إيمان عبد الله حديثها بالتأكيد على أن الإدمان حين يتسلل إلى المنزل، يلتهم كل ما فيه، تمامًا كما تفعل النيران.
ونصحت بضرورة اللجوء إلى المتخصصين في وقت مبكر، والتعامل مع المدمن باعتباره مريض يحتاج إلى دعم وعلاج، لا إدانة أونبذ، مؤكدة أن المواجهة الصادقة واحتواء الأسرة يمكن أن يكونا بداية حقيقية للتعافي، قبل أن تتحول الأزمة إلى خسارة لايمكن تعويضها.
المجتمع يدفع الثمن
أما دكتورة سامية خضر، أستاذ علم الاجتماع، بكلية التربية بجامعة عين شمس، فترى أن الإدمان يمكن أن يؤثر على العلاقات الأسرية وزيادة خطر الانفصال والطلاق، بالإضافة إلى أنه يكلف المجتمع تكاليف ضخمة، وقد يرتكب المدمن جرائم خطيرة تضر بنفسه وبالآخرين.
وأضافت: «أن الأسباب الجوهرية لبشاعة جرائم القتل وتطور نمطها وظهورها بشكل غريب لنا تكمن في الانتشار الكبير للأنواع الجديدة للمخدرات والمواد المهلوسة للعقل البشري، التي تقضي على صحة الإنسان وتحوله إلى كائن لا يشعر ولا يدرك ولا يحس بما يجري حوله، فمتعاطو تلك المواد يتحولون إلى وحوش قاسية في فترات صغيرة».
ووضعت دكتور سامية خضر عدة نقاط للمواجهة؛ منها أن يكون لوسائل الإعلام دور أكبر في القضاء على آفة الإدمان داخل المجتمع، وتوفير متخصصين لنشر الوعي إزاء خطورة القضية، مع توعية الشباب بأضرار الإدمان وعواقبه على الصحة والحياة الاجتماعية والمهنية.
وتابعت: يجب أيضاً أن يكون هناك دور لرجال الدين، بتنظيم ندوات في المدارس والجامعات والنوادي، وتشجيع الأنشطة الإيجابية والصحية.
واختتمت حديثها برسالة واضحة للنواب، مؤكدة أن مواجهة هذا الداء لم تعد خيارًا بل ضرورة ملحة بتشديد العقوبات، قائلة: «إن إنقاذ الشباب من براثن الإدمان هو إنقاذ لمستقبل الوطن بأكمله، فالشباب هم القوة الحقيقية للدولة، وأي تهديد لهم هو تهديد مباشر لاستقرارها وأمنها، مما يستوجب تحركًا حاسمًا وسريعًا قبل فوات الأوان».
تحركات لاحتواء أزمة الكلاب الضالة بإنشاء ملاجئ آمنة لهم
تزامنًا مع عيد الأضحى .. الداخلية تحكم قبضتها على الأسواق وتضبط المخالفين
تحــرك من مجــلس الشيـــوخ .. لتغليــظ العقوبات على المراهنات الرياضية







