أخيرا يحاول العالم أن يلتقط أنفاسه بعد عدة أسابيع من كتمها والرعب من نتائجها. هى فترة مضطربة دون شك نعيش خلالها ظروفا صعبة يمر بها العالم كله. وقد تتفاوت معاناة الناس فى أرجاء العالم بحسب قربهم من هذه المنطقة الملتهبة من العالم وارتباط أسباب حياتهم وسلامهم بها.
لكن لا شك أن العالم كله قد تأثر بين مضرور بشدة ومضرور أخف ومستفيد معنويا وماديا.. وإذا كان هناك مستفيدون معنويون فذلك ينطبق على الدول التى راقبت وانتهزت الفرصة وفرضت وجودا ملموسا رغم بعدها الظاهرى عن الصراع الثلاثى بين أمريكا وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى. ولست بصدد تحليل المستفيد والخاسر من الدول فذلك مجاله رحب ومداه الزمنى ممدود وستظهر نتائجه على المدى القصير والمتوسط والبعيد على خريطة العالم الجديدة التى لا شك أنها تتشكل فى فترتنا تلك.
وبطبيعة الحال فقد ألقت الأزمة بظلالها على الواقع الداخلى لدول المنطقة ومنها الواقع الداخلى على الساحة المصرية كما على الواقع الداخلى للساحات العربية عموما والخليجية على وجه الخصوص. وهو ما ألقى ومازال يلقى بآثاره على أسباب العيش ومتطلبات الحياة، فهو صراع مجنون يزكى نيرانه قوى غاشمة يقودها الطمع فى مقدرات المنطقة وفى تغيير جغرافيتها لأسباب منتحلة مزيفة يلصقونها بالدين والحتمية القدرية، وكلاهما برىء من أطماع ذلك المأفون وانصياع ذلك المقامر المجنون.
نتنياهو وترامب يصران على قيادة العالم نحو المجهول، وأدنى نتائج مغامرتهما العمياء هو تنغيص عيش أهل هذه المنطقة من العالم وتحويل حياتهم إلى معاناة، فضلا عن المأساة بالقتل والتدمير والتهجير، أزمات لا تخطئها عين ولا يتعامى عنها إلا من يفتقد النظر والإحساس أو من يعيش فى برج عاجى ويسعد بها بالتبعية مافيا أثرياء الحروب ومستثمرى الأزمات، فى غياب الرقابة وموت الضمير لدى من يستثمرون الأمر ليتحول بالنسبة لهؤلاء المافيا إلى دجاج يبيض ذهبا يستمدونه من معاناة الناس وقوت أولادهم.
ويصير الناس ضحايا بين مطرقة الأزمة وفروضها وسندان إجراءات يضار منها المستهلكون ويستثمرها عدماء الضمير والمحتكرون.
لقد حبى الله مصر وأهلها بوفرة الخيرات فى الأسواق والمتاجر، ولايشعر الناس غالبا بنقص فى المواد الغذائية والمحاصيل الزراعية، لكن ذلك لا يمنع المستغلين من «التلكك» على أى إجراء يمثل لهم فرصة لممارسة استغلالهم فلا يتورعون عن اهتبال الفرصة بلا هوادة لتتحول بضائعهم القديمة إلى مكاسب حرام بلا وازع من رحمة، ولايراعون أن السلعة المخزونة لديهم ليس من حقهم أن يبيعوها بالزيادة الجديدة، فضلا عن استغلالهم للشراء الكبير بغرض التخزين ممن يمتلكون القدرة على ذلك، وليتحول الأمر إلى مشكلة ثلاثية: محتاج يعانى وقادر يستحوذ وتاجر يزيد الضغط بقلة المعروض وزيادة السعر.
ومما قرأت أن الرحالة الإيرانى ناصر خسرو زار مصر فى القرن الخامس الهجرى وأقام بها فترة ووصف الحياة فيها بدقة فى مؤلفه الشهير (سفر نامة)..أكتفى منه بمشهدين يلخصان كيف كانت مصر وقتها:
(وفى اليوم الثالث من شهر دى القديم «ديسمبر - يناير»رأيت فى يوم واحد هذه الفواكه والرياحين:الورد الاحمر والنيلوفر والنرجس والترنح والنارنج والليمون والمركب والتفاح والياسمين والريحان الملكى والسفرجل والرمان والكمثرى والبطيخ والعطر والموز والزيتون والرطب والعنب والباذنجان والقرع واللفت والكرنب والفول الأخضر والخيار والقثاء والبصل والثوم. والجزر والبنجر) انتهى ما ذكره الرحالة من أنواع شاهدها بنفسه فى يوم واحد بأحد أسواق مصر وفيها الصيفى والشتوى والربيعى والخريفى، وفيه ما فيه من ثراء مصر بخيرات الله من كل الأصناف وفى كل الأوقات تقريبا.
أما المشهد الآخر فيقول فيه ناصر خسرو: (وتجار مصر يصدقون فى كل ما يبيعونه. وإذا كذب أحدهم على مشتر فإنه يوضع على جمل ويعطى جرسا بيده ويطوف به فى المدينة وهو يدق الجرس وينادى قائلا: قد كذبت وها أنا أعاقب. وكل من يقول الكذب فجزاؤه العقاب).
انتهى كلام ناصر وأتساءل: إذا كانت أسباب معيشتنا متوافرة ورغم ذلك نئن من الغلاء بسبب الجشع والاستغلال فكم جملا نحتاج لتجريس الكاذبين والمستغلين من التجار وكم منهم سيقول قد كذبت وغششت واحتكرت وربحت مالا حراما من البسطاء؟. وبالطبع لا أقصد الجمال التى نعرفها فلم تعد وسيلة تناسب عصر النت والمحمول وشبكات التواصل الاجتماعى واليوتيوبرز ،فالرمز من القصة أهم من الوسيلة،ولو حاولنا تطبيقها فستكون منصات ميتا وإنستجرام وغيرهما من وسائط العصر ـ ستكون الأسعد بملايين ومليارات الفيديوهات التجريسية، وإن اختلط حابلها بنابلها وضاعت معها الحقيقة والغرض الشريف كما يحدث فى ذلك العالم المثير..
وأعلم وأعرف مقدما كثيرين سيقولون: ومن دفعهم إلى هذا وشجعهم عليه؟!
والإجابة كما أراها أولا مع سبق الإصرار والترصد هى الطمع والجشع وضعف الوازع الرادع لدى هذه الفئات ومن يعاونهم من المفسدين وموتى الضمائر. ولا علاج لهم جميعا سوى الضرب بيد من حديد، فإن الله تعالى يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن.

علي عبد الحفيظ يكتب: الأزهر الشريف ووأد الفتنة
تامر عادل يكتب: كأس العالم من عاصمة مصر الجديدة
فى الاحتفال بيوم إفريقيا التمسك بالتنمية المستدامة







