جاءت كلمة الرئيس عبد الفتاح السيسى بمناسبة الذكرى الرابعة والأربعين لتحرير سيناء وثيقة سياسية مُكثفة، تحمل بين سطورها رؤية مصر للعالم، وتُعيد تقديم فلسفة الدولة المصرية فى إدارة التوازنات وسط عاصفة من التحولات الدولية والإقليمية، فالكلمة بدت وكأنها قراءة استراتيجية دقيقة لخريطة الشرق الأوسط، وإعلان موقف صريح من محاولات إعادة تشكيله، ورسالة مُتعددة الطبقات إلى الفاعلين الدوليين، والقوى الإقليمية، والشعوب العربية، مفادها أن مصر لا تُراقب المشهد من بعيد، بل تتحرك داخله وفق ثوابت راسخة ورؤية واضحة.
يُجمع الخبراء والمحللون على أن الخطاب يعكس لحظة نضج سياسى للدولة المصرية، وقدرتها على صياغة خطاب موجه للخارج بلغة القوة الهادئة، والدبلوماسية الحاسمة، فيرى الدكتور أشرف سنجر خبير السياسات الدولية أن حديث الرئيس عن مساعٍ مُدبرة لإعادة رسم خريطة المنطقة تحت دعاوى أيديولوجية مُتطرفة يُمثل توصيفًا دقيقًا لما تشهده المنطقة حاليًا، مُشيرًا إلى أن هذه العبارة تختزل سنوات من الفوضى التى أعقبت ما يُسمى بالربيع العربى، حيث جرى استغلال هشاشة بعض الدول لإعادة هندسة الإقليم، مؤكدًا أن الرسالة هُنا موجهة بالأساس إلى القوى الدولية، ومفادها أن مصر تُدرك حجم المُخطط، وتعى أدواته، ولن تسمح بأن تكون جزءًا من هذا السيناريو، لافتًا إلى أن الكلمة حملت تحذيرًا مُبطنًا من خطورة استمرار سياسات فرض الأمر الواقع فى المنطقة، موضحًا أن مصر تعلن بوضوح أنها ضد أى إعادة ترسيم للحدود خارج إطار القانون الدولى، ولفت إلى أن مصر دائمًا تُعظم من قيمة الحلول الدبلوماسية بدل من الحروب والصراعات، حيث لا أحد يخرج من الحروب ويحمل المكاسب، مُضيفًا أن سياسة الرئيس السيسى قائمة على التوازن العقلانى، مع الحرص على عدم التدخل فى الشئون الداخلية للبلاد، مؤكدًا أن الكلمة حملت إعادة لتعريف مفهوم السلام فى الخطاب المصرى، موضحًا أن القاهرة لم تعد تطرح السلام كبديل عن الصراع فقط، بل كخيار استراتيجى مدعوم بقدرة عسكرية رادعة، وهذه الرسالة موجهة إلى أطراف إقليمية قد تفسر الدعوات للسلام على أنها ضعف، بينما الحقيقة أن مصر تُقدم نموذجًا مختلفًا وهو السلام القائم على توازن القوة.
من أبرز ما تضمنه الخطاب ـ وفقًا لسنجر ـ هو تأكيد مصر رفضها محاولات تقسيم الدول وتفكيكها، وهى رسالة وصفها بأنها امتداد طبيعى لعقيدة الدولة المصرية منذ عقود، فمصر دائمًا تقف ضد فكرة تفكيك الدول الوطنية، لأنها تُدرك أن سقوط الدولة المركزية يفتح الباب أمام الفوضى والإرهاب، مُضيفًا أن ما يحدث فى بعض دول المنطقة اليوم هو نتيجة مُباشرة لغياب هذه الرؤية، بينما تحاول مصر تصحيح المسار عبر الدعوة للحفاظ على الدولة الوطنية، مُشددًا على أن مصر لم تكتفِ فى خطابها بالإدانة، بل أكدت دعمها الكامل للدول العربية التى تعرضت لاعتداءات، حيث أكدت أكثر من مرة أنها ترفض التصرفات الإيرانية تجاه الدول الخليجية، وتؤكد مصر أنه من حق إيران الدفاع عن ذاتها، ولكن هذا الدفاع يجب أن يكون بعيدًا عن قومية الدول الخليجية، مُختتمًا بأن الدولة المصرية لها ثقلها الدولى الكبير، ولهذا نجد مصر فى المفاوضات والاجتماعات الكبرى تتحدث بالنيابة عن الشرق الأوسط، وهذا التواجد دليل على كفاءة السياسة الخارجية المصرية.
رسائل سياسية
كلمة الرئيس حملت رسائل سياسية واضحة، عكست ثبات الموقف المصرى تجاه القضايا الإقليمية والدولية، كما يُشير الدكتور طارق فهمى أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، موضحًا أن القضية الفلسطينية احتلت مساحة بارزة فى خطاب الرئيس، خاصة فيما يتعلق برفض تهجير الفلسطينيين، حيث شدد الرئيس على رفض مصر القاطع لأى محاولات لتهجير الفلسطينيين أو فرض حلول تنتقص من حقوقهم، مُشددًا على أن هذا الموقف يتسق مع قواعد القانون الدولى، التى ترفض التهجير القسرى باعتباره جريمة، لافتًا إلى أن هذه الرسالة موجهة بشكل مباشر إلى الأطراف التى تروج لفكرة التهجير، بأن هذا الطرح مرفوض مصريًا وعربيًا.
وفيما يتعلق بقطاع غزة شدد الخطاب ـ بحسب فهمى ـ على ضرورة تنفيذ المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار، وإدخال المُساعدات، وإعادة الإعمار، موضحًا أن مصر تلعب دور الوسيط الرئيسى فى هذا الملف، وهى الطرف الأكثر قدرة على إدارة التوازنات بين الأطراف المُختلفة، مُضيفًا أن الحديث عن إعادة الإعمار يعكس رؤية مصرية شاملة لا تقتصر على وقف الحرب، بل تمتد إلى بناء السلام، مُشيرًا كذلك لتأكيد الرئيس على أن التضامن هو السبيل الوحيد لتجاوز المحن، وهى رسالة تعكس إدراكًا عميقًا لطبيعة التحديات، فالعالم العربى يمر بمرحلة تتطلب إعادة بناء مفهوم العمل العربى المُشترك، ومصر تحاول جاهدة لاستعادة هذا المفهوم، عبر خطاب يدعو للوحدة فى مواجهة التحديات.
الخطاب يعكس ثقة الدولة فى دورها الإقليمى، وقدرتها على التأثير فى موازين القوى، فمصر لم تعد تكتفى بالمواقف الرمزية، بل تتحرك سياسيًا ودبلوماسيًا فى المحافل الدولية للدفاع عن القضايا العربية، وهُنا يُشير حسين أبو العطا عضو مجلس الشيوخ، رئيس حزب "المصريين إلى أن الرسالة الأبرز فى كلمة الرئيس موجهة بشكل واضح إلى المجتمع الدولى، خاصة القوى الكبرى، التى تتعامل أحيانًا مع أزمات المنطقة بمنطق المصالح الضيقة، دون اعتبار لتداعيات تفكيك الدول، واصفًا خطاب الرئيس بأنه وثيقة سياسية واستراتيجية شاملة، لافتًا إلى توجيه الرئيس رسائل ردع استراتيجية مُغلفة بلغة السلام، حيث أكد على أن خيار السلام ينبع من قوة وحكمة لا من ضعف أو خوف، وهى رسالة موجهة للداخل لزيادة الطمأنينة، وللخارج للتذكير بجاهزية القوات المسلحة.
التحديات المُحيطة
وشدد أبو العطا على أن الكلمة جاءت حاسمة فيما يخص القضايا العربية، حيث جدد الرئيس الخط الأحمر المصرى برفض تهجير الفلسطينيين، مُعتبرًا إياه أمرًا لا يقبل المُساومة، مما يقطع الطريق على أى مُخططات لتصفية القضية على حساب سيناء، كما أكدت الكلمة أن التعاون والبناء هو البديل الوحيد لسيناريوهات الاحتلال والدمار، وهى دعوة مصرية دائمة لتغليب لغة العقل فى الشرق الأوسط، فضلًا عن أن الإدانة الواضحة للاعتداءات على الدول العربية الشقيقة تعكس استعادة مصر لدورها كظهير استراتيجى للمنطقة العربية ضد أى تدخلات إقليمية أو أيديولوجية متطرفة.
من جانبه، يُشير رشاد عبدالغنى الخبير السياسى، إلى أن تناول الرئيس للتحديات الإقليمية والدولية يعكس إدراك الدولة لحجم التحديات المُحيطة، وحرصها على حماية الأمن القومى المصرى والتعامل بحكمة مع المتغيرات المُتسارعة، مُشددًا على أن تأكيد السيسى دعم القضايا العربية ورفض المساس بسيادة الدول أو تهجير الشعوب، يعكس ثبات الموقف المصرى ودوره التاريخى فى دعم الأمن والاستقرار الإقليمى، مؤكدًا أن الرئيس وجه رسائل مُباشرة تؤكد أن قوة مصر لا تستند فقط إلى قدراتها العسكرية، بل أيضًا إلى وعى شعبها وقدرته على الصمود وتحمل المسئولية، مُشيرًا إلى أن تأكيد الرئيس على أن مصر ستظل واحة للأمن والاستقرار فى محيط إقليمى مُضطرب يعكس نجاح الدولة فى تحقيق مُعادلة صعبة تجمع بين حماية الأمن القومى ومواصلة التنمية والتعمير.
خطاب استراتيجى
المهندس إيهاب محمود القيادى بحزب الجيل الديمقراطى يصف كلمة الرئيس بأنها خطاب استراتيجي يتجاوز كونه احتفالية بروتوكولية ليصبح كشف حساب ورسم خارطة طريق لمواجهة التحديات الإقليمية الراهنة، موضحًا أن الرئيس استهل كلمته بربط استرداد سيناء بمفهوم عدم المساومة، وهى رسالة واضحة لكل من يعتقد أن الضغوط الاقتصادية أو السياسية قد تدفع مصر للتنازل عن ثوابتها الجغرافية، مُشيرًا إلى أن الخطاب جاء حازمًا تجاه ما وصفه بالمساعى المُدبرة لإعادة رسم خريطة المنطقة، وفى هذا السياق، برزت نقطتان فى غاية الأهمية، أولهما الرفض القاطع للتهجير، حيث كرر الرئيس الموقف المصرى الثابت برفض تهجير الفلسطينيين، مُعتبرًا إياه خطًا أحمر لا يقبل التأويل، مما يقطع الطريق على أى محاولات لتصفية القضية الفلسطينية على حساب السيادة المصرية، فضلًا عن أن إدانة الاعتداءات على الدول العربية الشقيقة مؤكدًا أن مصر تستعيد دورها كعمود خيمة للأمة، تدافع عن وحدة التراب العربى فى مواجهة التدخلات الإقليمية.
ويُشير محمود إلى أن الرئيس السيسى أعاد صياغة مفهوم السلام المصري؛ فهو ليس سلامًا نابعًا من ضعف، بل هو خيار استراتيجى مدعوم بقوة رادعة، وهذه الرسالة موجهة للخارج قبل الداخل، مفادها أن العقيدة العسكرية المصرية جاهزة للانتقال من الصبر الاستراتيجى إلى الردع الحاسم إذا ما تعرض الأمن القومى لأى مساس..
اقرأ أيضا: الرئيس السيسي يوجه بضرورة تقديم أقصى درجات الرعاية لأبناء الوطن في الخارج
«آخرساعة» تكشف تفاصيل رحلة السادات إلى حيفا عام 1979
أرض الفيروز بعيون أهلها .. عيد التحرير.. سيناء تنتصر بالتنمية
اللواء خالد مجاور محافظ شمال سيناء: زمن الإرهاب انتهى.. ونخوض معركة العبور الاقتصادى







