الأجيال الجديدة تعرف أن السادس من أكتوبر كان يوم العبور، وتعرف أن الخامس والعشرين من أبريل هو يوم تحرير سيناء، لكنها ربما لا تعرف بما يكفى أن بين اليومين جسرًا طويلًا من الدم والصبر اسمه حرب الاستنزاف لا تعرف أن أكتوبر لم يأتِ فجأة، وأن العبور لم يكن قرارًا عسكريًا منفصلًا عن سنوات من إعادة بناء الجيش، واختبار العدو، وتكسير ثقته، وتغيير ميزان السماء والأرض على ضفاف القناة، لذلك، فى ٢٥ أبريل تحديدًا، لا يكفى أن نحتفل بعودة الأرض؛ بل علينا أن نستعيد الطريق الذى جعل عودتها ممكنة.
حرب الاستنزاف لم تبدأ فى الوعى المصرى كفاصل عسكرى عادى بعد الهزيمة، بل بدأت كإجابة وطنية على سؤال كان بالغ القسوة: هل انتهت مصر بعد ٥ يونيو ١٩٦٧؟. كان العدو يتصور أن الجيش المصرى خرج من التاريخ، وأن سيناء صارت أمرًا واقعًا، وأن مصر ستحتاج عقودًا قبل أن ترفع رأسها، لكن ما جرى بعد ذلك قال العكس، فمرحلة الصمود بدأت مباشرة بعد النكسة، ثم تدرَّجت إلى دفاع نشط، ثم إلى مرحلة تحدٍّ وردع شملت عبور قوات وإغارات على مواقع العدو شرق القناة، لتتحول حرب الاستنزاف إلى المدرسة العملية، التى أعدت الجيش المصرى نفسيًا وعمليًا لمعركة أكتوبر، وحسب تقسيم المركز المصرى للفكر والدراسات الاستراتيجية مرَّت حرب الاستنزاف بثلاث مراحل: الصمود من يونيو ١٩٦٧ إلى أغسطس ١٩٦٨، ثم الدفاع النشط من سبتمبر ١٩٦٨ إلى فبراير ١٩٦٩، ثم التحدى والردع من مارس ١٩٦٩ إلى أغسطس ١٩٧٠.
كانت رأس العش واحدة من اللحظات، التى أعادت الروح قبل أن تُعيد الأرض، بعد أسابيع قليلة من النكسة حاولت قوة إسرائيلية التقدم لاحتلال بورفؤاد وتهديد بورسعيد، لكن قوة صغيرة من الصاعقة المصرية (٣٠ مقاتلًا) تمسكت بموقعها وصدّت الهجوم فى مواجهة -مع ١٠ دبابات ومشاة ميكانيكا-جرت بعد النكسة بأقل من شهرين وتحديدًا الأول من يوليو ١٩٦٧، وتمكَّنت القوة المحدودة من تدمير ثلاث دبابات وإجبار القوة المعادية على التراجع.
المعنى هنا أكبر من نتيجة ميدانية، رأس العش قالت إن الهزيمة ليست قدرًا، وإن الجندى المصرى الذى أُريد له أن يعيش فى ظل الانكسار قادر على أن يفرض على العدو احترامًا جديدًا، لذلك لم تكن رأس العش مجرد معركة؛ بل كانت بداية استعادة الثقة.
ثم جاءت عملية إيلات، وغيرها من العمليات البحرية والبرية، لتؤكد أن مصر لا تُدافع فقط، بل تُبادر وتضرب وتُفكر وتخترق، هذه العمليات لم تكن هدفها فقط إلحاق خسائر بالعدو، بل كسر الصورة التى حاولت إسرائيل تثبيتها بعد ١٩٦٧: صورة جيش لا يُقهر، وصورة مصر عاجزة عن الرد، وفى حرب الاستنزاف تغيَّرت المعادلة تدريجيًا، العدو الذى ظنَّ أنه سيستريح على الضفة الشرقية، وجد نفسه أمام جيش يعيد بناء نفسه تحت النار، ويعرف أن النصر لا يُولد فى يوم واحد، بل يُصنع فى آلاف التفاصيل الصغيرة: موقع يُحصَّن، دورية تُنفّذ، مدفعية تُرهق، ورجال يبقون على الجبهة سنوات من شبابهم لا يطلبون سوى أن تعود الأرض.
لكن الدرس الأكبر فى حرب الاستنزاف لم يكن عسكريًا فقط؛ بل كان درسًا فى كيف تُفاوض وأنت تُقاتل. عندما قُدمت مبادرة روجرز لوقف إطلاق النار عام ١٩٧٠، لم تكن مصر تقبل وقف النار لأنها تعبت من القتال أو لأنها تراجعت عن هدف التحرير، بل لأنها كانت تدرك أن السياسة جزءٌ من المعركة، فاقترحت وزارة الخارجية الأمريكية مبادرة «روجرز ٢»، التى دعت إلى وقف إطلاق النار لمدة ثلاثة أشهر، ومفاوضات برعاية مبعوث الأمم المتحدة جونار يارينج، وأن مصر وإسرائيل قبلتا المبادرة وتوقف القتال فى ٧ أغسطس ١٩٧٠.
هنا يظهر الدرس الدبلوماسى الكبير: قبول وقف إطلاق النار لا يعنى التخلى عن الهدف، بل قد يكون أحيانًا إعادة ترتيب للميدان، فالدول العاقلة تعرف متى تضرب، ومتى تقبل الهدنة، ومتى تحوّل الوقت نفسه إلى سلاح.
ومن قلب هذه المعادلة وُلد حائط الصواريخ، كان العدو يملك ذراعًا جوية متفوقة، وكانت سماء الجبهة فى البداية مكشوفة إلى حد بعيد، لكن مصر لم تستسلم لهذه الحقيقة، بل قرَّرت تغييرها، وتمكَّن رجال الدفاع الجوى، بقيادة المشير محمد على فهمى، من بناء حائط الصواريخ -كمنظومة دفاعية متكاملة تحت نيران العدو- الذى كان وجوده شرطًا أساسيًا لاتخاذ قرار الحرب، وأنه وضع حدًا لتوغل الطيران الإسرائيلى فى الأجواء المصرية وضمت المنظومة صواريخ سام-٢ وسام-٣ وسام-٦ مدعومة بالرادار، وهكذا صنعت مظلة حماية جوية عبرت تحتها القوات المصرية فى أكتوبر وأعادت الثقة للقوات المسلحة والشعب.
النصر إذن لم يكن وليد لحظة العبور فى ٦ أكتوبر، بل بدأ يوم رفض المصريون أن تتحوَّل النكسة إلى نهاية، بدأ فى رأس العش، وفى عمليات خلف خطوط العدو، وفى بناء حائط الصواريخ تحت القصف، وفى ليالى الجنود على الجبهة، وفى قرار سياسى يعرف أن وقف إطلاق النار قد يكون خطوة إلى الأمام إذا كان جزءًا من خطة أكبر، هذه ليست حكايات للتفاخر، بل دروس فى الدولة لمعاركها: كيف تنهض بعد ضربة موجعة، كيف تُعيد بناء جيشك، كيف تُفاوض من موقع الصلابة، وكيف تجعل الزمن يعمل لصالحك لا ضدك.
ولهذا، نحن فى حاجة إلى أفلام وثائقية أكثر عن حرب الاستنزاف، وعن رجالها، وعن تفاصيلها التى لا يعرفها كثيرون، نحتاج إلى أعمال تعرّف الشباب بأن التاريخ المصرى ليس فقط عنوانًا فى كتاب مدرسى، بل حياة كاملة عاشها شباب على الجبهة؛ شباب أفنوا سنوات عمرهم دفاعًا عن أرض لم يكن أحدهم يتعامل معها كخريطة، بل كبيت، هذه الصفحات لا بد أن تُروى بلغة معاصرة، وبصورة قوية، وبأرشيف مفتوح، وبشهادات الجنود والقادة والمدنيين، وهنا نُقدِّر كثيرًا قناة الوثائقية بما تُقدمه من أعمال تسجيلية وشهادات تُنعش ذاكرة المصريين بتضحيات خالدة لجيل أكتوبر العظيم، وخزانة قواتنا المسلحة مليئة بآلاف القصص الملهمة الجديرة بالتقدير والعرض، حتى يعرف الجيل الجديد أن سيناء لم تعد لأنها كانت مطلبًا سياسيًا فقط، بل لأنها كانت إيمانًا ودمًا وصبرًا وعلمًا وفنًا عسكريًا ودبلوماسية.
ثم تأتى سيناء اليوم لتقول إن التحرير لا يكتمل إلا بالتعمير، نحن لا نحافظ على سيناء بالذكرى وحدها، بل نحافظ عليها بالتنمية والطرق والمدن والزراعة والخدمات والوجود الإنسانى الحقيقى، الدولة أطلقت منذ ٢٠١٤ خطة شاملة لتنمية سيناء بمشروعات تجاوزت قيمتها ٦٠٠ مليار جنيه، واستأثرت شمال سيناء وحدها بنحو ٢٩٠ مليار جنيه، مع تنفيذ أكثر من ألف مشروع فى مختلف المجالات، وفى المرحلة الثانية الممتدة من ٢٠٢٣ إلى ٢٠٢٨، تستهدف الدولة تنفيذ ٣٠٢ مشروع إضافى فى شمال سيناء بتكلفة استثمارية ٣٦٣ مليار جنيه.
وفى الزراعة، لم يعد الحديث عن سيناء مجرد أمن وحدود، بل عن إنتاج وحياة، مشروع التنمية الزراعية فى سيناء يغطى نحو ١.١ مليون فدان، وقد تم استصلاح وزراعة ٢٨٥ ألف فدان منها حتى عام ٢٠٢٤، إلى جانب إنشاء ١٨ تجمعًا زراعيًا متكاملًا استفادت منها ٢١٢٢ أسرة فى سيناء، وفى الثروة السمكية، جرى تطوير ٤ مراسى صيد ببحيرة البردويل، وإزالة نحو ٣٥٠٠ طن من العوائق، مع تنفيذ مشروعات استزراع سمكى كبرى تضم أكثر من ٨٠٠٠ حوض، والعمل على إنشاء ٨ قرى متكاملة للصيادين بتكلفة تقارب ٣.٥ مليار جنيه.
فى رأيى، هذه هى الرسالة الأهم فى ٢٥ أبريل: سيناء لم تعد فقط بانسحاب آخر جندى إسرائيلى؛ سيناء تعود كل يوم عندما تُزرع، وتُعمّر، وتُربط بالوادى، وتُفتح فيها مدرسة ومستشفى وطريق ومزرعة وميناء، كما كان حائط الصواريخ يحمى سماء العبور، فإن التنمية اليوم هى حائط الصمود الجديد: تثبيت الناس فى أرضهم، وتحويل الجغرافيا من مساحة خطر إلى مساحة حياة، وتحويل الذاكرة من احتفال سنوى إلى مشروع مستمر.
٢٥ أبريل ليس يومًا لنقول فقط «استعدنا سيناء»، بل يوم لنسأل: هل نروى لأولادنا كيف استعدناها؟ هل يعرفون أن حرب الاستنزاف كانت المقدمة الصلبة لأكتوبر؟ هل يعرفون أن الدم الذى سقى الجبهة هو نفسه الذى يجعل التنمية اليوم واجبًا لا رفاهية؟
سيناء عادت بالحرب والدبلوماسية، وتبقى اليوم بالأمن والتنمية وبين رأس العش وحائط الصواريخ، وبين العبور والمشروعات القومية، هناك جملة واحدة تلخص تاريخ مصر مع هذه الأرض: نحن لا نحب سيناء بالكلام… نحافظ عليها بالدم، ثم نبنيها بالحياة.

الذكاء الاصطناعى سفينة نوح
الكل فى «ضهر المنتخب»
انتهاك إيرانى







