بعد فوزه التاريخي والكاسح أوائل (يوليو2024م)، وبعدد أصواتٍ بلغت وقتها (412 مقعدًا) في مقابل هزيمةٍ مذلّةٍ لحزب المحافظين برئاسة (ريشي سوناك) بعدد أصواتٍ (121 مقعدًا)، خرج (كير ستارمر) على البريطانيين في مؤتمر صحفي (22يونيو2026م)، وقبل أن يتمّ عامه الثاني بأيامٍ على دخوله (Downing Street 10)، ليعلن استقالته من منصبه كرئيسٍ للوزراء وزعيمٍ لحزب العمال. استقالة ربما لم تختلف الأسبابُ التي أدت إليها في مجملها عن تلك التي أجبرت مثيلاتٍ سالفة عليها لنحو عقد من الزمان، وإن كانت جميعها لحزبٍ محافظٍ منافسٍ لحزب ستارمر العمالي. استقالاتٌ كانت الأوضاع الاقتصادية الداخلية المتأزمة، وفي طليعتها ملفاتُ الصحة وأزمة السكن والهجرة وغيرها، السبب الأبرز خلفها. تلك الملفات الملتهبة، والتي عانت منها كلُّ فئات الشعب البريطاني دون بارقة أمل في الأفق في حلها، بل ووفق حالهم تزداد سوءًا وتأزّمًا يومًا بعد آخر، وحكومةً بعد أخرى حتى كان سوطُ الشعب لاهبًا لظهور رؤساء ستة تقلدوها، آخرهم اليوم ستارمر، في سابقةٍ لم تكن مألوفة يومًا في تاريخ بريطانيا الحديث.
إذن، أزمات داخلية ضاغطة، سياسية واقتصادية، فضلًا عن فضائح شخصية؛ نحو فضيحة صديقه المقرّب (ماندلسون)، والذي عينه ستارمر سفيرًا في واشنطن، ثم تبيّن لاحقًا عمق علاقته بجيفري إبستين؛ على إثر ذلك كله وغيره تراجعت شعبية ستارمر وحزبه إلى ما دون (20%)، ومن ثمّ خسارة مهينة لحزب العمال في الانتخابات المحلية (2026م)، في مقابل صعود مدوًّ لحزب الإصلاح البريطاني (ريفورم) اليميني المتطرف بزعامة (نايجل بول فاراج). هذا فضلًا عن فوز منافسه (آندي بيرنهام)، عمدة مانشستر الكبرى، والملقب بملك الشمال، وبفارق كبير في انتخابات فرعية؛ كل ذلك دفع ستارمر مرغمًا إلى تقديم استقالته. وسواء أسكن فاراج (Downing Street 10)، أو بيرنهام أو حتى غيرهما يكون السؤال: هل ستُحل تلك الملفات الداخلية المتأزمة، والتي أطاحت بكل تلك الحكومات المتلاحقة، محافظة وعمالية؟!
وبعيدًا عن كل ذلك ويزيد، وعن الإنجازات التي راح يعددها ستارمر في بيان استقالته، إلا أن ما لفت انتباهي في حديثه جملتان؛ الأولى، والتي صدّر بها حديثه، أن كل قراراته خلال فترة حكمه كانت تهدف إلى وضع مصلحة البلاد أولًا. جملةٌ ربما سيذهب إليها كلّ مَن كان في مثل منصب ستارمر وموقفه هذا قاصدًا بها الداخل بالدرجة الأولى. لكن هل كان يقصد بها ستارمر إلى ما هو أبعد من ذلك؟! لا سيّما بعد موقفه الرافض لحرب إيران، ورفضه الانخراط فيها بداية باعتبارها غير قانونية، حد تصريحه أمام مجلس العموم البريطاني بعدم تكرار خطأ حرب العراق؛ الأمر الذي أدى إلى توتر في العلاقات بينه وبين ترامب حدّ انتقاد الأخير له، بل وتوبيخه حدّ ذهابه وقتها إلى ما هو أبعد من ذلك، وفي إهانة سياسية مبطنة تشكك في مستوى قيادة ستارمر، راح يقارن بينه وبين زعماء بريطانيين سابقين، قائلًا: هذا ليس تشرشل الذي نتعامل معه. توتر لم يخف ترامب في ظله شماتته في رحيل ستارمر حد إعلانه عبر منصته تروث سوشيال عن استقالته حتى قبل أن يعلنها ستارمر بنفسه مبررًا ذلك -ادّعاءً منه- بفشله فشلًا ذريعًا في ملفي الهجرة والطاقة. غير أن الواقع السياسي، وتباين الرؤى والمواقف بين الرجلين ربما يكون سبب تلك الشماتة ﻻ سيّما وأن هناك ملفات داخلية مشابهة أثبت فيها ترامب هو الآخر فشله.
في (يناير2025م)، وفي تصريحاتٍ لقناة فوكس نيوز الأمريكية هوّن ترامب من دور دول حلف شمال الأطلسي (الناتو) خلال النزاع الذي امتد لنحو ( 20 عامًا وبدأ بغزو أفغانستان عام 2001م)، وكيف أن واشنطن لم تكن بحاجة إليهم مطلقًا. وكيف أن قوات الدول الحليفة بقيت في الخلف قليلًا، بعيدةً عن خطوط المواجهة الأمامية، والتي تصدرت لها وحدها القوات الأمريكية. تصريحات أثارت غضب الجميع لا سيّما بريطانيا، أقرب وأوثق حلفاء أمريكا التاريخيين؛ إذ عبّر ستارمر -ومن فوره- عن صدمته من تلك التصريحات، المُنكِرة لتضحيات (457 بريطانيًّا) قضوا في تلك الحرب، فضلًا عن المصابين بإصابات غيّرت مجرى حياتهم للأبد. واصفًا تلك التصريحات الجاحدة بالمهينة والمروّعة، داعيًا ترامب إلى الاعتذار منها، قائلًا: لو كنتُ مكانه لاعتذرتُ بالتأكيد. وهو ما كان من ترامب فعليًا مكرهًا. فمن المؤكد أن ترامب لم ينس له ذلك، كما أنه لم ينس له موقفه من حرب إيران، هذا فضلًا عن موقفه الصلب الرافض لضم غرينلاند؛ فكانت شماتته اليوم. على أية حال، وكأن ترامب بذلك يومئ بطرف عينه لستارمر ولغيره، ولسان حاله: هذا مصيرُ كل مَن يجدف عكس تيار سفينتنا، حتى وإن كان رئيس وزراء بريطانيا العظمى. ورسالة وقحة منه يرسلها بعلم الوصول إلى رئيسة وزراء إيطاليا (جورجيا ميلوني)، والتي ذهلت هي الأخرى من تصريحاته الفجة عن الناتو سالفة الذكر وقتها. مليوني التي لقنته درسًا قاسيًا من فورها ردًّا على تصريحاته الشاذة والبعيدة كل البعد عن الذوق والعرف الدبلوماسي، عن توسلها لالتقاط الصور معه على هامش اجتماع مجموعة السبع الكبرى في فرنسا (2026م)، مؤكدة أن إيطاليا -والتي تؤدي كل الطرق إلى قلبها روما- لا تُبتزّ.
فهل لتلك الوُجهة وجاهتها كأحد الأسباب الضاغطة، والتي دفعت ستارمر إلى الاستقالة حتى قال جملته: إن كل قراراته خلال فترة حكمه كانت تهدف إلى وضع مصلحة البلاد أولًا؟! أم أن الأمر شأن داخلي صرف؟! وأنه أكبر من ترامب وغيره فقط خيط التقط طرفه ترامب ليبدو، وبغمزة عين، وكأنه المتحكم في كل أمور الكوكب، والمتصرف فيها؟! وإذا لم يكن الأمر برمّته على هذا النحو فهل للصهيونية وجماعات ضغطها رأي آخر ﻻ سيّما وقد كان من بين الإنجازات التي عددها ستارمر في بيان استقالته أنه نجح في معالجة أزمة معاداة السامية حزبه؟! وأيًّا ما كان يرمي إليه ستارمر إلا أنه، ومن المؤكد، أن إسرائيل لن تنسى لحكومة ستارمر بيانها (مايو 2025م)، والذي نددت فيه، مع فرنسا وكندا، بتوسيع مستوطنات الضفة، واستمرار حرب غزة، وتجويع الفلسطينيين. والمطالبة بوقف تلك الحرب، والتي بلغت حدًّا لا يمكن قبوله أو السكوت عليه. وفي مواجهةٍ جادةٍ كانت هي الأولى في قوتها ولهجتها وخطواتها العملية؛ إذ أوقفت بريطانيا وقتها اتفاقية جديدة للتجارة الحرة مع إسرائيل؛ الأمر الذي استشاطت منه إسرائيل غضبًا، إذ لم تندد بهذا البيان الثلاثي وحسب وإنما راحت تصبّ جام غضبها على بريطانيا. بريطانيا صاحبة وعد بلفور، والذي مكنها من أرض فلسطين، والذي لولاه لما تم لها ذلك كله؛ فراحت تتهكم من بريطانيا -بعد أن وصفت موقفها بالمخزي- قائلةً: لقد ولّى زمن الانتداب البريطاني منذ (77 عامًا).
لن تنسى إسرائيل لحكومة ستارمر موقفها الداعم للقضية الفلسطينية في مؤتمر حلّ الدولتين، نيويورك (30يوليو2025م)، ولبيانه الختامي الذي نص على إنهاء حرب غزة، والتسوية السلمية للقضية الفلسطينية، وإقامة دولتها في (15شهرًا). بعد أن ألهب فيه (ديفيد ﻻمي) وزير خارجيتها ظهر إسرائيل بخطابٍ حاسمٍ وجديد كل الجدة على السياسة البريطانية تجاه سياستها في غزة، وفلسطين، ورفضًا لنهجها هناك، حدّ استدعائه بلفور ووعده، مؤكدًا أنه لم ينصّ على المساس بالحقوق الثابتة للفلسطينيين. مؤكدًا وقتها أن بريطانيا ستعترف بدولة فلسطينية خلال اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة (سبتمبر2025م)، ما لم توقف إسرائيل حربها على غزة، والعمل على حلّ الدولتين. وهو ما ذهب إليه ستارمر نفسه وقتها، وتزامن فيه مع حديث لامي، لفظًا ومعنى، وهو ما كان فعلًا.
ومهما يكن من أمر، فإنه ومن المؤكد أن أزمات الداخل البريطاني المتراكمة، وما ترتب عليها، وما صاحبها من أزمات طالت ستارمر نفسه، كانت -وﻻ شك- هي السبب الرئيس في دفعه إلى الاستقالة دون سواها إلا أن ذلك لا يمنع ربما، وفي رأيي، من دخول أذرع الصهيونية كخَصلةٍ أصيلةٍ فيها على خط الأزمة، وربما تخليقها أصلًا، والدفع بستارمر دون هوادة أو رحمة إليها، لمواقفه سالفة الذكر، مستغلة في ذلك، وفيما أرى أيضًا، وتبرع فيه دومًا، وسائل التواصل الاجتماعي لمطاردته، وإحكام الحصار عليه، والضغط عليه، ومن ثمّ استقالته. هذا فضلًا عن دعم مثل فاراج اليميني المتطرف، صديقها الموثوق فيه، والداعم لضرباتها ضد إيران، ولحربها في غزة، ولإبادتها بحق شعبها هناك، والرافض كذلك لإقامة دولة فلسطينية؛ لتكون رسالة منها في الأخير لمثل ستارمر القانوني وفاراج اليميني أن إسرائيل لا تنسى.

ياسر عبد العزيز يكتب: «أبو ريدة المونديالى».. كيف زرع الروح فى جسد «مصر الكروية» مرتين ؟!
كتيبة المبتسمين!
استفزاز غير مقبول !





