في لحظة تبدو فيها الحرب مُجرد اشتباك عسكرى جديد فى الشرق الأوسط تتكشف صورة أوسع وأكثر تعقيدًا؛ حيث لا تدور المعركة حول إيران فقط، بل حول مستقبل النظام العالمى نفسه، وحول من يملك مفاتيح الطاقة التى تحرك الاقتصاد العالمى، ومن يحدد قواعد اللعبة بين واشنطن وبكين.
منذ اندلاع المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران لم يعد مضيق هرمز مجرد ممر مائى ضيق، بل تحول إلى نقطة اختناق استراتيجية تمر عبرها قرابة 20% من تجارة النفط والغاز عالميًا، ما يجعل أى تعطيل فيه قادرًا على إعادة تشكيل الاقتصاد العالمى بالكامل.
وفى هذا السياق لم يكن الحصار البحرى الأمريكى ولا التصعيد العسكرى مجرد رد فعل، بل جزء من استراتيجية أوسع تهدف إلى التحكم فى تدفقات الطاقة العالمية، وخاصة تلك المتجهة إلى الصين.
التقارير الحديثة لـرويترز واشنطن بوست تشير إلى أن الولايات المتحدة لم تكتفِ بالضربات العسكرية، بل وسعت نطاق عملياتها لتشمل مراقبة الناقلات الإيرانية واعتراضها فى الخليج العربى، فى محاولة مباشرة للضغط الاقتصادى على طهران ومنع وصول النفط إلى الأسواق الآسيوية. وفى الوقت نفسه، تؤكد تغطيات إعلامية بريطانية مثل صحيفة الجارديان أن الحصار الأمريكى ما زال قائمًا رغم الحديث عن تهدئة مؤقتة، ما يعكس أن الهدف ليس فقط وقف التصعيد، بل إعادة ضبط ميزان الطاقة العالمى.
واردات الطاقة
لكن التأثير الأعمق يظهر فى الصين، التى تعتمد بشكل كبير على واردات الطاقة عبر هذا الممر؛ حيث تشير تقديرات إلى أن نحو 40% من النفط المتجه إلى الصين يمر عبر مضيق هرمز، ما يجعل أى اضطراب فيه بمثابة ضغط مباشر على الاقتصاد الصينى. ولهذا، لم يكن مفاجئًا أن تمارس بكين ضغوطًا على طهران لإبقاء المضيق مفتوحًا، فى محاولة لحماية أمنها من الطاقة وسط تصاعد المخاطر.
مراكز الأبحاث الغربية بدأت بدورها فى قراءة هذا المشهد بشكل مختلف؛ حيث يرى مجلس الأطلسى أن الحرب لم تعد مجرد صراع إقليمى، بل أزمة طاقة عالمية تهدد بإعادة تشكيل الأسواق وإحداث نقص واسع فى الإمدادات. بينما تشير تحليلات حديثة من مؤسسات بحثية إلى أن السياسة الأمريكية تبدو مدفوعة بشكل متزايد بالرغبة فى السيطرة على مسارات الطاقة العالمية فى ظل نظام دولى يتجه نحو التعددية القطبية.
وفى هذا الإطار يصبح استهداف إيران ليس غاية فى حد ذاته، بل وسيلة لضرب أحد أهم مصادر الطاقة البديلة للصين؛ فمع العقوبات المفروضة على روسيا ومحاولات عزلها اقتصاديًا، أصبحت إيران تمثل أحد الشرايين الحيوية لبكين، وبالتالى فإن تعطيل صادراتها يعنى تضييق الخناق على الاقتصاد الصينى بشكل غير مباشر.
التطورات الميدانية تعكس هذه الحقيقة بوضوح؛ حيث أظهرت التقارير أن حركة الشحن فى مضيق هرمز تراجعت بشكل حاد، وأن العديد من السفن فضلت التوقف أو تغيير مسارها بسبب المخاطر الأمنية، ما أدى إلى اضطراب فورى فى الأسواق العالمية. كما أن أسعار النفط شهدت تقلبات حادة بين الارتفاع والانخفاض مع كل تطور سياسى أو عسكرى، ما يؤكد أن الطاقة أصبحت سلاحًا بحد ذاته فى هذه المواجهة.
استهداف الطاقة
واللافت أيضًا أن هذه الاستراتيجية لا تقتصر على إيران فقط، بل تمتد إلى شبكة أوسع من الدول؛ حيث تشير تحليلات مراكز مثل مجلس العلاقات الخارجية إلى أن استهداف تدفقات الطاقة يندرج ضمن صراع أوسع على النفوذ الاقتصادى العالمى، وأن الصين، رغم تأثرها، تسعى إلى تقليل اعتمادها على النفط عبر الاستثمار فى الطاقة البديلة وبناء احتياطيات استراتيجية ضخمة.
خارج حدود الصين ومنذ نهاية الحرب العالمية الثانية أمضت الولايات المتحدة عقودًا فى محاولة استمالة الدول سياسيًا وتوجيهها نحو مواجهة الصين على ثلاث جبهات: اليابان وكوريا، والهند وباكستان، وجنوب شرق آسيا. ويشمل ذلك الفلبين، التى تخلت عن اتفاقيات البنية التحتية الحديثة مع الصين، وحوّلت مواردها الوطنية إلى تعزيز الوجود العسكرى الأمريكى داخل مستعمراتها السابقة، وإلى تصعيد المواجهة مع الصين فى بحر الصين الجنوبى، وكانت وثائق السياسة الأمريكية، بما فيها وثيقة صادرة عن كلية الحرب البحرية الأمريكية عام 2018 قد اقترحت سابقًا قصف خطوط الأنابيب خلال أى صراع مفتوح مع الصين، كجزء من احصار نفطى بحرىب أوسع نطاقًا.
وتسعى الحرب الأخيرة على إيران التى تستهدف غالبية واردات الصين من الطاقة إلى إلحاق أكبر قدر ممكن من الضرر بالتنمية الاقتصادية الصينية قبل انقضاء فرصة سانحة تمتد من 5 لـ10 سنوات، مع سعى الصين لتحقيق الاكتفاء الذاتى فى مجال الطاقة. فيما كانت الصين على دراية تامة بجهود الولايات المتحدة لفرض حصار عليها لعقود، واستثمرت محليًا ودوليًا فى الاستعداد لهذا الحصار والتصدى له.
اقرأ أيضا: تعثر مفاوضات واشنطن وطهران تهز الاقتصاد العالمي.. كيف تأثر النفط وأسواق المال؟
وأصبح الحصار البعيد الذى اقترحته ورقة بحثية لكلية المراجعة البحرية الأمريكية فى مضيق ملقا عام 2018 غير ممكن على الأرجح، نظرًا للتوسع الهائل فى القوة العسكرية الصينية منذ ذلك الحين. فالصين لا تمتلك قوة صاروخية أكبر وأكثر تطورًا فحسب، بل تمتلك أيضًا أسطولًا بحريًا أكبر حجمًا من نظيره الأمريكى، وقد ركزت قواتها البحرية فى منطقة آسيا والمحيط الهادئ.
إنتاج الوقود
ولهذا السبب ـ على الأرجح ـ فرضت الولايات المتحدة الحصار على مضيق هرمز، الأبعد بكثير عن القدرات العسكرية الصينية، ومع ذلك، يبدو أن الصين قد استعدت لهذا أيضًا؛ فقد راكمت احتياطيات هائلة من النفط الخام الاستراتيجى، وتوسع إنتاج الوقود السائل من الفحم بوتيرة متسارعة، واستثمرت فى موارد الطاقة المتجددة وتبنتها على نطاق غير مسبوق فى التاريخ.
وفى الوقت نفسه، تكشف الأزمة عن حدود القوة الأمريكية نفسها؛ حيث تشير تقارير حديثة إلى أن الحلفاء الأوروبيين مترددون فى الانخراط الكامل فى التصعيد العسكرى، وأن المخاوف من أزمة طاقة عالمية تضغط على مواقفهم السياسية، وهو ما يعكس تراجع القدرة الأمريكية على فرض إرادتها بشكل مطلق كما كان فى السابق.
ووفقًا لمجلة افورين أفيرزب الأمريكية، فإن أوروبا لا تستطيع الاستغناء عن الصين، ليس كخيار سياسى، بل كضرورة اقتصادية واستراتيجية؛ حيث تعتمد أوروبا على الصين كسوق ضخمة ومصدر صناعى وتكنولوجى أساسى، حتى فى ظل تزايد المخاوف الأمنية، وتعكس التطورات هذا الأسبوع هذا الاعتماد بوضوح، حيث يسعى قادة أوروبيون إلى تعميق العلاقات مع بكين رغم الضغوط الأمريكية، معتبرين أن الصين شريك لا غنى عنه فى عالم يتجه نحو التعددية. كما أن إعادة توجيه الصادرات الصينية نحو أوروبا بعد تراجع التجارة مع واشنطن يعزز هذا الترابط الاقتصادى. وبينما تحاول أوروبا تقليل المخاطر، فإن الواقع يفرض معادلة معقدة: منافسة استراتيجية مع الصين، لكنها فى الوقت نفسه شريك اقتصادى لا يمكن تعويضه.
كل ذلك يشير إلى أن الحرب على إيران ليست مجرد مواجهة تقليدية، بل جزء من صراع أوسع لإعادة تشكيل النظام الدولى عبر التحكم فى موارد الطاقة وخطوط إمدادها؛ فواشنطن تدرك أن السيطرة على النفط تعنى السيطرة على الاقتصاد العالمى، وأن الضغط على الصين عبر الطاقة قد يكون أكثر فاعلية من المواجهة العسكرية المباشرة.
وفى المقابل تبدو الصين أكثر استعدادًا مما كان متوقعًا؛ حيث عملت خلال السنوات الماضية على تنويع مصادر الطاقة وتطوير بدائل داخلية، ما يمنحها قدرة نسبية على امتصاص الصدمات، ومع ذلك فإن استمرار الاضطرابات فى مضيق هرمز يبقى تهديدًا حقيقيًا لنموها الاقتصادى.
الكونجرس للبيع!.. التمويل الخفي يحكم انتخابات أمريكا
حرب إيران تشعل الخلافات.. تحالف «واشنطن ــ أوروبا» يتصدع
هدنة هشة فوق برميل بارود.. الشرق الأوسط على حافة الانفجار







