فى غرفته بجامعة تكساس، حيث تصطف الأبحاث الجيولوجية كأنها خرائط لكنوز مفقودة، يجلس د. عبد الله زكى،ملامحه مصرية خالصة، لكن نظراته تبدو وكأنها استقرت طويلاً على تضاريس كوكب يبعد عنا ملايين الكيلومترات. لم تكن رحلته من مدرجات جامعة الزقازيق إلى أروقة «كالتيك» وجامعة تكساس مجرد مسار أكاديمى، بل كانت ملحمة من الشغف الذى بدأ بجغرافيا الأرض لينتهى بجيولوجيا المريخ، التى كشف أحد أسرارها فى دراسة نشرتها دورة «نيتشر» المرموقة.
فندنا المسلمات القديمة.. وقدمنا دليلاً قويًا على وجود المياه
بدأ عبد الله حديثه بنبرة هادئة، لكنها مشوبة بحذر العلماء الذين يدركون أن كل كلمة لها وزنها.
«دراستنا هى محاولة لفك شفرة تاريخ المياه»، هكذا بدأ حديثه عبر تطبيق «زووم»، وهو يشير بيده وكأنه يرسم حدوداً غير مرئية. تحدث عن الأدلة التى طالما حيرت العلماء، بقايا السواحل القديمة، والدلتاوات، والصخور التى فُسرت كبقايا محيطات.
صرخة ضد «السواحل الزائفة»
فجأة، تغيرت نبرته، ارتفع صوته قليلاً وظهرت نبرة من التحدى وهو يستذكر العقبة التى واجهتهم.
يقول وهو يقطب جبينه «كان هناك لغز لا يقبله عقل، فمناسيب السواحل التى رُسمت سابقًا لم تكن متسقة، ففى الأرض، منسوب ساحل المحيط واحد، فكيف نجد فى المريخ انحرافات تصل إلى كيلومترات؟».
يضحك وهو يضرب مثلاً حيًا: «تخيل أنك ترسم خط ساحل الإسكندرية ثم تجد تكملته فى قاع البحر المتوسط، فهذا التباين هو ما دفعنا للشك فى أن السواحل ليست الدليل الأصح».
بشغف طفل اكتشف سرًا، أضاف: «الشواطئ ظاهرة جيولوجية ضعيفة، لا يمكننا بناء تصورنا عنها، لذا ذهبنا إلى (الرصيف القارى)، تلك البصمة الطوبوغرافية الثابتة التى تحيط بالقارات، هى الدليل الذى وجدناه على المريخ، وهى التى ستعيد رسم تصورنا للمحيط القديم هناك».
هل نحن وحدنا؟.. مساحة للحلم
وعندما انتقلنا للحديث عن المحيط كدليل للحياة على المريخ، ساد صمت قصير، أخذ نفسًا عميقًا وبدت عليه رغبة عارمة فى الجزم، لكنه لجمها بصرامة علمية.
«سأكون حريصًا جدًا فى اختيار كلماتى»، قالها وهو ينظر إلىّ مباشرة. «لا أحد يعرف يقينًا إن كانت هناك حياة أم لا، وما مقوماتها على المريخ».
لكن الحماس سرعان ما غلبه وهو يستطرد: «لكن تخيل! المحيط الذى نتحدث عنه كان يغطى ثُلث مساحة الكوكب، كل البحيرات التى اكتشفها العلماء سابقًا، وأكثر من 200 بحيرة، لا تتجاوز 1% من مساحة المريخ، نحن نتحدث عن كتلة مائية مستقرة لفترات طويلة جدًا، وهذا يعنى بالضرورة بيئة كانت صالحة للحياة».
خريطة الطريق من الزقازيق إلى تكساس
لم ينسَ عبد الله جذوره، فهو يتحدث عن رحلته من كلية الآداب بالزقازيق إلى عين شمس، ثم الدكتوراة من جنيف، وصولاً إلى معهد كالتيك العريق، كرحلة بناء شخصية قبل أن تكون بناء مسيرة.
«الأمر يبدأ بالرغبة»، هكذا قال وهو يتذكر تحوله من الجغرافيا الطبيعية إلى الجيولوجيا وعلوم الكواكب.
وبنبرة تشجيعية لكل باحث شاب، أضاف: «فى مرحلة البكالوريوس، لا يهم التخصص بقدر ما يهم الشغف، سواء كنت فى الجيولوجيا، الفيزياء، الهندسة، أو حتى الجغرافيا مثلى، البناء العلمى الحقيقى يبدأ فى الدراسات العليا».
مصر.. والأمل فى «هدف قومى»
وعندما سألته عن مصر، تحشرج صوته قليلاً. لم يكن عتابًا، بل كان حنينًا ورغبة فى التغيير. تحدث عن زملائه وملهميه: عصام حجى، رامى المعرى، وأحمد سليمان، «نحن فى مصر نهتم بالعلوم الأساسية، وهذا جيد، لكن علوم الفضاء لا تزال تعتمد على محاولات فردية ملهمة».
وبنبرة استراتيجية حازمة، قال: «لتقليل الفجوة، نحتاج أن تتحول هذه النجاحات الفردية إلى هدف قومى ملح، نحتاج لمشروع يبدأ بدراسة كوكبنا بالأقمار الصناعية، ثم ينطلق للكواكب الأخرى، الأمر يحتاج لعشرة أو خمسين عامًا من التخطيط المستمر، لا مجرد محاولات بحثية متفرقة».
تريليونات الدولارات.. المريخ يحمى الأرض
لم يخلُ الحوار من الجانب العملى؛ فحين سألته عن جدوى إنفاق الأموال فى الفضاء بينما تعانى الدول النامية، ابتسم بذكاء وقال: «إجابتى قد تبدو منحازة، لكن الاستثمار فى الفضاء ليس مجرد دراسة صخور».
وبانفعال مبرر، أضاف: «تطوير مهم للمريخ يخلق تكنولوجيا هائلة فى الطريق، تنعكس على كل المجالات الطبية والتقنية»، ثم ختم حديثه بكلمات بدت وكأنها تحذير: «المريخ كان كوكبًا غنيًا بالمياه وأصبح جافًا، فهمنا لهذا التحول المناخى الهائل هو مفتاحنا لفهم مستقبل كوكبنا. الفيضانات والجفاف تكلف العالم تريليونات الدولارات، واستكشاف المريخ هو استثمار فى حماية اقتصادنا وحياتنا من تلك الكوارث».
أنهى عبد الله الحوار، لكنه ترك خلفه شعورًا بأن المسافة بين الزقازيق والمريخ ليست بتلك الصعوبة، إذا امتلكت المنهجية الصحيحة، والشجاعة لمواجهة المسلمات القديمة.

من العشوائية إلى التطوير| «التونسى».. سوق عصرى بـ «استايل موحد»
«إعادة توظيف ثقافى وسياحى» على غرار العديد من الدول العربية والإسلامية
نصيب المصريين من المقامرات العالمية 1,7 مليار دولار!







