من داخل مختبرات البحث العلمى تبرز شيماء فرج الباحثة فى التكنولوجيا الحيوية البيئية وباحثة الدكتوراه فى الجامعة الأمريكية بالقاهرة، كأحد الأسماء الصاعدة فى ابتكار حلول لأزمة المياه وقد تُوِّجت جهودها مؤخرًا بحصولها على جائزة اإينىب العالمية لعام 2025 ضمن فئة المواهب الشابة من إفريقيا، تقديرًا لأبحاثها التى تركز على معالجة مياه الصرف وإعادة استخدامها عبر توظيف الإنزيمات والبكتيريا فى تفكيك الملوثات. وتزداد أهمية هذا التوجه فى مصر، حيث يُستخدم نحو 85% من المياه العذبة فى الزراعة، مما يجعل إعادة استخدام المياه المعالجة خيارًا محوريًا لمواجهة ندرة الموارد.
فى هذا الحوار تكشف فرج لـآخرساعة ملامح رحلتها العلمية، وفلسفة بحثها القائمة على تحويل المشكلة إلى جزء من الحل، إلى جانب أبرز التحديات التى واجهتها ورؤيتها لمستقبل التكنولوجيا الحيوية فى قطاع المياه.
كيف تصفين مسيرتك الأكاديمية والبحثية التى قادتك إلى مجال التكنولوجيا الحيوية البيئية ومعالجة المياه؟
ـ لم يكن توجهى فى البداية نحو هذا المجال، إذ كنت أطمح للعمل فى مجال تعديل الجينات (Gene Editing)، خاصة دراسة الجينات المسببة للأمراض ومحاولة إيقاف تأثيرها، لكن مسارى تغيّر تدريجيًا خلال الدراسة، حيث جاء مشروع التخرج فى مجال مختلف، ثم واصلت فى مرحلة الماجستير العمل على تحليل المخلفات الزراعية مثل قش الأرز باستخدام إنزيمات تنتجها بكتيريا موجودة فى الكومبوست (سماد عضوى يُنتَج من تحلل المخلفات النباتية والعضوية بوساطة الكائنات الدقيقة ويُستخدم لتحسين خصوبة التربة).
وكان هدفى هو إيجاد حل لمشكلة حرق قش الأرز من خلال تفكيكه بيولوجيًا وتحويله إلى غاز حيوى (بيوجاز)، ومن هنا بدأت تتشكل فلسفتى البحثية القائمة على احل المشكلة من داخلهاب، أى استغلال الكائنات الدقيقة الموجودة بالفعل فى البيئة لمعالجة التلوث وتحويله إلى مورد مفيد، وكانت هذه البداية الحقيقية لدخولى مجال التكنولوجيا الحيوية البيئية.
ما الفكرة الأساسية وراء البحث الذى نلتِ عنه جائزة إينى العالمية لعام 2025؟ وكيف تطور علميًا؟
ـ يرتكز البحث على استغلال البكتيريا الموجودة فى مياه الصرف نفسها، والتى تمتلك إنزيمات طبيعية قادرة على تفكيك الملوثات، إذ نقوم بعزل هذه الإنزيمات وتطويرها بحيث تصبح أكثر كفاءة فى تكسير بقايا المضادات الحيوية والمعادن الثقيلة الموجودة فى المياه المعالجة جزئيًا، فبوجه عام تكمن المشكلة فى أن مياه الصرف حتى بعد المعالجة لا تكون نقية تمامًا، بل تحتوى على ملوثات قد تعود إلينا عبر الزراعة أو البيئة، وقد تسهم فى انتشار الأمراض أو البكتيريا المقاومة للمضادات الحيوية. ومن هنا، نعمل على إضافة مرحلة معالجة حيوية باستخدام هذه الإنزيمات، بما يضمن إعادة استخدام المياه بشكل آمن.
ما الذى دفعكِ للتركيز على معالجة مياه الصرف؟
ـ عملت فى مجال معالجة مياه الصرف خلال الفترة من عام 2014 حتى 2017 فى كلية الهندسة بجامعة المنيا، حيث كنت أعمل كمتخصصة فى علم الأحياء الدقيقة ضمن مشروع دولى ممول من الاتحاد الأوروبي، وكان المشروع يركز على ما يُعرف بالخلايا الوقودية الميكروبية (Microbial Fuel Cells)، وهو مجال يعتمد على استخدام البكتيريا الموجودة فى مياه الصرف، حيث تحتوى هذه المياه على بكتيريا ومواد عضوية، وتقوم هذه البكتيريا باستهلاك المواد العضوية للحصول على الطاقة، مثلما يحصل أى كائن حى على الطاقة من الغذاء، وكان دورى يتمثل فى اختيار السلالات البكتيرية القادرة على إنتاج الطاقة الكهربائية أثناء هذا النشاط الحيوي، وبعد ذلك يتم استغلال هذه الطاقة الناتجة كمصدر طاقة.
وتقوم فكرة الخلايا الوقودية الميكروبية على إدخال البكتيريا فى نظام يمكنه تحليل المواد العضوية داخل مياه الصرف، ما يؤدى لإنتاج طاقة يتم جمعها فى صورة كهرباء تُستخدم لتشغيل مصنع بالكامل، وفى الوقت ذاته يتم الوصول إلى تنقية للمياه بنسبة تصل إلى 90%، بحيث يمكن إعادة استخدامها داخل المنشأة الصناعية فى أنشطة أخرى. وهذه الفكرة كانت تمثل بداية عملى فى مجال معالجة مياه الصرف، حيث تمكّنا وقتها من إنتاج حوالى 1 واط كهرباء من 100 ملليلتر من مياه الصرف، مع تحقيق نسبة تنقية مياه تصل إلى 90%، وهذه التجربة كانت نقطة تحوُّل أساسية فى مسارى البحثي.
متى أدركتِ أن بحثك يمكن أن ينتقل إلى مرحلة التطبيق العملي؟
ـ كنت مؤمنة منذ البداية بأن البحث العلمى يجب أن يكون قابلًا للتطبيق لا أن يظل حبيس المختبر، وخلال عملى مع تخصصات مختلفة، تحديدًا الهندسة، أدركت أن التكامل بين العلوم هو ما يحوّل الأفكار إلى حلول واقعية، لذا حرصت على أن يكون لكل بحث أقوم به بُعد تطبيقى واضح، لأن القيمة الحقيقية للبحث تكمن فى تأثيره على المجتمع والبيئة.
كيف تشرحين المبدأ العلمى لبحثك بلغة مبسطة؟
ـ الفكرة ببساطة هى امعالجة المشكلة من داخلهاب، حيث يقوم المبدأ العلمى للابتكار على إعادة النظر إلى مياه الصرف باعتبارها موردًا يمكن تحسينه وإعادة استخدامه، بدلًا من اعتبارها مجرد نفايات يتم التخلص منها، فعند ترك هذه المياه دون معالجة كافية، يمكن أن تؤثر سلبًا على الزراعة ومياه النيل، وقد تصل آثارها بشكل غير مباشر إلى صحة الإنسان، بما يشكّل مخاطر بيئية وصحية واضحة. وتعتمد الفكرة على استغلال البكتيريا الموجودة أصلًا داخل مياه الصرف، واستخدام الإنزيمات التى تنتجها هذه البكتيريا فى تفكيك الملوثات، مثل بقايا المضادات الحيوية والمعادن الثقيلة، بهدف رفع جودة المياه وتنقيتها، وبعد هذه المعالجة تصبح المياه أكثر أمانًا للاستخدام فى الزراعة أو حتى عند تصريفها فى النيل دون أن تُسبب أضرارًا بيئية أو صحية.
وتكمن أهمية هذا النهج فى أنه يوفر مصدرًا بديلًا للمياه يمكن الاعتماد عليه فى الرى الزراعي، خاصة فى مصر التى يُستخدم فيها نحو 85% من المياه العذبة فى الزراعة، ما يجعل إعادة استخدام المياه المعالجة بشكل آمن وسيلة مهمة لتقليل الضغط على الموارد المائية العذبة.
ما أبرز التحديات التى واجهتك خلال تطوير هذا البحث؟
ـ يُعد التمويل أحد أكبر التحديات التى تواجه البحث العلمى فى الدول النامية، فقد بدأنا المشروع بدعم من منحة دولية، لكن التمويل توقف بشكل مفاجئ، ما أثّر على سير العمل، وفى وقت لاحق جاء فوزى بجائزة اإينيب العالمية ليمنحنى دعمًا مهمًا، سواء من الناحية المالية أو من حيث إتاحة موارد بحثية متقدمة.
كيف تعاملتِ مع الإخفاقات خلال التجارب؟
ـ فى البحث العلمى لا يوجد فشل حقيقي، بل تجارب تمنحنا فهمًا أعمق، وأنا عمومًا أتعامل مع كل عقبة باعتبارها تحديًا يجب حله وأنه فرصة للتعلم والتطوير، وهذا هو جوهر البحث العلمي.
كيف ترين تأثير هذا النوع من الأبحاث فى الدول التى تعانى من ندرة المياه؟
ـ يسهم هذا النوع من الأبحاث فى تقليل التلوث الناتج عن استخدام مياه غير معالجة بشكل كافٍ، كما يساعد فى سد فجوة ندرة المياه من خلال إعادة استخدام المياه بشكل آمن. وفى دول مثل مصر، حيث يُستخدم نحو 85% من المياه العذبة فى الزراعة، يمكن أن توفر هذه التقنيات كميات كبيرة من المياه.
ما الدور المتوقع للتكنولوجيا الحيوية خلال السنوات المقبلة؟
ـ ستكون التكنولوجيا الحيوية عنصرًا أساسيًا فى مواجهة التحديات البيئية، لأنها تعتمد على حلول طبيعية ومستدامة، وتستفيد من الكائنات الدقيقة والعمليات الحيوية الموجودة بالفعل فى البيئة.
كيف أثّر حصولك على جائزة اإينىب الإيطالية العالمية على مسيرتك؟
ـ جائزة اإينىب العالمية ليست مجرد تقدير معنوي، بل تتضمن أيضًا دعمًا ماليًا، وهو ما أفضّل عدم التركيز على قيمته بقدر التركيز على أثره العلمي، وعمومًا سأستخدم هذا الدعم فى تمويل سفرى خارج مصر وتنقلاتى البحثية لاستكمال العمل على تطوير طرق تثبيت الإنزيمات، أى بمعنى آخر مبسط تثبيت الإنزيمات على مواد خاملة بحيث يمكن استخدامها داخل المياه ثم استعادتها وإعادة استخدامها عدة مرات دون فقدان كفاءتها، بما يجعلها قابلة لإعادة الاستخدام، وبهذا لا نحتاج إلى إنتاج إنزيم جديد فى كل مرة، بل يصبح الإنزيم مثبتًا على مادة لا تتأثر بالماء، يؤدى وظيفته ثم يمكن استرجاعه واستخدامه مجددًا، كما سيمكننى هذا الدعم من استكمال تطوير تقنيات أكثر كفاءة تجعل الإنزيمات قابلة للتطبيق على نطاق أوسع، بما يعزز من إمكانية استخدامها عمليًا فى معالجة المياه، إضافة إلى ذلك، وفرت لى الجائزة إمكانية الوصول إلى خادم حوسبة متقدم (High-Performance Computing Server)، وهو من أكبر الخوادم البحثية عالميًا، ويتيح قدرات حسابية متقدمة تتجاوز الحواسيب العادية، ما يساعد على تسريع وتحسين نتائج البحث، خاصة فى ظل تعقيد النماذج والبيانات التى نعمل عليها.
ما أبرز الفجوات فى البحث البيئى بالدول النامية؟
ـ تتمثل أبرز التحديات فى نقص التمويل وضعف البنية التحتية البحثية، إلى جانب محدودية الربط بين البحث العلمى والتطبيق الصناعي.
ما نصيحتك للباحثين الشباب؟
ـ أقول للباحثين الشباب إنه لا يوجد ما يُسمى بالإحباط فى البحث العلمي، فكل تحدٍ نواجهه يضيف لنا خبرة ويطور من مهاراتنا بشكل كبير، ومن المهم عند اختيار موضوع البحث أن يكون له تأثير حقيقى على الصحة العامة أو البيئة، أى أن يكون له أثر فعلى وليس مجرد عمل مدفوع بالشغف فقط، بل يجب أن يكون الهدف هو معالجة مشكلة بيئية أو صحية قائمة بالفعل، لأن هذا النوع من الأبحاث يكون أكثر تأثيرًا ويسهّل لاحقًا الحصول على دعم وتمويل لتنفيذه.
كما أؤكد ضرورة التركيز على أن كل مشكلة بيئية لها حل موجود بداخلها، لكننا نحتاج إلى البحث العميق للوصول إلى هذا الحل من داخل المشكلة نفسها، وهو ما يقلل من التعقيد والتكلفة فى كثير من الأحيان، ويجعل الحلول أكثر واقعية واستدامة.
اقرأ أيضا: لزيادة المساحات الخضراء.. مياه البحر الأحمر تنفذ خط ري بمحطة المعالجة الثلاثية

«التلمذة الصناعية».. تصحيح مسار أم مغامرة محفوفة بالمخاطر؟
الأزهر والبرلمان والحكومة.. من يرسم ملامح قانون الأسرة الجديد؟
اقتصاد الفحم.. كيف تحولت "المكامير" إلى أزمة بيئية في الغربية؟







