بعد عام 2013 شهدت جماعة الإخوان المسلمين الإرهابية تحولات هيكلية كبرى أدت إلى ظهور ما عُرف بـ"تيار العمل النوعى" أو "اللجان النوعية"، وهو الجناح الذى تبنى الصدام المسلح مع الدولة بشكل مباشر.. ومن أبرز القيادات الإخوانية التى تبنت استراتيجيات العنف محمد كمال مؤسس اللجان النوعية، ومحمد بديع المرشد العام الثامن للجماعة، ومحمود عزت القائم بأعمال المرشد العام بعد القبض على بديع، بالإضافة إلى محمد البلتاجى وصفوت حجازى، فهؤلاء قادوا عمليات إعادة الهيكلة نحو العمل المسلح رداً على سقوط حكم الجماعة.
عبد الرحمـــن الــبر الأكـاديمـى والقــيادى فى جمــاعة الإخــوان المسلمين الإرهابية دوراً بارزاً داخل التنظيم، حيث عُرف بلقب مفتى الجماعة، كما كان من أبرز قيادات العنف بالتنظيم الإرهابى، فهو لم يكن مجرد ناقل للنصوص الدينية، بل كان مهندس الشرعية لمرحلة العنف، ومن خلال خطابه سعى إلى إلغاء الخط الفاصل بين المعارضة السياسية والعمل الإرهابى، من خلال إقناع الكوادر بأن العنف المسار الشرعى الوحيد المتبقى أمام الجماعة، ليكون دوره توفير الغطاء الفقهى الذى يحول العمل الإرهابى فى نظر المنفذ إلى عمل تعبدى.
كما أنه من الجيل الذى حاول الموازنة بين المنهج الأزهرى التقليدى وبين أدبيات الإخوان الحركية، ورغم خلفيته الأكاديمية الرصينة إلا أن انخراطه العميق فى العمل السياسى التنظيمى حوّل طريقه العلمى للارتباط بشكل وثيق بالصراع السياسى الذى شهدته مصر فى العقد الأخير، فقد تحول من مفتٍ إلى قاضٍ ومحرض على القتل والإرهاب.
وتكمن خطورة دوره تحديداً فى كونه ابناً للمؤسسة الأزهرية؛ حيث استغل زيّه وعلمه الأزهرى لإقناع الشباب بأن ما تطلبه الجماعة من عمليات قتل وتدمير لا يخالف الشريعة، وهذا التطويع جعل الشباب الأكثر تديناً ينساقون وراء دعوات الحشد والعنف، ظناً منهم أنهم يطبقون صحيح الدين بناءً على رأى عالم أزهرى متخصص.
تحول خطاب البر من الدعوى الأكاديمى إلى التحريضى الميدانى، ليصبح شريكاً فى التحريض على أحداث العنف التى شهدتها البلاد بعد ١٣ يونيو، حيث لم تكن كلماتُه مجرد آراء سياسية، بل كانت فتاوى حركية تُرجمت على الأرض إلى مواجهات مسلحة وعمليات تخريبية.
فبعد أحداث يونيو 2013 استغل عبدالرحمن البر صفته الأكاديمية كأستاذ لعلم الحديث ومكانته كـمفتٍ للجماعة لإضفاء شرعية دينية على الصدام مع الدولة، حيث اعتمد خطابه فى تلك المرحلة على استراتيجيات محددة لتطويع النص الدينى لخدمة الأهداف السياسية والحركية، فقد عمل البر على نقل مفاهيم الجهاد والشهادة من سياقها التقليدى ضد العدو الخارجى، وإسقاطها على الصراع السياسى الداخلى، وتصوير الخصومة السياسية مع مؤسسات الدولة على أنها معركة بين إيمان وكفر أو حق وباطل، مما جعل التحريض على العنف يبدو كأنه واجب شرعى لحماية العقيدة، وليس مجرد صراع على السلطة.
وكانت خطبه فوق منصة رابعة العدوية تمثل الذروة فى استخدام الدين الحركى، من خلال استحضار السيرة النبوية، واستغلالها لإسقاط الأحداث التاريخية والمعارك الإسلامية - مثل غزوة بدر أو الأحزاب - على الواقع المصرى، للإيحاء بأن المتواجدين فى الاعتصام هم الفئة المنصورة، وأن خصومهم هم المنافقون أو الأعداء، بالإضافة إلى استخدامه النصوص التى تحث على الصبر فى المواجهات العسكرية، لرفع سقف التمسك بالمطالب السياسية، مما ساهم فى شحن القواعد وتجهيزهم نفسياً للمواجهة العنيفة.
كما سعى من خلال خطابه التحريضى إلى شرعنة استهداف قوات الأمن، واستمر فى ذلك من خلال فتاوى ومقالات نُشرت عبر المنصات التابعة للجماعة، ليساهم البر فى إيجاد مبررات فقهية لاستهداف أفراد الجيش والشرطة، فخطابه التحريضى وفتاواه المخالفة للدين تركز على أن هؤلاء الأفراد أداة للظلم، وبالتالى فإن مقاومتهم - بما فى ذلك العنف - تدخل ضمن باب دفع الصائل اوهو مصطلح فقهى يعنى الدفاع عن النفس ضد المعتدىب، مما أدى إلى رفع الحرج الدينى عن المنخرطين فى العمليات المسلحة.
ولم يكن عبدالرحمن البر يتحدث كأكاديمى بعد يونيو 2013 بل كمنظِّر ميدانى يصيغ المبررات الشرعية للتصعيد، ففى خطاب الفسطاطين من فوق منصة رابعة العدوية استخدم البر تقسيم الولاء والبراء بشكل سياسى حاد، مستحضراً لغة الحروب الكبرى فى التاريخ الإسلامى، ووصف المعتصمين بأنهم أصحاب الحق المطلق، أما من يواجههم فوصفهم بأعداء الله، لينزع الإنسانية عن رجال الدولة ومؤسساتها، فعندما يفتي عالم دين بأن الطرف الآخر يمثل الباطل المحض، فإنه يزيل المانع الأخلاقى والدينى عن ممارسة العنف ضده، لأن قتاله يصبح فى نظر الأتباع قربة إلى الله.
كما تضمنت مقالات وتسجيلات للبر تم بثها عبر قنوات مثل رابعة ومكملين تركيزه على تأصيل فقهى لفكرة المقاومة العنيفة، من خلال تطبيق قاعدة دفع الصائل- التى تُستخدم شرعاً للدفاع عن النفس ضد اللصوص أو المعتدين- على رجال الشرطة والجيش أثناء قيامهم بمهامهم، وهو ما يعد تطويعا خطيرا وتحريفا للقاعدة، لأنه قلب الأدوار، فجعل من رجل الأمن معتديا، بينما الشخص الذي يحمل السلاح أو العبوة الناسفة مدافعاً عن نفسه وعرضه، وهذه الفتوى الملفقة والمخالفة للدين كانت الوقود الفكرى لمجموعات إرهابية مثل حسم ولواء الثورة التي خرجت من رحم هذا الفكر لاحقاً.
كما يُعد البر أحد أبرز الموقعين والمؤيدين لما عُرف بـنداء الكنانة فى مايو 2015 الذى يُعتبر المظلة الشرعية للعنف، كما يُعد الوثيقة الأخطر التى شارك فيها البر، حيث انتقل من التحريض العام إلى التحديد العملياتى، وهو بيان وقَّع عليه عدد من المنتمين لتيارات إسلامية مختلفة، وتضمن البيان تحريضاً صريحاً على استهداف القضاة، والإعلاميين، ورجال الأمن، واعتبر العمليات ضدهم قصاصاً مشروعاً، حيث تضمن البيان عبارات صريحة مثل أن الحكام والقضاة والضباط والجنود والمفتين والإعلاميين والسياسيين وكل من يثبت يقينًا اشتراكهم فى سفك الدماء قتلة، وأن حكمهم فى الشريعة القصاص.
ولم يكتفِ البيان بالتحريض، بل أهدر دماء فئات كاملة من المجتمع، باستخدام مصطلح القصاص، مما يعد تلاعبا بالمصطلحات الشرعية، لمنح الأفراد العاديين الحق فى تنفيذ عمليات اغتيال وتفجيرات تحت مسمى تطبيق الشرع، مما يفتح الباب للفوضى والإرهاب الفردى والجماعى.
البر حصل على الدكتوراه فى الحديث وعلومه من كلية أصول الدين بجامعة الأزهر، وعمل أستاذاً لعلم الحديث، وشغل منصب عميد كلية أصول الدين بالمنصورة، وله العديد من المؤلفات والكتب المتخصصة فى السنة النبوية وعلوم الحديث، ما منحه ثقلاً شرعياً داخل أروقة الجماعة وخارجها.
انتُخب عضواً بمكتب الإرشاد، وهى أعلى سلطة تنفيذية داخل الجماعة، وبصفته مفتى الجماعة كان المسئول الأول عن تقديم التبريرات الفقهية والشرعية لمواقف الجماعة السياسية وتحركاتها الميدانية، وعملياتها الإرهابية.
وبرز اسمه بشكل مكثف بعد ثورة يناير 2011، وكان من المتحدثين الرسميين باسم التنظيم الإرهابى فى منصة رابعة العدوية عام 2013، واتسمت خطاباته فى تلك الفترة بالمزج بين النصوص الدينية والحشد السياسى، وكان يركز على مفاهيم الشرعية والثبات.
بعد أحداث فض اعتصام رابعة اختفى البر عن الأنظار لفترة قبل أن يتم إلقاء القبض عليه فى يونيو 2015 بمدينة الجيزة، وصدرت ضده عدة أحكام قضائية مرتبطة بالأحداث التي تلت عام 2013، ومن أبرز القضايا التى ثبت ضده الاتهام فيها قضية قطع طريق قليوب، وصدر ضده حكم بالإعدام، وتم تخفيفه لاحقاً إلى المؤبد، أما فى قضية فض اعتصام رابعة فحُكم عليه فيها بأحكام مشددة، كما وُجه له الاتهام مع قيادات الجماعة فى قضية غرفة عمليات رابعة بإدارة تحركات ميدانية لمواجهة الدولة.
اقرأ أيضا:
أفاعى «الإخوان» (14) .. صالح عشماوى .. أحد مؤسسى النظام الخاص
صلاح دندش يكتب : تخاريف
أيمن بدرة يكتب: الملك الكروي بين الإنجليزي والمصري







