د. هويدا صالح
منذ اللحظة الأولى التى يلامس فيها القارئ العتبة القرائية الأولى للمجموعة القصصية «حيوات بنكهة الرمان» للشاعر والقاص على الشعالى (دار الهدهد ـ 2024)، تستوقفه صورة الرمان فى عنوانها وعلى غلافها؛ تلك الثمرة التى تخبئ فى قشرتها الواحدة عشرات الحبات المتجاورة، متمايزة الشكل، متلاصقة المصير، يحكمها غلاف واحد وتجمعها نكهة لا تشبه طعم أى حبة منفردة. استعارة شفيفة تختصر روح الكتاب؛ إذ تضم المجموعة إحدى عشرة قصة، لكل واحدة عالمها الخاص، غير أنها جميعًا تتقاسم مذاقًا إنسانيًا واحدًا: مذاق الحياة حين تُعاش بكثافة الوعى، أو حين تنفلت من أصحابها لأنهم لم يمهلوها لحظة تأمل.
تتضمن المجموعة أسئلة وجودية وثقافية حادة، تلامس وجع الإنسان العربى المعاصر فى اختلال ميزان العدالة الطبقية، وتآكل ملامح الهوية، واشتداد ضغط الحداثة على الموروث الاجتماعى. غير أن هذه الأسئلة لا تُطرح فى صيغة خطابية مباشرة، بل تتخلل مصائر الشخصيات، وتتسرّب عبر تفاصيل الحياة اليومية، فتغدو جزءًا من نسيج الحكاية لا عبئًا عليها.
ويتوقف هذا المقال عند أربعة مداخل رئيسة لقراءة المجموعة: طرائق السرد وما تنطوى عليه من تنويع فى وجهات النظر وبناء الزمن، واللغة السردية بما تحمله من أثر شعرى رصين، ورؤية العالم التى تشفّ عن حساسية أخلاقية وإنسانية، وأخيرًا الخطاب الثقافى الذى يشتبك مع تحولات الواقع العربى دون أن يفقد اتزانه الفنى.
تقنيات السرد وطرائقه
تفرض تقنية السرد بضمير المتكلم حضورها على معظم قصص المجموعة حضورًا يكاد يكون طاغيًا. ففى «مظلات» تروى ماجدة، أستاذة الفيزياء المتقاعدة، حكايتها وهى معلّقة فى الهواء الحر، تتساقط جسدًا وتتصاعد ذاكرةً، حاملة خيوط الماضى والحاضر فى لحظة رخوة لا تُمسك بحدٍّ فاصل بين زمنين. وفى «باربرا» يتقدّم الكاتب–الراوى إلى القارئ بصوتٍ متأمل، مشوب بقلق المثقف العربى فى فضاءات الغرب، فيما يتداخل فى «كازينو» وعى الراوى بالعالم الخارجى مع مونولوج داخلى يكاد لا ينقطع، يفتّش فى طبقية القوة ووهم الحظ.
غير أن هذه الهيمنة ليست خيارًا تقنيًا فحسب، بل تنطوى على موقف فلسفى واضح؛ فضمير المتكلم يتيح اختراق الشخصية حتى طبقتها الأكثر هشاشة، ويكشف تناقضاتها من الداخل لا من وراء زجاجٍ بارد. وكأن الكاتب يلمّح إلى أن الحياة — فى جوهرها — تجربة فردية خالصة، لا يشهدها على حقيقتها سوى من يحياها.
ويُكثف على الشعالى من توظيف الاسترجاع (Flashback)، لا بوصفه أداة معلوماتية، بل باعتباره بنية سردية قائمة بذاتها. فى «مظلات» تتشابك لحظة القفز مع ذكريات الزواج والخيانة ووفاة الزوج فى نيبال؛ فلا يُفهم الحاضر إلا عبر طبقات الماضى، ويغدو السقوط الحرّ تحريرًا نفسيًا لما احتُبس عقودًا. وفى «عاملة الفندق» تتنقل سماح بين ماضى جدتها الأرملة، وحاضرها المثقل بالكدح والمراقبة، ومستقبل يتهدده شبح الأتمتة، فتتحول الذاكرة إلى شكلٍ من أشكال المقاومة الصامتة.
ومن أبرز اشتغالات الزمن فى المجموعة تقنية الحذف المقصود (Ellipsis)، حيث يكتفى الكاتب بلحظات مكثفة ويترك الفراغات لتشتعل فى ذهن القارئ. فى «أرق» لا نعرف السبب الأول لمعاناة الراوى، ويصبح هذا الصمت هو اللغز المحرّك للسرد، إلى أن تأتى النهاية المفاجئة — نومه بعد لقاء الفرس البيضاء — بوصفها إجابة لا تُفسَّر بل تُعاش.
تتنقل القصص بين عمّان والقاهرة ودبى وعجمان ونيويورك وشيكاغو وجزيرة استوائية مجهولة وحصار مجاعة بلا اسم، بما يمنح المجموعة أفقًا كونيًا يتجاوز المحلية. هذا الامتداد الجغرافى يقابله تنوّع صوتي: أفغانى مهاجر فى «برياني»، وهندى استقر فى الإمارات فى «البقال»، وإماراتى يلتقى أصدقاءه فى «كافيين»، وناشط مجهول الجنسية فى «سيروان». تتقاطع المصائر هنا لتكسر وهم خصوصية الألم، وتؤكد أن الانكسار ليس حكرًا على جغرافيا بعينها.
أما على مستوى البنية، فتتباين القصص فى طولها وكثافتها؛ بعضها يقترب من الرواية المصغّرة مثل «مظلات» و«عاملة الفندق» و«سيروان»، وبعضها يشفّ بروح القصة القصيرة جدًا كما فى «أرق»، فيما يعتمد بعضها على الحوار بوصفه ركيزة أساسية كما فى «باربرا» و«طنين». هذا التنوع لا يدل على تردّد فى الشكل بقدر ما يكشف عن كاتب يختبر إمكاناته، ولا يحصر صوته فى قالب واحد — وهى فضيلة لافتة فى مجموعة أولى.
تتميّز لغة الشعالى بجملة مطوّلة تتراكم عبر متممات وحاليات وظروف، فتمنح القارئ إحساسًا بأنه يسبح داخل تيار وعى، لا يتلقى تقريرًا سرديًا. هذه الجمل لا تشتّت المعنى بل تُرسّخه طبقة فوق طبقة، كما تتكاثف طبقات الهواء فى حنجرة ماجدة وهى تهوى. ويحفظ الإيقاع الداخلى خيطه بفضل إحكام علامات الترقيم ودقة المفردة.
وتنبع الاستعارات من التجربة المعيشة لا من معجمٍ شعرى جاهز: «هواء سميك كقطعة جبن عفنة»، «فاح الصمت كشائعة فى قرية جبلية»، «ذاب أبى كمَدًا ثم هوى كشجرة جافة». إنها صور لا تُزيّن السرد بل تُعرّف الإحساس بدقة ملموسة. ويبرز الحسّ الشمّى بوصفه أداة دلالية؛ فى «برياني» يحمل عبق الهيل والقرفة والكمون أثر الهوية المهاجرة، وفى «عاملة الفندق» يُعطَّر الجناح بالعود ليُعاد تهيئته لترف رجل ثرى، وكأن الرائحة تختصر التفاوت الطبقى.
الحوار بدوره كاشف لا مُطنب؛ إنه يكشف الشخصية أكثر مما يسرد الوقائع. فى «باربرا» تُحدّث المرأة العجوز الكاتب عن آينشتاين بعبارات مواربة، توحى أكثر مما تصرّح، وتترك للقارئ مهمة استكمال ما صمتت عنه. وفى «كافيين» تنكشف ضغوط التوقعات الاجتماعية عبر مداعبات أصدقاء، لا عبر اعتراف مباشر.
ومن خصائص اللغة اللافتة امتناعها عن إصدار أحكام أخلاقية جاهزة. لا يُدان الثرى ولا يُشيطن الزوج الخائن، ولا تُقدَّم الزوجة الصامتة بوصفها ضحية مكتملة البراءة. هذا التحفّظ يرفع من قيمة القارئ، ويجعله شريكًا فى بناء المعنى، لا متلقيًا لوصاية سردية.
وتتكرر فى المجموعة صورة الفرد المحاصر بين منظومات كبرى: السلطة، والمال، والبيروقراطية، والتكنولوجيا، والتوقعات الاجتماعية. فى «عاملة الفندق» تواجه سماح تفوقها الأكاديمى بسطوة الذكاء الاصطناعى وضيق السوق والفقر الموروث. فى «سيروان» يصطدم ناشط وحيد بجدار الصمت العالمى إزاء المجاعة. فى «كازينو» يرتجف الراوى أمام ثراء فاحش يحرّك الطابور بإيماءة.
ومع ذلك، لا تنتهى القصص إلى عتمة كاملة. فى كل حكاية بذرة مقاومة هادئة: ماجدة تقفز فتختبر الطيران، سماح تضحك رغم الخسارات، ومسعود يميل إلى الاكتفاء الذاتى. ليست مقاومة بطولية صاخبة، بل فعلًا إنسانيًا صغيرًا، لكنه كافٍ ليؤكد أن الحياة — مهما ضاقت — تحتفظ دائمًا بحبّة رمان لم تُكسر بعد.
الخطاب الثقافى ورؤية العالم
تتشابك فى هذه المجموعة هوياتٌ معلّقة ومتصدّعة؛ أرسلان، المهاجر الأفغانى، يطبخ هويته فى مطبخ نيويورك كما لو أنه يعجن ذاكرته بالتوابل، والبقّال الهندى يعيش على هامش المجتمع الصاخب من دون أن يدعوه أحد باسمه الحقيقى، وماجدة الأردنية تتوق إلى خلع ثيابٍ لم تكن يومًا على قياسها الروحى. الهوية، فى رؤية الشعالى، ليست قناعًا جاهزًا نرتديه ونمضى، بل مخاض يوميّ شاق، يتجدد مع كل احتكاك بالعالم.
ويُكتب الجسد هنا بوصفه نصًا مكثفًا، يختزن التاريخ والسياسة والعاطفة فى آن. جسد مسعود الجائع فى «سيروان» ليس جسدًا فرديًا فحسب، بل ضميرًا عالميًا مُثقَلًا، وجسد ماجدة المعلّق فى الهواء الطلق هو جسد امرأة تستعيد ما سُلب منها زمنًا طويلًا، أما جسد سماح النحيل، المنهمك فى تلميع جناحٍ ملكى، فيختصر الفارق الفادح بين طبقتين لا تلتقيان إلا فى لحظة خدمة صامتة.
والمكان بدوره يتجاوز كونه خلفية ديكورية ليغدو شريكًا فى الفعل السردي؛ الصحراء فى «كافيين» علة العطش ومختبر الصبر معًا، والبحر فى «أرق» رديف اللاوعى المظلم، والمقهى فى «باربرا» عالم مكتمل لامرأة لم تغادره ثمانية عشر عامًا، حتى غدا امتدادًا لزمنها الداخلى.
ويستعيد الشعالى، فى أكثر من موضع، انتقال الإنسان من الريف إلى المدينة، ومن البداوة إلى حضارةٍ مُصطنعة؛ لا ليحاكم أحد الطرفين، بل ليكشف الفجوات التى تخلّفها هذه الهجرات فى النفس والمجتمع. سمير، زوج ماجدة، لم ينجح يومًا فى التصالح مع جذوره الريفية، فأنفق عمره فى إثبات ما لم يُنكره أحد، وكان ذلك الاستعراض القلق أحد أسباب سقوطه.
تمارس المجموعة نقدًا طبقيًا لاذعًا من دون أن ترفع شعارًا أيديولوجيًا. بكر، المليونير الذى يقيم سبعة أشهر فى الجناح الملكى بينما تنظّف سماح أثره اليومى، ليس شريرًا كاريكاتوريًا، بل تجسيد لنظامٍ يُنتج عمًى بنيويًا: أن يفقد الإنسان القدرة على رؤية من يخدمه. وفى «كازينو» يحتكر الثرى حق الكلام فيما ينتظر الآخرون دورهم لشربة ماء؛ هنا تغدو السلطة وجودية قبل أن تكون سياسية.
وتقدّم المجموعة شخصيات نسائية بنضج لافت؛ ماجدة التى أفنت عقودًا فى خدمة المؤسسة والزوج ثم اختارت السماء، وسماح التى ترفض، بصمتٍ كريم، عرضًا ملتبسًا، والفتاة فى «الأشجار لا تتحرك» التى تبرهن أن الصداقة قادرة على النجاة من غيرةٍ عابرة. النساء هنا لسن رموزًا مجردة، بل حيوات متورطة فى تعقيداتها، لا تُختزل فى دورٍ واحد ولا تُختصر فى خطابٍ جاهز.
تُطرح أسئلة الذكاء الاصطناعى والأتمتة بلمسة غير مباشرة لكنها نافذة؛ فى «عاملة الفندق» يقترح الذكاء الاصطناعى تقليص العمالة البشرية، وفى «طنين» يهب الراوى ذاكرته لتجربة علمية، وفى «سيروان» تتقاطع مجاعة الغذاء مع مجاعة التغطية الإعلامية فى زمن الانفجار الرقمى. التكنولوجيا، فى أفق الشعالى، ليست مخلّصًا مطلقًا ولا شيطانًا رجيمًا، بل مرآة تعكس ما أودعناه فيها من براعةٍ وإهمال معًا.
وتتجاوز «سيروان» حدود المعالجة المحلية لتغدو تأملًا فى مستقبل بشرى مقلق؛ يخاطب مسعود نفسه وهو يستشرف لحظة تنضب فيها الحبوب وتنعدم الإرادة الإعلامية. ويتجاور ذلك مع «الأشجار لا تتحرك»، حيث تُقارب هموم المناخ من داخل علاقات إنسانية دافئة. فالقضايا الكبرى، فى هذه الكتابة، تُعاش فى التفاصيل الصغيرة، والكاتب لا يُحاضر بل يُشرك قارئه فى التجربة.
تتناثر أشكال الغربة فى ثنايا النصوص: غربة المهاجر الجسدية، وغربة المواطن داخل وطنه حين تتبدل المعايير من حوله، وغربة المثقف الذى يتكلم فلا يجد من يُصغى. غير أن الغربة هنا ليست مأساة مطلقة، بل الوجه الآخر للحرية؛ فمن لا ينتمى كليًا إلى شيء، يستطيع أن يرى أشياء أكثر.
تخرج من «حيوات بنكهة الرمان» وأنت تحمل داخلك ثقلًا خفيفًا؛ ثقل الأسئلة التى لا تطلب جوابًا نهائيًا، بل تُحرّض على التفكير. كتبها على الشعالى بعين الملاحظ الدقيق، وبحساسية من يُصغى قبل أن يحكم، وبلغة لا تتزيّن ولا تتقشّف، بل تؤدى وظيفتها بثقة وهدوء.
وعلى مستوى الملاحظات النقدية، يمكن القول إن بعض القصص تميل إلى حكمة ختامية تُطمئن الراوى أكثر مما تُقلق القارئ — وهو منزلق تقترب منه «أرق» لولا خيط الفرس البيضاء الذى يُبقى النهاية مفتوحة على غموضٍ مُنتج. كما أن تمثيل الأصوات يميل أحيانًا إلى المثقف المتأمل على حساب أصوات أبسط، وأكثر تعقيدًا فى آن، كصوت البقّال الذى لم يُمنح مساحته الكافية.
سى دى هات المواطن: بين إدهاش المتلقى والتأويل المحتمل
صورة مع غرباء من العائلة: سمكة وحيدة فى حوض مزدحم
كتابى تحت سطح العالم.. ستون يومًا فى أستراليا







