الحياة بعد الـ 9 مساءً البحث عن «لمة العيلة» فى زمن الغلق المبكر

لمة العيلة
لمة العيلة


مع دقات التاسعة مساء، ينتهى يوم المواطنين خارج منازلهم، لتبدأ مرحلة جديدة داخل البيوت، بين مؤيد يراها فرصة ذهبية لاستعادة «لمة العيلة» المفقودة وضبط إيقاع النفقات، ومعارض يواجه ضغوطاً اقتصادية وضيقاً فى الوقت.. وسط هذا الاختلاف، يظهر التحدى الحقيقي، هل يتحول البيت إلى واحة للدفء والشراكة الإنسانية، أم يصبح ساحة للتوتر والقيود، إنها مرحلة اختبار لصلابة الروابط الأسرية، وقدرتنا على استبدال ضجيج الخارج بسكينة ومودة الداخل.
 

تقول أمنية محمود (40 عاماً)، ربة منزل، إن الغلق المبكر ساهم فى تقوية روابط أسرتها وغير إيقاع حياتها بالكامل، فقد كان زوجها يعود متأخراً يومياً بسبب الجلوس على القهوة مع أصدقائه، بينما الآن أصبح يقضى وقتاً أطول معها فى المنزل وبين أولادهما، وتحكي: «بقينا نتعشى مع بعض ونتكلم، وده مكنش بيحصل قبل كده، ومن ناحية تانية قللنا النفقات فقد كنا ننفق الكثير من الأموال على الخروجات الليلية بينما الآن قلت كل هذه المصروفات، وبقينا نوفر جزء من الفلوس ونقضى وقتنا فى البيت».
أما عمر عبد الرحمن (عامل توصيل طلبات) فيوضح أن أكثر أوقات عمله كانت بعد التاسعة مساء ما تسبب فى خفض دخله بشكل ملحوظ منذ تطبيق القرار، موضحا: «الشغل بيقف بدري، وده أثر عليا جدا لأنى بعتمد على الشيفت الليلي، وده خلانى أبدأ أدور على شغل تانى بالنهار علشان أعوض الفرق».
وزاد الغلق الأعباء اليومية لدى منال سيد (موظفة وأم لطفلين)، فقد كانت تعتمد على الخروج مساء لقضاء احتياجات المنزل بعد العمل أو للتنزه مع أطفالها، أما الآن فتجد نفسها مضطرة لإنهاء كل شيء فى وقت ضيق، وتشرح: «اليوم بقى زحمة قوي، ومفيش وقت كفاية أخلص كل حاجة ومواعيد التمارين والدروس أصبحت مضغوطة ومفيش فرصة للخروج والفسح بالليل وده خلاهم يلجأوا للشاشات بس أكيد هنتعود».
ومن جانبها ترى د. عزة زيان أستاذ علم الاجتماع والإرشاد الأسرى أنه سواء فكرة الحظر التى كانت فى فترة جائحة كورونا أو فكرة الغلق الحالية وعلاقتها بالأسرة المصرية، وما الذى فعلته أو ستفعله، فهذا كله يعتمد على شيء واحد فقط وهو طبيعة العلاقة الأصلية والأساسية بين أفراد الأسرة قبل الغلق، هل كانت أسرة مترابطة وجميلة، يتحدث أفرادها مع بعضهم البعض ويرى كل منهم الآخر؟ أم أنهم مجرد أشخاص يعيشون معا ويمتلكون مفاتيح لبيت واحد لكن دون ترابط حقيقى أو حوار أو نقاش أو شراكة أو انتماء للأسرة.. وجاءت فكرة الإجبار على البقاء داخل المنزل لتخلق مشكلة إضافية؛ حتى لو لم نكن قريبين فى الأساس، سنصبح قريبين رغما عنا، وفكرة الإجبار فى حد ذاتها تحدث ضغطاً نفسياً على الجميع: الرجل، والمرأة، والطفل، والشاب، والكبير. فعندما أشعر أننى مجبر على شيء، يتولد بداخلى ضيق مستمر، وهذا الضيق ينتقل للآخرين فتصبح حالة عامة من التوتر، وكأن كل فرد يقول: لن أتحمل وحدي، بل سنشترك جميعا فى هذا الشعور.
وتشرح د. عزة: «من هنا، كان الخروج من المنزل يمثل المتنفس الوحيد للبعض، لكن لماذا كان الخارج هو المتنفس؟ لأن هناك عوامل طرد داخل البيت، فصار الخارج بمثابة السند، خاصة مع وجود  البدائل مثل الكافيهات، وأول خطوة لحل هذه المشكلة ليست التعامل مع وقت الغلق فقط، بل العودة إلى أصل العلاقات ومعرفة السبب وراء نفور الزوج أو الأبناء أو الزوجة نفسها، فتلجأ إلى العمل أو الأصدقاء أو أى شيء يبعدها عن البيت.. الحل بسيط فعلينا أن نراجع أنفسنا ونبحث عن أوجه النقص لدينا، أو حتى لدى الطرف الآخر، ونحاول الإصلاح. وأول طريق الإصلاح هو الاعتراف بالخطأ، فلا يمكن أن تحل مشكلة إذا ألقى كل طرف باللوم على الآخر، فالحل يبدأ عندما أعتبر نفسى جزء من المشكلة، وأبدأ فى البحث عن حل، ثم أطرحه على الشريك أو الأبناء».
وتضيف: «هناك نقطة أخرى مهمة ففى ظل وجود الجميع داخل البيت، يصبح للزوجة دور أساسي، فهى مصدر الحنان، بينما يمثل الزوج عنصر الأمان الخارجي، من حيث الحماية والدعم المادي، أما الزوجة فهى التى تمنح البيت الدفء، وهذا يتحقق من خلال أشياء بسيطة لكنها مؤثرة، فالبيت الهادئ النظيف المرتب والإضاءة المريحة كلها عناصر تصنع بيئة نفسية جيدة، بينما الفوضى تولد طاقة سلبية وتزيد التوتر.. كذلك الطعام المنزلى له أثر كبير فرائحة الأكل فى البيت تعطى إحساسا بالدفء والانتماء، وتشجع على التجمع.. ومن المهم خلق أنشطة مشتركة داخل البيت، مثل الجلوس معا لإعداد الطعام، أو تخصيص ركن بسيط للقهوة، أو مشاهدة فيلم معا، أو حتى متابعة برنامج معين، والهدف هو أن تجتمع الأسرة، وهذا يقودنا إلى مفهوم «الشراكة»، وهو من أهم العناصر الغائبة فى كثير من الأسر.. يجب أن يكون هناك هدف مشترك، ونقاش مشترك، حتى فى الأمور المادية، مع إشراك الأبناء بشكل مناسب لأعمارهم، حتى يتعلموا قيمة المسئولية وأن ليس كل شيء متاحا فى أى وقت».
وتؤكد د. عزة أن هذه الظروف قد تكون فرصة لإعادة بناء الروابط الأسرية  من خلال تناول الطعام معا فى مواعيد ثابتة، والجلوس على مائدة واحدة، والحديث اليومي، وفى المقابل، يجب مراعاة طبيعة الزوج الذى اعتاد الخروج بعد التاسعة مساء ففكرة الحرية لديه كانت مهمة، وعودته المبكرة قد تشكل ضغطاً نفسياً عليه لذلك، يجب التعامل مع الأمر بحكمة، وخلق بدائل داخل البيت، مثل الألعاب الجماعية أو الأنشطة المشتركة، حتى لا يشعر بالملل، ومن جانبه يجب على الزوج أن يخفف عصبيته، وعلى الزوجة ألا تحمل نفسها فوق طاقتها، وأن يكون الجميع أكثر هدوءاً وتفهماً، لأن البيت يجب أن يكون مكاناً جاذباً، لا طارداً».
والخلاصة أن هذه الظروف يمكن استغلالها لإعادة بناء العلاقات وإعادة المودة والحب، إذا كان هناك نية حقيقية لذلك، فكل فرد فى الأسرة، سواء الأب أو الأم أو حتى أصغر طفل، يمكنه أن يسهم فى خلق جو إيجابى داخل البيت، وبالنسبة للأطفال، فلا بد من تقنين استخدام الشاشات، لكن مع توفير بدائل مناسبة، مثل الحكي، أو الألعاب، أو إشراكهم فى اختيارات بسيطة، حتى لا يشعروا بالحرمان، فلا يصح أن نمنع الأبناء أو الشريك من أشياء يحبونها دون أن نقدم بدائل، فالحياة داخل الأسرة تحتاج إلى توازن وتفاهم وشراكة، حتى تتحول من مجرد مكان للسكن إلى كيان قائم على المودة والانتماء.
أما د. بسمة سليم أستاذ علم النفس الإكلينيكى فترى  أن الوضع بشكل عام لو نظرنا له من الناحية الإيجابية بعيدا عن الجوانب الاقتصادية فهو فرصة لعودة الروح إلى الأسرة المصرية، وتقول: «لكن هذا يتوقف على كيفية استغلالنا لها، والفكرة الأساسية هي: ماذا سنفعل لنستفيد من هذه الفرصة؟ فبدلا من الاعتماد على طلب الطعام الجاهز أو الخروج لتناول الطعام، يمكننا الجلوس فى المنزل، وإعداد الطعام بأنفسنا، والتعاون معا لصنع وجبات جميلة، كما كنا نفعل فى فترة جائحة كورونا، أتذكر وقتها كيف كان الشعب المصرى يميل إلى خفة الظل، حتى فى أصعب الظروف، وكان يتحدث مازحا عن استهلاك كميات كبيرة من الطعام المنزلى مثل المحشي».
وتوضح: «من وجهة نظرى هذه الفترة تمثل فرصة مهمة للأسر للتواصل مع الأبناء، والمشاركة فى مذاكرتهم، والتحلى بالصبر معهم، كما أنها فرصة جيدة لوجود الأب بشكل أكبر داخل المنزل، مما يتيح للأبناء رؤيته والتفاعل معه بشكل مباشر، وهو أمر كان يغيب فى كثير من الأحيان.. يمكننا ببساطة تحويل هذا الوضع إلى ما يشبه إجازة العيد، ولكن بروح إيجابية، بدلا من الاستسلام لفكرة الشعور بالضيق أو الحبس، والتى يعانى منها بعض الأشخاص، خاصة بعض الرجال الذين يرون أنفسهم مقيدين أو محبوسين».
وتؤكد: «قد يكون هناك تأثير سلبى على البعض، وقد ينعكس ذلك على الأسرة، لكن هنا يجب تغيير زاوية النظر، ويمكننا أن نسأل أنفسنا: منذ متى لم نجلس مع أبنائنا؟ منذ متى لم نجتمع مع أهلنا داخل المنزل؟ حتى لو كان الشخص غير متزوج، فهذه فرصة للراحة، ولتعزيز الجوانب الروحانية، مثل الصلاة جماعة فى البيت على سبيل المثال، كما أن الأمر لا يعنى الانقطاع التام عن الخروج، فليس هناك حظر، يمكن الخروج إلى أماكن مفتوحة مثل الحدائق أو المتنزهات لاستنشاق الهواء النقي، دون الحاجة إلى الذهاب للكافيهات والمطاعم أو أماكن الإنفاق المرتفع، الفكرة الأساسية هى استبدال العادات السابقة ببدائل أبسط، لكنها تحمل قدرا أكبر من الدفء والراحة».
أما عن تأثير هذا الوضع على أفراد الأسرة، فهو يختلف من فئة عمرية إلى أخرى، لكن يظل الزوج والزوجة هما العنصر الأساسى فى تشكيل الأجواء داخل المنزل، فقرارهما بالاستمتاع بوجودهما معا، وتحويل هذا الوقت إلى تجربة إيجابية، هو ما ينعكس على باقى أفراد الأسرة، وبالطبع لا يمكن إغفال أن هناك فئات تأثرت بشكل أكبر، خاصة من كانوا يعملون بشكل مستمر، حيث يمثل التغيير بالنسبة لهم تحديا، لكن مع الوعى والتعاون، يمكن تحويل هذا التحدى إلى فرصة حقيقية للتقارب الأسري.
ويرى د. جمال فرويز استشارى الطب النفسى أن قرار غلق المحلات فى الساعة التاسعة مساء هو شيء إيجابى من ناحية تنظيم الوقت والسلوك المجتمعى وضبط مواعيد العمل والحياة اليومية والمساعدة على تحسين الصحة النفسية وتقليل التوتر، فالانضباط المجتمعى مثل وضع مواعيد لغلق المحلات يقلل الفوضى والضغوط الناتجة عن السهر الطويل، وتقليل النشاط الليلى الزائد يساعد على تحسين النوم ورفع الإنتاجية وتقليل السلوكيات العشوائية أو الضارة.
ويشير إلى أن أى قرار يجب أن يراعى الظروف الاقتصادية والاجتماعية للمواطنين، لأن الضغط المادى بالتأكيد سينعكس سلباً على الحالة النفسية، والرجال أكثر تأثراً بالأمر وتقل وتزيد درجة التأثر وفقا لطبيعة الشخصية ونوع الوظيفة ومدى تغير الوضع الاقتصادى بسبب الإغلاق المبكر، فالأشخاص  الذين كانوا يعملون ليلاً ستكون خسارتهم المادية كبيرة وسترتفع درجة تأثرهم بهذه الخسارة خاصة إذا كان الشخص عصبى بطبعه ما يسبب له توتر وعصبية مفرطة تؤدى إلى حدوث أمراض جسدية مثل السكر والضغط وغيرها، عكس الأشخاص الناضجون القادرون على التعامل مع الأمر بشكل أكثر عقلانية.
ويؤكد: «أكثر من 70 % من الناس لن تتأثر بالأمر كثيرا ًوسيقومون بالبحث عن بدائل لقضاء وقتهم دون تضخيم للأمر، والمشكلات غالبا لن تأتى إلا من بعض السيدات اللاتى يصنعن أزمات، فمثلا امرأة تريد أن تحصل من زوجها على مبلغ معين تعودت عليه حتى بعد تقليل دخله، وهنا عليها أن تراجع نفسها وتقلل نفقاتها قدر المستطاع حتى لا تكون هى الأخرى عامل ضغط على زوجها، فالأزمة ليست فردية البلد كلها بها أزمة بل العالم كله يعانى من أزمة اقتصادية ضخمة وعلينا أن نتعامل مع الموضوع بشكل أكثر ذكاء وألا تحاول الزوجة أن تستفز زوجها بشكل مبالغ فيه من الناحية المادية لأن هذا الجانب من أكثر الجوانب التى تستفز الرجل ويسبب مشاكل لا حصر لها، وعليهن أن يقمن باحتواء أزواجهن والتخفيف عنهم ومساعدتهم بتقليل الأحمال المادية حتى تمر هذه الكبوة وتعود الأمور كما كانت».