د. محمود عطية
«فاعلم - وقاك الله - أن أكبر حماقة قد ترتكبها هي محاولة إقناع متعصب أحمق بالمنطق فهو لا يبحث عن الحقيقة، بل يبحث عن تأكيد ما يؤمن به مسبقًا»
السبت:
«أعيت من يداويها»
الحماقة يبدو أنها إحدى صفات العديد من البشر، ويتم الدفاع عنها بكل ما أوتى من جهل وتعصب، والأحمق عادة يظهر استخفافا بالعلم وكراهية عجيبة للفكر المرتب والمنطقى، ولكل المنجزات العلمية، رغم أن ذلك الأحمق لا يحمل ما يدحض به الفكر أو ومنجزات العلم، والشرق والغرب سيان فى وجود حمقى يكرهون العقل ومنتجاته، ويختبئون وراء أسوار الجهل التى شيدت على مهل، ومن المؤسف أن كثيرين يتكسبون من ذلك الحمق ويحافظون عليه. وعلى مر التاريخ أظهر الحمق أخبث ما فى الإنسان من شر، وتم قتل وسحل العديد من العلماء لمجرد الجهر بعلمهم سواء فى الغرب أو الشرق، والحماقة المرتبطة بالتعصب الدينى خاصة ليست حكراً على زمن أو دين بعينه، بل هى ظاهرة تكررت عبر التاريخ عندما يطغى الحماس الأعمى على العقل والمنطق. ويبدو أن الشاعر العربى الكبير المتنبى قد ضاق ذرعًا بتلك الحماقة فأنشد قائلًا:
«لكل داء دواء يُستطب به
إلا الحماقة أعيت من يداويها»
الجمعة:
تذاكر للجنة
طوال حياتى وقراءتى للتاريخ قابلت العديد من الحمقى والمغفلين الذين أرادوا وقف التطور العقلى والعلمى والتصدى لمحاولة فك أسرار الكون والعالم سواء بالغرب أو الشرق، ولك أن تتصور كيف تجرأت كنيسة العصور الوسطى أن تبيع تذاكر لدخول الجنة تحت مسمى «صكوك الغفران»، وكانت قمة الحماقة التى استغلت جهل البعض وتعصبهم، وفكرة تذاكر الجنة «صكوك الغفران» صورت للغلابة انهم يستطيعون شراء «غفران» لخطاياهم مقابل المال، وكأنها تذاكر للجنة، هذه الفكرة تكشف كيف يمكن للسلطة الدينية أن تتحول إلى تجارة بالخوف والأمل. ووصلت الحماقة والوحشية إلى قمتها عندما حاكمت الكنيسة العلماء والمفكرين بتهمة الهرطقة لمجرد اكتشافاتهم العلمية. عندما جاء كولومبوس ورحلات الاستكشاف، ثم جاليليو وكوبرنيكوس، وأثبتوا بالدليل العلمى أن الأرض كروية وتدور حول الشمس، واجهوا مقاومة عنيفة وصلت للمحاكمات والسجن، وجاليليو تراجع عن آرائه تحت ضغط محاكم التفتيش، رغم أن العلم أثبت لاحقًا صحة ما قاله.
أما التاريخ العربى فهو مليء بكثير من الحمقى، فيرفض المتعصب الأحمق غالباً أى دليل منطقى أو علمى إذا تعارض مع ما لقنه له شيخه، بل وقد ينسب «كرامات» خرافية لشيوخ يفتقرون لأبسط قواعد العلم. وفى فترات معينة، وصل التعصب بين أتباع المذاهب المختلفة (داخل الدين الواحد) إلى مستويات «حمقاء» ففى بغداد قديماً، كان التعصب يدفع الناس للانعزال فى أحياء سكنية مغلقة بناءً على المذهب، مما كان يحول أى نقاش بسيط إلى معارك أهلية تدمر الأحياء. وفى السنوات الأخيرة صدر من بعض جماعات الحمق الملتحفة بالدين -والدين منها براء-، مطالبات بتدمير الأهرامات وأبى الهول باعتبارها «أصناماً»، وأقربها من حاول هدم تمثال فرعونى فى المتحف الجديد بدعوى أنه صنم، وفتاوى أكثر حمقا تطالب بتحريم كرة القدم لأنها «تلهى عن العبادة»، أو قصر الرياضة المباحة فقط على ما ورد ذكره فى النصوص القديمة كالرماية والسباحة، ومن أغرب الفتاوى فتوى تجيز لنا أكل لحوم الجن فى حال تمكن الإنسان منهم.
الإثنين:
قادة وحماقات
ومن اللافت عبر الزمن وجود قادة «حمقى» لأنهم لم يستفيدوا من أرض الواقع أو دورس التاريخ، وتميزوا باتخاذ قرارات متهورة أدت إلى حروب دامية، وضحوا بملايين الأرواح من أجل طموحات شخصية، فمثلا «نابليون بونابرت» رغم عبقريته كقائد حربى ساقه طموحه فى السيطرة على أوربا للدخول فى سلسلة من الحروب النابليونية «1803-1815»، نتج عنها ملايين القتلى وتسبب فى انهيار الاقتصاد الفرنسي، ونفيه مرتين حتى وفاته، وحماقته جعلته لم يتوقف رغم وضوح استحالة السيطرة على أوروبا بأكملها، وأصر على غزو روسيا فى شتاء قاسٍ مما أدى إلى كارثة عسكرية.
أما حكاية «أدولف هتلر» صاحب النزعة النازية بأيديولوجيته العنصرية ورغبته فى التوسع «الفضاء الحيوى» أشعلت الحرب العالمية الثانية «1939-1945»، وكانت المأساة الكبرى أكثر من ستين مليون روح قد أزهقت، ودمارا لحق بأوربا، ثم انتحر فى النهاية، وترجع حماقته لتجاهله التحذيرات التاريخية، وفتح جبهات متعددة فى وقت واحد، أبرزها غزو الاتحاد السوفيتى الذى أدى لانهيار جيشه.
والرئيس الأمريكى الأسبق «جورج بوش الأبن» زعم بلا دليل حقيقى أن العرق يمتلك أسلحة دمار شامل فقام بغزوه 2003 وثبت بعد ذلك عدم صحة ادعاءاته، وتسبب فى سقوط مئات الآلاف من المدنيين، وفوضى إقليمية، وصعود جماعات متطرفة، وتجاهلت حماقته تقارير استخباراتية مشككة، وأدخل بلاده والمنطقة فى صراع طويل. ومن أكبر الحماقات فى المحيط العربى تبرز حماقة «صدام حسين» فى غزوة واحتلاله دولة الكويت فى أغسطس 1990، مما أدى لعزل العراق دوليًا، وفرض عقوبات قاسية، وانتهى بتدمير جيشه واقتصاده وسقوط نظامه لاحقًا، وهذا الغزو أحدث شرخًا كبيرًا فى العلاقات العربية، وأضعف التضامن الإقليمي. وحماقة «صدام» فى سوء تقديره السياسى فلم يحسب رد الفعل الدولى وبدلاً من تعزيز قوة العراق بعد حرب إيران، أدخل بلاده فى مواجهة مع العالم كله.
الخميس:
التعامل مع الحمقى
بداهة المتعصب الأحمق هو شخصية مربكة لمن يتعامل أو يتجادل معه، فلا بد من أخذ الاحتياطات الكاملة إذا وقعت فى مناقشة أحمق، فاعلم -وقاك الله- أن أكبر حماقة قد ترتكبها هى محاولة إقناع متعصب أحمق بالمنطق فهو لا يبحث عن الحقيقة، بل يبحث عن تأكيد ما يؤمن به مسبقًا، وانتبه جيدًا إذا بدأ النقاش وتحول إلى «تفتيش فى النوايا» أو «تكفير»، انسحب فوراً بعبارة محايدة مثل: «وجهة نظر تحترم، دعنا نتحدث فى شيء آخر».
واعلم « نجاك الله » أن المتعصب الأحمق تثير غضبه كلمات بعينها فورًا (مثل أسماء مفكرين معينين أو نظريات علمية) ونصيحة مخلصة منى إذا اضطررت للنقاش، ركز على القيم الإنسانية العامة (مثل الصدق، العدل، العمل) بدلاً من الدخول فى تفاصيل فقهية أو مذهبية شائكة.
وأقوى رد على هرتلة المتعصب الأحمق هو الصمت، ولاحظ أنه يتغذى على الجدال؛ فإذا لم يجد منك رد فعل، ستنطفئ «شعلته» تدريجياً. وقيل «لا تصارع ثورًا فى الوحل، ستتسخ أنت بينما سيستمتع هو».
وفى التعامل اليومى (إذا كان المتعصب زميلًا أو قريبًا)، حاول أن تحصر التعامل فى الجوانب الإنسانية أو المهنية فقط، لا تفتح باب النقاش الدينى أبدًا، واجعل علاقتك به «سطحية ومهذبة». وأخيرا أحيانًا تكون الحماقة واضحة جدًا لدرجة أن الرد الجاد يمنحها قيمة لا تستحقها. هز الرأس مع ابتسامة خفيفة وقول «سبحان الله، فعلاً!» كفيل بإنهاء الموقف.
الأربعاء:
«أمثالنا» وصحتنا النفسية
بتراكم الخبرات الحياتية أنتج العقل الجمعى «الأمثال الشعبية»، وهى تحمل الكثير من الحكمة والبصيرة ما ينوء بحمله العصبة أولى القوة، تحمل رسائل تحفيزية تعطى دفعة معنوية فى مواجهة ضغوط الحياة مثل «الصبر مفتاح الفرج» رسالة أن تصبر على ما تقوم به وما تفعله أو تتعلمه وستصل ما دمت تصبر، و»اللى يزرع يحصد» رسالة يومية تنبهك بأن تعب اليوم سيأتى بالنجاح أى تعبك النهارده هو نجاحك غدا، و»فى الحركة بركة»: دعوى ذهبية تحثك على النشاط فتتجنب الخمول، مما يقلل من الاكتئاب والتوتر ويضفى عليك نضارة الصحة النفسية. «الباب اللى يجيلك منه الريح، سده واستريح»: أليست تلك وصفة عبقرية بالإسراع بسد مصادر القلق والتوتر، للحفاظ على الطمأنينة النفسية. كما يوصيك بالابتعاد عن الشر حين يقول: «ابعد عن الشر وغنيله»: نصيحة مباشرة لتجنب الصراعات والمشاكل» وحتى تتحكم فى سلوكك يردد «لسانك حصانك، إن صنته صانك، وإن هنته هانك»: دعوة للتحكم فى الغضب والكلمات، مما يحمى النفس من عواقب، و»اللى يعوزك لوقت، يعوزك لدهر» رسالة بأن الصديق الحقيقى سند العمر، و»الرضا بالمقسوم راحة للقلوب» رسالة بأن ترضى بما لديك، تجد الراحة وعدم معاندة الدهر»، والموجود أوفى من الموعود»: دعوة للرضا بما تملك حالياً (الامتنان) بدلاً من انتظار ما قد لا يأتي.
أرى لو اعتدت على تذكر تلك الرسائل سوف تتمتع بصحة نفسية عالية، ومرونة نفسية تجعلك تتقبل كل شىء وتتعامل دون تذمر وقلقك زائد.
كلمات:
● فكرتك عن نفسك أهم من فكرة الناس عنك
● أسوأ أنواع الجرائم لا يرتكبها فقط الحمقى بل يرتكبها متحضرون أذكياء باسم الحروب.

حكايات من دفاتر الآثار
أسرار جائزة مصطفى وعلى أمين
سفارى قتل البشر







