البيئة والمناخ:سعر النملة الواحدة 250 دولارًا

لماذا يطارد المهربون «ذهب إفريقيا» الصغير؟

ذهب إفريقيا
ذهب إفريقيا


بينما كانت أجهزة التفتيش فى مطار كينيا الدولى تمسح الحقائب بحثاً عن الممنوعات التقليدية، توقفت فجأة أمام طرد غريب لم يكتنز صاحبة ذهباً ولا مخدرات، بل كان يحمل فى أحشائه «جيشاً صامتاً» من ألفى نملة من نوع «الحاصد الإفريقي» مخبأة داخل أنابيب اختبار ولفافات ورقية.
 لم تكن هذه مجرد محاولة لتهريب حشرات عابرة، بل كانت كاشفة عن تجارة عالمية غامضة تحول الكائنات المجهرية إلى «ذهب حي» يطارد المهربون بريقه فى أدغال إفريقيا ومطارات العالم.
خلف هذا المشهد البوليسى فى كينيا، تكمن حقيقة مذهلة عن تحول تربية النمل من مجرد فضول طفولى إلى استثمار ضخم وهواية نادرة تجتاح صالونات النخبة فى أوروبا واليابان والصين. 
ويقول د. عمرو عبد السميع، أستاذ الحشرات بكلية العلوم فى جامعة القاهرة، إن هذه الهواية تقوم على وجود أحواض زجاجية متطورة تُعرف بـ «الفورميكاريوم»، يراقب الهواة من خلالها بشغف بناء الإمبراطوريات تحت الأرضية، حيث يبرز النمل من نوع « الحاصد الإفريقى « كالموجود فى كينيا، كأحد أثمن القطع فى هذه المجموعات الحية بفضل حجم ملكاته الضخم وسلوكه الاجتماعى الفريد. 
ويضيف أن « هذا الشغف العالمى خلق سوقاً سوداء لا ترحم، حيث يمكن لملكة نمل واحدة أن تباع فى مزادات الإنترنت بمبلغ 250 دولارًا، مما يجعل شحنة مطار كينيا بمثابة كنز متنقل تتضاعف قيمته بمجرد عبور الحدود القارية لتصل إلى أرقام خيالية».
أضرار بيئية 
لكن ما يراه الهاوى فى باريس أو طوكيو كقطعة ديكور حية، تراه الأرض فى موطنها الأصلى كمهندس لا غنى عنه لبقاء الحياة، فهذه الحشرة الصغيرة هى التى تتولى مهمة «حرث» التربة وتوزيع البذور وإعادة الحياة للمناطق الجافة، وضياع مستعمراتها يعنى ببساطة خللاً فى الرئة التى تتنفس بها الأرض الإفريقية. 
ويؤكد د.عبد السميع أن هذا الاستنزاف المنظم لملكات النمل خلال مواسم التزاوج يترك ثقوباً فى جدار التوازن البيئى لا تُرى بالعين المجردة لكن أثرها يتراكم بمرور السنين، مما يحرم الطبيعة من قدرتها على تجديد غطائها النباتى وخصوبة تربتها، وهو ما يفسر سبب العقوبات المشددة التى تتخذ بحق مهربى هذه الكائنات الصغيرة.
 ولا تتوقف المأساة عند حدود السرقة البيئية من دول المصدر، بل تمتد لتتحول إلى «قنبلة موقوتة» فى الدول المستوردة، ففى حال هروب هذه الكائنات إلى بيئات جديدة، قد تتحول من حشرات نادرة إلى «غزاة» مدمرين يكتسحون الأنواع المحلية ويقلبون السلاسل الغذائية رأساً على عقب. 
ولذلك، يختم عبد السميع بالإشارة إلى أن « ما كشفته سلطات كينيا ليس مجرد قضية تهريب، بل هو جرس إنذار ضد نوع جديد من الجرائم البيئية المنظمة التى تستهدف أصغر سكان الكوكب لتمويل تجارة تقدر بملايين الدولارات، محولة توازن الطبيعة الهش إلى سلعة تُباع وتُشترى فى مزادات الإنترنت المظلم».