ذكرى مذبحة بحر البقر| كيف يدون الفن صرخات الأطفال في ذاكرة تتوارثها الأجيال؟

مذبحة بحر القر
مذبحة بحر القر


تحولت مذبحة بحر القر إلى جرح إنساني ظل ينزف في الوجدان, تتوارثه الأجيال بين الحكاية والذاكرة والصورة, وكشفت عن هشاشة الإنسان أمام قسوة الحرب حين تمتد خارج ساحات القتال لتصيب الأبرياء في قلب حياتهم اليومية.

ومع مرور أكثر من خمسة عقود على الحادث, يظل السؤال حاضرا بقوة, كيف خلد الفن هذه المأساة؟, وهل تعامل معها بما يليق بحجمها, أم ظل حضورها محدودا في الهامش مقارنة بعمق الحدث؟.

يتوقف المؤلف محمد حلمي هلال أمام مذبحة “مدرسة بحر البقر”, مستعيدا أثرها العميق في وعيه منذ الطفولة, وكيف تحولت لاحقا إلى أحد المصادر الملهمة في تجربته الدرامية كاشفا كواليس تعامله معها إنسانيا وفنيا, ويقول: “ كنت لا أزال في مرحلة الدراسة الإعدادية وقت وقوعها ولم يكن قد بدأ مشواري في الكتابة بعد, لكن تلك التفاصيل ظلت عالقة في ذاكرتي خاصة وقعها الإنساني القاسي, وما عبر عنه وقتها الشاعر صلاح جاهين بكلمات مؤثرة رسخت المأساة في وجدان جيل كامل من خلال أغنية “ الدرس انتهى لمو الكراريس”, ليظل استهداف الأطفال علامة استفهام كبرى مع صعوبة استيعاب الدوافع, متسائلا عن أسباب تكرار ذلك في مناطق الصراع, وكيف يمكن أن تصل قسوة الحروب إلى هذا الحد من الانتهاك لحقوق المدنيين خاصة الأطفال.

ذلك الحادث القاسى ظل حاضرا في ذاكرتي بعد دخول عالم الكتابة, حتى جاءت الفرصة لترجمته في معالجة درامية من خلال فيلم “حكايات الغريب”, والذي قدم جانبا إنسانيا من آثار تلك المرحلة.

ويستعيد حلمي كواليس بداية المشروع, قائلا:عرض علي المنتج ممدوح الليثي رواية للكاتب جمال الغيطاني تدور حول شخصية واحدة, سائق يعمل مندوب توزيع لإحدى المؤسسات الصحفية, ويصر على أداء عمله في ظل ظروف الحصار, قبل أن يختفي تدريجيا ليصبح رمزا للصمود والتضحية, ولكن بعض الآراء رأت أنها لا تصلح للمعالجة السينمائية, ومع ذلك قررت تطويرها دراميا باضافة بعض التعديلات الجوهرية على بنائها, وقمت بإعادة صياغة الحكاية.

وقمت بزيارة ميدانية برفقة المخرجة إنعام محمد علي, إلى مدينة السويس, وشاهدنا مواقع حقيقية كانت تستخدم كمخابئ خلال القصف, وهو ما ساعد على بناء تصور واقعي للأحداث خاصة ما يتعلق بالاعتداءات التي طالت مناطق مدنية, من بينها المدرسة وأيضا حادث مصنع أبوزعبل, لأنها وقائع طالت المدنيين بعيدا عن جبهات القتال, مما جعلها أكثر قسوة على الوعي الإنساني.

ويتابع قائلا: ترجمة هذا الحادث دراميا كان أمرا شديد الحساسية, فتحويل هذه الوقائع إلى عمل فني لم يكن سهلا, خاصة مع محدودية الإمكانيات الإنتاجية وأجر رمزي فقط 300 جنيها في ذلك الوقت, ورغبة صناع العمل في تقديم تجربة إنسانية مؤثرة رغم ضيق الميزانية, وبالرغم من ذلك تناولت جانبا واسعا من هذه الأحداث في فيلم “حكايات الغريب” لكن دون تخصيص حادث بحر البقر بعينه، بل جاء ضمن السياق الدرامي, نظرا لقسوة التفاصيل وصعوبة تمثيلها بصريا, مشيرا إلى أن فريق العمل تواصل مع جهات رسمية للحصول على معلومات موثقة, واطلع على مواد بصرية شديدة القسوة لم يكن من الممكن نقلها بالكامل إلى الشاشة, وهو ما فرض تحديات كبيرة أمام المعالجة الفنية.

ويتابع: رغم قوة الحدث إلا أن عدد الأعمال الفنية التي تناولته كانت محدودة, وذلك بسبب صعوبة تجسيدها دراميا, إلى جانب قسوة تفاصيلها التي تفوق قدرة الصورة على الاحتمال, فضلا عن انشغال الأعمال الفنية آنذاك بتناول نصر أكتوبر وما تبعه  من تحولات دون التعمق الكافي في هذه المأساة.

ويرى أن تقديم عمل فني متكامل عن هذه الواقعة يمثل ضرورة تاريخية وثقافية, لأنه يتيح للأجيال الجديدة فهم سياق ما حدث بكل تفاصيله.

أعمال محدودة

وفي شهادة إنسانية ونقدية لافتة, تستعيد الناقدة د.عزة هيكل تفاصيل لحظة وقوع مذبحة مدرسة بحر البقر كما عاشتها طفلة, مقدمة قراءة تمتزج فيها الذاكرة الشخصية بالتحليل الفني لحضور الحدث في السينما والدراما المصرية, تقول: لقد عاصرت لحظة وقوع حادثة مدرسة بحر البقر كنت طفلة وقتها, إلا أن المشهد ظل محفورا في ذاكرتي منذ سماع خبر قصف مدرسة ابتدائية في إحدى قرى محافظة الشرقية عبر الإذاعة, وما تبعه من حالة ذهول عامة إلى جانب قصيدة صلاح جاهين التي غنتها شادية والتي مثلت في وجداني أول توثيق فني للمأساة.

وترى هيكل أن تناول السينما للمجزرة جاء محدودا, وتقول: لم يتم تقديمها في عمل فني متكامل يروي تفاصيلها بشكل مباشر, بل اكتفت بعض الأعمال بالإشارة إليها بشكل عابر ضمن سياقات درامية أوسع, إلا أن الحدث ظل حاضرا في الوجدان الشعبي أكثر من حضوره على الشاشة.

المأساة رغم قسوتها ظلت راسخة في الذاكرة الجمعية للمصريين, ولا يمكن محوها من الوعي حتى مع محدودية توظيفها فنيا, فالمجزرة مازالت فى ذاكرة المصريين, وبعض الأحداث التاريخية قد تخلد بقصيدة أو مشهد أو رواية قصيرة أكثر من فيلم كامل.

وتدعو إلى ضرورة تقديم هذه المرحلة للأجيال الجديدة بشكل موثق ودرامي, مقترحة إنتاج عمل فني يرصد حياة الأطفال الضحايا قبل الحادث وبعده مع ربطه بسياق أوسع يشمل أحداثا متزامنة مثل حادثة مصنع أبوزعبل الذى اسفر عن 70 قتيلا من عمال المصنع بما يعكس حجم المرحلة وتداعياتها.

مع أهمية تنويع البناء الدرامي في أي عمل مستقبلي, بحيث لا يقتصر على شخصية واحدة, بل يعتمد على تعدد الشخصيات وتداخل الأجيال مع ربط الماضي بالحاضر, وتؤكد أن أي معالجة فنية ناجحة يجب أن تمتد بجذورها إلى الحاضر, بحيث لا تقدم المأساة كحدث تاريخي منفصل, بل كذاكرة حية يعيشها من نجا منها ويستعيدها عبر الزمن, كمن يراودهم الحنين والألم إلى زملاء الدراسة والمكان الذي غابوا عنه, وتشدد على أن العمل في هذه الحالة يحتاج إلى خيال درامي خصب وإنتاج رفيع وكتابة حساسة قادرة على التقاط المشاعر بصدق وهدوء, بعيدا عن المبالغة أو الخطاب المباشر والصوت المرتفع، حتى لا يفقد أثره الإنساني العميق.

وتتابع: الشكل الأنسب لتناول هذه المرحلة هو الدراما التلفزيونية الممتدة نحو 15 حلقة, لما تمنحه من مساحة أوسع للتفاصيل وتعدد الخطوط الدرامية, مقارنة بالفيلم السينمائي الذي قد لا يتسع لرصد الحدث.

وتضيف: محدودية الأعمال التي تناولت هذه الواقعة تعود إلى عدة أسباب, من بينها طبيعة المرحلة السياسية والاقتصادية خلال حرب الاستنزاف والانشغال الوطني بعبور الأزمة، ثم تأثير نصر أكتوبر الذي طغى على ما قبله، إلى جانب التحولات السياسية والفكرية اللاحقة التي انعكست على توجهات الكتابة الفنية, ولأنها مرحلة كانت مثقلة بالانكسار لحلم وأمل مما جعل الاقتراب منها دراميا أمرا صعبا, في وقت فضل فيه كثير من المبدعين الانتقال إلى مراحل أكثر إشراقا في التاريخ المصري.

سياق عام

وفي السياق ذاته, يرى الناقد سيد محمود أن مذبحة مدرسة بحر البقر لم تحظ بالمعالجة الفنية التي توازي حجمها الإنساني والتاريخي, رغم كونها واحدة من أبشع الجرائم التي استهدفت الأطفال في التاريخ المصري, ويقول: تناول هذه المأساة في السينما جاء محدودا, واقتصر على عدد قليل من الأعمال الفنية من بينها فيلم “حائط البطولات”,  و”حكايات الغريب”, بالإضافة إلى فيلم “العمر لحظة”, الذي يعتبر الأبرز بينهم بل يكاد يكون العمل الوحيد الذي اقترب من الحدث بشكل مكثف ومباشر, الفيلم قدم المأساة من خلال زيارة بطلة العمل ماجدة الصباحى للمدرسة ومتابعتها لحالة الأطفال المصابين, ضمن معالجة درامية إنسانية كتبت بعناية واعتبرت من أفضل ما تناول الواقعة, ورغم ذلك فإن غالبية الأعمال الوطنية التي تطرقت إلى بحر البقر اكتفت بالإشارة إليها ضمن السياق العام للأحداث دون أن تجعلها محورا رئيسيا للسرد, ويستثنى من ذلك الفيلم التسجيلي “الجريمة”, الذي أنتجه المركز القومي للسينما, إذ يعتبر العمل الوحيد الذي وثق الحادثة بشكل مباشر من خلال تصوير الموقع الحقيقي ورصد تفاصيل الجريمة.

ويضيف قائلا: على الرغم من أن حادثة بحر البقر تعد من أوائل الجرائم التي استهدفت الأطفال بشكل مباشر في الصراع العربي الإسرائيلي, فإن حضورها في الإنتاج الفني والإعلامي ظل محدودا, ولم يتم استثمارها بما يكفي لإيصالها إلى الأجيال الجديدة أو إلى الرأي العام الدولي بنفس القوة.

فعلى مستوى الغناء على سبيل المثال كان الحضور أكثر محدودية, حيث تظل أغنية “الدرس انتهى لموا الكراريس” التي كتبها صلاح جاهين وغنتها شادية, العمل الأبرز الذي عبر بصدق عن المأساة واستطاع أن يخلدها في وجدان المصريين.

ويتابع: أرى ضرورة إعادة قراءة التاريخ المصري الحديث بشكل شامل لا يقتصر على لحظات الانتصار فقط، بل يمتد ليشمل فترات الألم والتحديات وما ارتبط بها من خسائر وتضحيات في سياقات إقليمية مختلفة.

ويربط الناقد هذا الغياب النسبي بعدة عوامل, من بينها ارتفاع تكلفة إنتاج الأعمال التاريخية التي تتطلب ميزانيات ضخمة, إلى جانب الحاجة إلى كتاب ذوي خبرة يمتلكون أدوات بحثية ودرامية قوية, مشيرا إلى أن الاقتباس عن رواية أدبية مكتوبة يمنح السيناريو زخما إبداعيا أكبر, لأن الكاتب الروائي غالبا مايرتبط وجدانيا بالحدث ويكون أكثر قدرة على نقل شغفه وتفاصيله, وهو ما ينعكس بدوره على قوة البناء الدرامي للعمل السينمائي أو التلفزيوني. فضلا عن تخوف المنتجين من ضعف العائد التجاري لمثل هذه النوعية من الأعمال.

ويشدد محمود على ضرورة إعادة تقديم هذه الواقعة من خلال عمل سينمائي جديد, معتبرا أن السينما تظل الوسيط الأكثر تأثيرا وانتشارا, مقارنة بالأعمال التسجيلية التي يقتصر جمهورها غالبا على المتخصصين.

ويختتم رؤيته بالتأكيد على أن أي معالجة فنية جديدة يجب أن تقوم على أسس واضحة, في مقدمتها التوثيق الدقيق وعدم الاكتفاء بسرد الحادثة بل ربطها بالسياق العام الذي عاشته مصر آنذاك, بدءا من مرحلة ما بعد جمال عبد الناصر, مرورا بالتحولات التي قادها أنور السادات, وصولا إلى الاستعدادات العسكرية والسياسية التي مهدت لتحقيق النصر في حرب أكتوبر, ويؤكد أن الهدف ليس مجرد استدعاء الحزن, بل تقديم سرد متكامل يبرز كيف واجهت مصر هذه المأساة, وكيف استطاعت استعادة حقها انطلاقا من إيمان راسخ بأن ذاكرة الشعوب لا يجب أن تنسى تضحياتها.

اقرأ  أيضا: وضع إكليل من الزهور على نصب شهداء بحر البقر بالشرقية