للغموض سحر يمنعنا من رؤية الكثير من الأشخاص على حقيقتهم، فإذا أضىء المشهد اكتشفنا أننا كنا ضحية لخداع نحمد الله أنه لم يستمر طويلا.
أثر الفراشة.. وتأثير القذائف!
الأربعاء:
شوارع القاهرة خالية على غير العادة. قديما كنت أحرص على التجول بها بعد الثانية صباحا. فى هذا التوقيت تبدو بنايات وسط البلد فاتنة، تستعرض جمالها بعد أن اطمأنت إلى هدوء فرض وجوده بعد رحيل البشر عنها. انتهاء الزحام يمنح العابرين القلائل فرصة النظر لأعلى، دون خوف من التصادم مع جحافل المارة. الأمر مختلف هذه المرة، فأضواء المدينة غائبة، مما يسلب المنشآت فتنتها.
فى أوروبا تُغلق المحال أبوابها مبكرا، لكن الشوارع لا تتنازل عن أنوارها، لهذا يُصبح التجوال بها هدفا لعشّاق الجمال منزوع الصخب. الإغلاق هناك ليس بهدف الترشيد، بل دعما لثقافة راسخة منذ عقود، تحمى قيمة العمل من اجتياح طوفان التسلية. الأمر لدينا مختلف، فالترشيد أمر مفروض بقوة الأمر الواقع، فى عالم يكتشف ضعفه مع كل حرب جديدة.. وما أكثرها خلال الأعوام الأخيرة.
فى 1963 ابتكر عالم الأرصاد الأمريكى إدوارد ليورينتز نظرية «أثر الفراشة»، ومع الوقت خلع المصطلح عباءته العلمية، وصار ضيفا مُفضلا على السرديات الأدبية، ربما فرض نفسه اعتمادا على جاذبية مفرداته، التى تفتح الأبواب أمام الخيال. باختصار شديد تستبعد النظرية تأثير الصدفة، وتفترض أن حركة رقيقة لأجنحة فراشة فى اليابان قد تسبب إعصارا فى أمريكا! فما بالنا والأمور تجاوزت أجنحة الفراشات إلى دوى انفجارات الصواريخ والمُسيرات، هنا تصبح التأثيرات أكثر قوة، على سطح كوكب تهدده أزمة وقود.. بل وجود!.
بعد أيام من هذه الزيارة تم تعديل مواعيد الإغلاق الليلى، واستعاد وسط المدينة صخبه الليلى لساعتين إضافيتين، غير أننى لن أستفيد من ذلك، فقد أصبحت العودة للبيت مبكرا أكثر ملاءمة لمن هم فى مثل عُمرى.
صوتى مرفوع من الخدمة!
الجمعة:
أتابع المعركة الانتخابية عن بُعد، وأتلقى رسائل تراودنى عن «صوتى» من أصدقاء رشحوا أنفسهم، كثرة عددهم يصيبنى بحيرة حقيقية، من منهم من يستحق دعمى ومن يُمكن أن أضحى به؟ فى المعارك الانتخابية أضع القدرة على الإنجاز فى صدارة تقييماتى، وأطيح بقيمة الصداقة جانبا لأننا أمام عمل عام، ولسنا فى سياق علاقة نسب أو مصاهرة، أو حتى لقاء ودى لطيف على مقهى. ولأننى بشر أعترف أن المجاملة تفرض نفسها أحيانا، ووقتها أبحث عن مبرر يمنح ضميرى راحة مؤقتة!
بعيدا عن نتائج انتخابات اتحاد كتاب مصر، استوقفتنى حدّة الدعاية التى امتدت أحيانا للضرب تحت الحزام، فانزلق بعض المحسوبين على النخبة إلى الخوض فى الأعراض، وترويج تسريبات لمكالمات ورسائل يُفترض أن تبقى سرية، فضلا عن إنشاء حسابات وهمية، تطرح منشورات يعاقب عليها القانون. أقرأ فى صمت وأكبت غضبى، كى لا أستدرج فى تعليقات أنتقد فيها استهداف «البنية الأساسية» للقيم، رغم أن أعضاء الاتحاد ينبغى أن يتصدّوا لسلبيات المجتمع، بدلا من تركها تتسلل إلى مجتمعهم الراقى وتشوهه.
أخيرا قررت مقاطعة هذه الانتخابات نهائيا، بعد أن ظللت أحرص على المشاركة بها فى سنوات سابقة، ولو من مقاعد المتفرجين، وأعتذر لأصدقائى الذين خذلهم صوتى المرفوع من الخدمة، وأعتقد أنهم سيتفهمون موقفى.. خاصة عندما يعلمون أننى لستُ عضوا فى الاتحاد أصلا!
انتحار أديب شاب
الأحد:
تقطع السيارة طريقها فى شارع عبد الخالق ثروت، يلفت نظرى مدخل «حديقة جروبى». قبل سنوات كنتُ ضيفا دائما على المكان، أعتبره واحة مريحة وسط زحام وسط المدينة، يُفترض الآن أن أنطلق فى رحلة مع لقاءات اعتاد أن يستضيفنى فيها، غير أننى أتذكر «رام» بطل الرواية اليتيمة لمؤلف لا يعرفه الكثيرون.. اسمه وجيه غالي، أدين له بفضلٍ كبير بعد أربعة عقود من انتحاره!
فى مثل هذه الأيام من عام 2008 أعلنت رنات الهاتف المحمول عن مكالمة، الرقم الدولى منحنى نوبة تفاؤل لأنه يشير إلى أن مصدرها هو الإمارات، وبالفعل أخبرتنى المتحدثة أنها ممثلة لجائزة الصحافة العربية، علمتُ منها أننى مرشح للفوز، عن تحقيق «مثقفو القاهرة يبحثون عن الرجل الغامض وجيه غالى».
سمعتُ اسمه للمرة الأولى من الشاعر شعبان يوسف، عندما قابلته بالصدفة أمام مكتبى قادما لزيارة بعض الزملاء، صممتُ على استضافته، وخلال حديثنا طلب منى الكتابة عن ترجمة رواية غالى إلى العربية، وهى الترجمة الأولى رغم نشرها قبل أكثر من أربعين عاما بالإنجليزية. لم أهتم بالأمر لأن المؤلف مجهول، كما أننى لا أكتب عن الاصدارات بل أعد تحقيقات صحفية لجريدة «الشرق الأوسط». غالبا شعر شعبان بالضيق منى، غير أنه كان مضطرا لانتظار فنجانى قهوة طلبتهما لنا، وانصرافه سيؤكد شعوره بعدم قبوله اعتذارى عن الكتابة. خلال جلستنا، حكى لى عن ذلك الشاب الذى هاجر من مصر لاستكمال دراسته للطب فى أوروبا، وصل إلى ألمانيا ثم انتقل إلى انجلترا، وعاش حياة عبثية شغلته عن استكمال دراسته، وفى 1964 نشر روايته «بيرة فى نادى البلياردو» بالإنجليزية، لتحظى باحتفاء نقدى فى بريطانيا وأمريكا، وعقب النكسة زار إسرائيل، وكتب عن زيارته لصحيفة «التايم» البريطانية. أسباب الزيارة ودوافعها ظلت غامضة، لكنها أصبحت غير مستغربة من وجهة نظرى، فى سياق دراستى بعد ذلك لشخصيته المضطربة، فغالبا خطط لها بهدف توفير مورد مالي، انطلاقا من ترويجها باعتبارها أول زيارة من مصرى إلى تل أبيب. وفى نهاية 1968 أقدم غالى على الانتحار فى لندن، وهو فى الثامنة والثلاثين من عمره.
الغموض جذبنى لإعداد تحقيق استقصائى عن هذا الرجل الغامض، الذى نجح فى جذب اهتمامى أكثر من روايته، ولم تكن رحلة البحث هينة لأن المعلومات المتوافرة عنه شحيحة جدا، وهو ما اختلف بعدها بسنوات، حيث رأت مذكراته النور، بالإضافة إلى نشر عدد من رسائله وصدور كتب عنه، من أهمها كتاب «بعد جنازة»، للأديبة الإنجليزية ديانا آثيل، وتحدثت فيه عن علاقتها المرتبكة مع وجيه غالي.
أنتبه إلى أن السيارة لا تزال متوقفة أمام حديقة جروبى، وكأنها تبدى بعضا من الاحترام لذكرياتي. إنه تفسير أكثر رومانسية من الإشارة إلى اختناق مرورى عطلها عن السير!
سحر الغموض
علمتُ بنشر التحقيق خلال أدائى للعمرة عام 2007، عبر اتصال من المخرجة هالة لطفى أبدت إعجابها به وطلبت تحويله إلى فيلم وثائقى، وبعدها ضاعت الفكرة وسط دوامات الحياة، إلى أن اتصلتُ بها مستنجدا عقب علمى بالترشح لجائزة دبي، فقد طلبوا منى نسخة أخرى من الموضوع المنشور، ولم أجد أمامى سوى محاولة يائسة، وأنا أدعو الله أن تتمكن من العثور على نسخة الجريدة عندها. طبعا كنت شبه متأكد أنها ستعتذر، غير أنها أخبرتنى أن حديثها بحماس عن تحقيقى دفع مخرجا صديقا لطلب قراءته، وبعد سلسلة اتصالات أخبرنى أنه عثر على النسخة، وقابلته فى الثالثة صباحا لآخذها منه، وتمكنتُ من إرسالها فى الساعات الأخيرة من المهلة التى منحتها لى إدارة الجائزة.
هل هو القدر يفرض على بعض الوقائع أن تتشابك؟ أم أن سياقات الأحداث تجعلها تتجمع مثل فسيفساء متناغمة؟ مقابلة بالصدفة مع شعبان يوسف، وسيارة تقف بجوار حديقة جروبي، فى توقيت يصادف ذكرى الجائزة، وقبلها بأسابيع يطلب منى المخرج الصديق أحمد رشوان معالجة لفيلم وثائقى عن وجيه غالى.. الذى أعترف أننى أحببته عندما كانت شخصيته تكتسى بالغموض، ثم ارتفع حاجز نفسى يفصلنى عنه عندما قرأت مذكراته.
للغموض سحر يمنعنا من رؤية الكثير من الأشخاص على حقيقتهم، فإذا أضىء المشهد اكتشفنا أننا كنا ضحية لخداع نحمد الله أنه لم يستمر طويلا.

حكايات من دفاتر الآثار
أسرار جائزة مصطفى وعلى أمين
سفارى قتل البشر







