كتابى تحت سطح العالم.. ستون يومًا فى أستراليا

تحت سطح العالم
تحت سطح العالم


غادة لبيب

لطالما أحببت القراءة منذ صغرى ولكنى لم أتصور أن يأتى اليوم الذى أطالع فيه اسمى على غلاف كتاب. 
بدأ الأمر بدعوة من أخى عمرو الطبيب المقيم فى أستراليا لزيارته هناك. بجانب قضاء وقت قيم مع أسرته، كان عندى شغف كبير لإستكشاف تلك البلاد البعيدة. لم أنتظر يومى العطلة حتى يصطحبنى عمرو للتنزه. كنت يوميا أتجول فى الشوارع، الحدائق، المتاحف، المكتبات، الشواطئ، الشلالات، الغابات وغيرها من أماكن. برغبة كبيرة فى المعرفة، معرفة كيف عمرت هذه الأرض المعزولة، كيف كان لقاء المهاجرين الأوائل بالسكان الأصليين، أى قوانين سنت فى الماضى ليستتب الوضع للوافدين الجدد، وكيف هى حياة الناس الآن.
ومن المدهش بالنسبة لى كان رعاية الدولة الفائقة للطبيعة والحيوانات، تلك الحيوانات النادرة والنباتات الغير موجودة فى أى بلد آخر. شعور جميل تملكنى بالسكينة والبهجة. عندما ربت على ظهر الكنغر وشاهدت الكوالا ومشيت إلى جانب طائر الإيميو. وعندما لامست أوراق زهور الأوركيد الجميلة وجلست على جذع شجرة عملاقة شكل عليه الفطر لوحة فنية بديعة. 
من زياراتى للمتاحف والمؤسسات الثقافية، أدركت أن إذا لم يكن هناك لشعب ما إرث حضارى وتاريخى كبير أو ممتد تاريخيا لعصور قديمة، فهو يستطيع أن يبرز القليل الذى يمتلكه بطريقة عرض جذابة وبوسائل تكنولوجية حديثة، ليصبح كثيرًا ومبهرًا وجاذبًا لأهل البلد وللسائحين على حد سواء.
رأيت أن الاعتراف بأخطاء الماضى والتطهر منها، لا يعد ضعفا أو هزيمة، لكنه شجاعة محمودة ودفعة قوية للتسامح وتخطى الآلام وبدء مرحلة جديدة بنفوس راضية سوية راغبة فى العمل والإنتاج.
ورغم جمال الطبيعة وأماكن الترفيه والثقافة، تظل أجمل تجربة بالنسبة لى هى مقابلة الناس والحديث معهم. قابلت أناسًا من أعراق عدة، من أوروبا وآسيا وأفريقيا. بادرتهم بالحوار ومحاولة معرفة من هم ولماذا جاءوا هم أو آباؤهم وأجدادهم إلى أستراليا وكيف يعيشون هناك. تلاقوا على  حب وطنهم الجديد الذى يعيشون تحت ظله متساويين جميعا، بقوانين عادلة تطبق على الجميع، تعطيهم كامل حقوقهم وتلزمهم بكل واجباتهم، لتتجاور كل تلك الأعراق فى مجتمع يعترف ويحترم ويسمح بالاختلاف، ويدعم سبل التلاقى ونقاط التشابه، مما جعل من أستراليا أكثر نموذج متعايش فى سلام رغم تعدد أعراق شعبه.
من أكثر ما أعجبنى حرص الدولة على إتاحة فرص المعرفة والثقافة للشعب بالمجان فى أغلب مؤسساتها، ورعايتها الخاصة للأطفال وكبار السن بما يضمن لهم الراحة والرفاهية. وفى المقابل شهدت بنفسى حرص المواطنين من المتقاعدين فوق سن الستين على رد الجميل للدولة، بتطوعهم فى العمل المجتمعى والسياحى بدون مقابل فيقضون وقتا مسليا ويخدمون بلدهم فى نفس الوقت.
انقضى الشهران كحلم جميل وعدت إلى القاهرة. فكرت أن أكتب الرحلة للتوثيق لنفسى أولا وأخيرا. ولكن بتشجيع من أخى قررت تحويلها إلى كتاب. وهذا تطلب منى بحثا مطولا فى عدد من المصادر الأسترالية بجانب ما دونته من ملاحظات أثناء الرحلة وما التقطته من صور وفيديوهات؛ لأننى أردت أن أعطى القارئ العربى كما معرفيا قيما وجديدا عن أماكن لم يُكتَب عنها بالعربية من قبل، وعن تاريخ لم يُنقَل بهذه التفاصيل. شرعت فى الكتابة التى كفعل لم تكن جديدة على، فأنا أكتب مراجعات عن الكتب والروايات التى أقرأها على جروب القراءة Book Garden  الذى أسسته عام 2022 ولكن كتابة تجربة ذاتية فى كتاب سيُنشر أمر آخر له رهبة وحلاوة فى نفس الوقت. استمتعت برحلة الكتابة على مدار سنة إستمتاعى بالرحلة نفسها. وأرجو أن يجد القارئ فى كتابى «تحت سطح العالم.. ستون يوما فى أستراليا»، الصادر عن دار الشروق، المعرفة والمتعة.