حتى لا تهزمك مشاعرك

المشاعر السلبية مثل «القلق» أو «الغضب» قد تكون محفزاً على التغيير ووسيلة لحماية الذات

  استفد من مشاعر الغضب ولا تجعلها تقودك
استفد من مشاعر الغضب ولا تجعلها تقودك


الاعتقاد أن الحياة المثلى تعنى اجتثاث المشاعر السلبية، خرافة خطيرة، فكل شعور نكابده، ولو كان مؤلما، يختزن حكمة بالغة القوة

«الغضب» قد يتحول إلى عنف إذا لم يُضبط، وقد يكون دافعًا للتغيير إذا وُجّه بشكل صحيح، و«القلق» قد يشلّ التفكير لكنه يحفّز على الاستعداد

«المشاعر السلبية» برامج فائقة التعقيد برمجها التطور وثبتها فى بنيتنا الفسيولوجية لتقودنا نحو أهدافنا خطوة خطوة

 

فى محاولة تبتعد عن النصائح النفسية المعتادة التى تحاول إبعادنا عن المشاعر السلبية يفاجئنا كتاب ((كيف تدير مشاعرك لا أن تُديرك)) «لإيثان كروس» عالم النفس رئيس مختبر المشاعر وضبط النفس بجامعة ميتشيجان..

بأن المشاعر السلبية ليست أعداءً يجب التخلص منها، بل هى أدوات طبيعية تدعمنا إذا عرفنا كيف نستخدمها. المشاعر السلبية مثل «القلق» أو «الغضب» أو حتى» الحزن» ليست ضارة، بل قد تكون محفزاً على التغيير أو وسيلة لحماية الذات.

لكن المشكلة تكمن فى أن معظم الناس يتركون مشاعرهم تتحكم فيهم وتهزمهم لأنهم لا يعرفون كيف يديرونها، فيتخذون قرارات متسرعة أو يعيشون فى دوامة من التوتر وغالبا ما يصبحون حالات تستدعى العلاج النفسى لأنهم لم يتعلموا كيفية استخدام المشاعر السلبية.

هذا الكتاب من أبرز المراجع الحديثة فى مجال الذكاء العاطفى وإدارة المشاعر، ويجمع بين التحليل النفسى المبسط والجانب التطبيقى الذى يساعد القارئ على تحويل مشاعره من عبء إلى قوة.

يبدأ «كروس» فى طرح الأسئلة الأزلية التى شغلت وما زالت تحتل النفس البشرية، فالبشر منذ أن وطأت أقدامهم هذا الكوكب يصارعون -بقوة- ما يعتمل فى دواخلهم من مشاعر مثل «الحزن» و«القلق» و«الاكتئاب» و«الغضب» و«افتقاد الحب»، هذه المشاعر ليست جديدة على الإنسان، إنما صراع الإنسان معها متأصل فى جذور التجربة الإنسانية منذ فجرها، ويذكر أن أدوات مواجهة هذه العواطف عبر الزمن لم تكن دائما موفقة أو ثابتة. بعض هذه الأدوات لم ينج أمام اختبار الزمن، وبعضها -إن تأملناه حقا- يثير قشعريرة تفوق مجرد الخوف، ليكشف عن عبثية محاولاتنا فى تهذيب أعماقنا. وندرك أن صراعتنا لم تتبدل صميما: «الخوف»، و«الحزن»، و«الغضب»، و«الحب»، و«الحنين» مازلت تطرق أبوابنا، وتفرض علينا البحث عن طرق لفهمها، واستيعابها، والتحسس الدقيق لها برهافة فكر، ورؤية صائبة. ما المشاعر:

وعن تعريف المشاعر يكتب: «لنبدأ بما يتفق عليه الجميع تقريبا: المشاعر استجابات لتجارب نمر بها، أو نتخيلها، تخاطب عالمنا الداخلى الفريد. وهى أدوات تلملم شتات شعورنا حول التعامل مع المواقف. تخيل أن ترى شخصا تحبه يسقط من دراجته، أو تتخيله يحدث أمامك، لتتضح هنا طبيعة استجابة المشاعر للتجارب التى تحمل معنى شخصيا لك، فورا تشعر برد فعل عاطفى «قلبك يخفق أسرع»، و«جهك يسخن»، وربما تتلون «تعابيرك بالخوف»، أو «القلق». المشاعر تثار بما يهمنا وفى هذا المثال خوفا على من نحب. هذا الفهم الأساسى يتوافق مع تماما مع إحساسنا اليومى بتجاربنا العاطفية، لكنها أعقد من ذلك بما يفوق الوصف.

و«العاطفة» مصطلح شامل لكل استجابة منسقة إلى حد ما تتكون مما تشعر به، وما نفكر فيه، وما يحدث داخل أجسامنا عند مواجهة حدث نراه مؤثرا فينا، فكر فيها كاستجابة مناعية: عمليات تدور فى طى الخفاء، بينما تدرك أنت نتائج أخرى لتلك الاستجابة، كالحرارة، أو العرق، أو القشعريرة. المشاعر أيضا لها عناصر واعية، وغير واعية، تتكشف سلسلة متشابكة داخلنا فى المواقف المهمة تنطلق سلسلة من الاستجابات وهى: تفاعلات فسيولوجية تشمل الجهاز العصبى، والعمليات الجسدية مثل خفقان القلب، أو توتر العضلات. تقييمات معرفية تحدد كيف تفهم ما يحدث: هل هذا مألوف؟ هل سبق، وأن واجهنا موقفا مشابها؟. سلوكيات حركية ظاهرية تعبر عن شعورنا للآخرين مثل تعابير الوجه، أو نبرة الصوت.

هذه الاستجابات مرنة، فقد تسبق إحدى العمليات الأخرى أحيانا، وأحيانا تعمل بالتوازى، وهى منسقة تنسيقا فضفاضا، تميل مكوناتها إلى التكامل لتحقيق غرض محدد، لكن قد تنفصل أحيانا، كما يحدث حين تعجز عن استشفاف شعور شخص ما من ملامح وجهه وحدها.

المحرك الخفي

ويشير إلى إن وراء معظم قراراتنا وسلوكياتنا اليومية المشاعر التى تسيطر علينا وهى المحرك الخفى لنا. وهى ليست مجرد ردود فعل عابرة، بل منظومة معقدة تؤثر فى طريقة إدراكنا وفهمنا للعالم، وفى علاقاتنا، وفى قدرتنا على الإنجاز. والسيطرة على المشاعر ليست قمعاً لها، بل توجيهًا واعيًا يحوّلها من عبء إلى قوة.

والمشاعر ليست عدوًا كما يذكر «كروس»، بل هى إشارات حيوية تساعدنا على التكيف مع البيئة، والمشكلة لا تكمن فى وجود المشاعر، بل فى طريقة إدارتها. «فالغضب» قد يتحول إلى عنف إذا لم يُضبط، لكنه قد يكون دافعاً للتغيير إذا وُجّه بشكل صحيح. و«القلق» قد يشلّ التفكير، لكنه أيضاً يحفّز على الاستعداد. هذه الرؤية تتفق مع نظرية «الوظائف التكيفية للمشاعر» فى علم النفس، التى ترى أن كل شعور له وظيفة بيولوجية واجتماعية. فالتحكم فى المشاعر ليس مجرد درع يحميك من ظلمات الحياة أنه مفتاح لإيقاظ جوانبك التى تصنع الفرح، والعطاء والإنجاز.. أما السؤال القديم الذى عذب أسلافنا، وجعلهم يحفرون فى جماجمهم: ماذا نصنع بكل هذه المشاعر؟ هو نفسه الذى نواجهه اليوم.

محرك خفى

وينبهنا سائلا: هل تتذكر كيف تتصرف حين تسيطر عليك مشاعرك السلبية، ألست تشعر كأن خيوطا بيد محرك دمى خفى تتحكم فيك، الخوف يشلك، وأنت أحوج ما تكون للحركة، أو للكلمة التى تقال فى وقتها، الغضب يحرق بصيرتك حتى الرماد، وأنت فى أمس الحاجة إلى الحكمة، وصفاء التفكير، الحزن يندفع فى جسدك كموجة ثقيلة تخنق أنفاسك، فيفيض على ملامحك، فيما أنت تصارع حتى لا ينكشف ضعفك، فى تلك اللحظات يقف المنطق فى صف الرغبة فى الضغط على زر «إطفاء» المشاعر، ولكن من يعرف مكان ذلك الزر؟!

اللهث وراء الإيجابية

صحيح أن المشاعر السلبية ضرورية، وقابلة للتكيف معها لكنها فى الوقت ذاته صعبة المراس، والإحكام .المشكلة التى تحاول الإيجابية «السامة» تجاوزها حقيقة، وملموسة، فكما أن غياب الحزن أو القلق يضعف صحتنا العاطفية، قد يجر التعمق المفرط فيها وراءه خرابا نفسيا وجسديا فى حياة المرء، قد يتحول هذا فى كثير من الأحيان من قوة داعمة إلى مصدر إرباك، واضطرابات مزاجية عاتية، كالاكتئاب المزمن، واضطراب القلق العام، وحتى من لا يعانون مثل هذه الحالات، قد تضللهم مشاعرهم غير المضبوطة، تضعف عزيمتهم تغمرهم بالبؤس، وتقطعهم عن الأشياء التى ينشدونها بصدق، ومتى طال أمد هذه الاضطراب العاطفى، لم تعد العواقب مجرد يوم سيئ بل تمتد لتقلب حياتنا، وتخل بتوازننا، وسلامنا الذهنى، والبدنى. تمتد حياتنا العاطفية إلى أعماق خلايانا نفسها، وعندما تستمر تأثيرات المشاعر السلبية لفترات طويلة، يتراكم على الجسد عبء ضاغط يضعف المناعة، ويزيد عرضتنا للأنفلونزا، ونزلات البرد، ويرفع خطر أمراض القلب، وأنواع معينة من السرطان، وما يزيد الأمر خطورة، أن فقدان السيطرة على عواطفنا يمتد أثره إلى ما هو أعمق من جسدنا، فيضعف صحتنا العامة، ويحد من قدرتنا على مواجهة الحياة، والتفاعل معها بصفاء ووعى.

إذا المشاعر السلبية: ليست خللا، بل اختيار بنيوى فى الخطة، ففى عالم اليوم، تتردد لنا نصائح لا تنتهى مثل: «فلتكن أجواؤك مشرقة»، «غير وجهة نظرك»، «ابتسم»، « لكل شىء يحدث سبب»، «فى الحياة أمور أسوأ من ذلك»، «كن إيجابيا»، صار السعى وراء الإيجابية ثقافة عامة، سواء فى بيئة العمل التى تركز على الحلول، وتدفع الموظفين للتردد قبل تقديم النقد البناء، أو بين الأصدقاء ذوى النيات الحسنة الذين يحثونك على تجاوز خيبة الأمل سريعا والتركيز على خطتك فى قضاء» العطلة» القادمة. لكن السعى المحموم وراء الإيجابية لا يكون دائما مناسبا لمواجهة الواقع، بل أحيانا يكون تجاهل مشاعرنا السلبية أكثر ضررا من نفعه، حتى لو كان الهدف تشجيعنا على التفكير بإيجابية.

التكيف مع الحياة

من السهل علينا أن نستمتع بالفرح والحماس بلا عناء، لكن المشاعر السلبية-الخوف، والخجل، وغيرهما- تبدو أعداء فى مرمى الشخصية المعادية فى سرد حياتنا، التى تسعى لإفساد سعادتنا. لذلك، اعتقدنا خطأ أن التخلص من المشاعر السلبية هو مفتاح السعادة. الحقيقة أن كل مشاعرنا تُمسك بجذور قدرتنا على التكيف مع الحياة..

فهى تُمرر إلينا معلومات ثمينة تزودنا بعدة النجاة فى أرض الواقع، فالمشاعر ليست جيدة أو سيئة بحد ذاتها، إنما هى معلومات قيمة تعيننا على تسيير عالمنا بحكمة وفطنة.

ليست مشاعرنا السلبية سوى فرصة لالتقاط الأنفاس وفهم ما يدور بالنفس مثلا للغضب والحزن، والشعور بالذنب والأسى، وسائر ما نعده مشاعر«سلبية»- فضلا عن ذلك- مقام ذو وزن فى خبرتنا العاطفية، وفى حياتنا حين نعيشها بجرعات متوازنة، إذ إن الاعتقاد المطلق الذى يزعم أن الحياة المثلى تعنى اجتثاث السلبية ما هو إلا خرافة خطيرة. كل شعور نكابده، كيفما كان مؤلما فى لحظته، يختزن حكمة بالغة القوة صاغتها التجربة، وطبعتها فينا عبر رحلة التطور الطويلة.

برامج فسيولوجية

لك أن تتخيل مشاعرنا السلبية كبرامج، فائقة التعقيد برمجها التطور وثبتها فى بنيتنا الفسيولوجية، لتقودنا نحو أهدافنا خطوة خطوة. لنتأمل «القلق» ذلك الشعور الذى نحاكمه دائما، وكأنه المذنب الأكبر بين المشاعر «السيئة» ففى الثقافة الحديثة صار «القلق» يكاد يساوى المرض النفسى، صحيح أن «القلق» المزمن يضر بنا لكنك لن تتمكن إنكاره، إنه استجابة تكيفية دقيقة، صاغها التطور لتؤهلنا لمواجهة مدى شاسع متنوع من التحديات، من رائحة دب مريبة فى كهف أسلافنا، إلى رسالة إلكترونية من مدير تنذر بتسريحات وشيكة من العمل. كأى شعور آخر، قد يصبح «القلق» غير تكيفى إذا ترك بلا ضبط طويلا، لكنه يؤدى وظيفة أساسية ألا وهى حشد استجابة مناسبة، إما للاقتراب من التهديد، أو لتجنبه، فنُحسن التعامل معه.

و«الحزن» شعور آخر تتوجس منه ثقافتنا المعاصرة، وقد لا يفتح له كثيرون له أبواب الترحيب، يزورنا حين نفقد ما لا يعوض: فرصة أفلتت، صداقة انطفأت، أو حبيب غيبه الموت، وحين يحل تنهال علينا النصائح من كل صوب تدعونا إلى طرده، حتى وإن كان «للحزن» فى تلك اللحظة مبرر صادق كأن أى ظل مُلتقَط فى مروره من الأسى قد يجرنا إلى اكتئاب لا مخرج منه.

و«للحزن» -رغم ذلك- منافع جلية، فهو يبطئ خطونا حين يلزمنا التمهل، ويمنحنا فسحة للرثاء، واستعادة ما تبقى من وشائج مرتبطة بما فقدناه. هو أيضا رسالة موحية تبثها ملامحنا، تقول للآخرين إننا فى حاجة إلى العون، وقد أثبتت الدراسات أن من يكسو وجوههم الحزن ينالون عونا أكثر ممن تكسو وجوههم ملامح غضب أو حياد. وراء «القلق» و»الحزن» عالم زاخر بالمشاعر المظلمة، ولكن لكل منها جانب مُضىء لا يغفل.

و«الحسد» قد يدفعك لمضاعفة جهدك لبلوغ ما تريد، و»الندم» يقيك من تكرار الأخطاء، و«الذنب» يرشدك لتدرك الأذى الذى أحدثته، ويدفعك لتداركه، و«الغضب» يشحذ إرادتك لمواجهة الخطر ورد الظلم، و«الخوف» استجابة لخطر آنى، يوجه انتباهك، ويحفزك على التحرك، أما «الشهوة» فلن نخوض فى تفاصيلها، لكنها شئنا أم أبينا تحفظ بقاء النوع البشرى واستمراره.

فمشاعرنا هى الطريق الذى نهتدى به، هى الموسيقى، والسحر، الأثر الذى لا يمحى من زماننا فوق هذه الأرض ليست الغاية الفرار من المشاعر المؤلمة، أو اللهث خلف تلك المبهجة بل أن نجد فى أنفسنا قوة على التحول بينها جميعا، أن نخوضها حتى منتهاها، نتعلم من وقعها، ونبدل وجوهها كما يبدل العازف مقاما موسيقيا، وكأى فن أصيل، لا يزدهر إلا بالممارسة والتدريب.

تأمل حياتك العاطفية، وكأنها آلة موسيقية لا تقدر بثمن، تحفة فنية تستحضر فى رنينها شيئا مما هو فوق بشرى، أشبه بكمان «ستراديفاريوس» كلنا ولدنا بهذه الآلة، لكن قل من تعلم كيف يمسك بالقوس، ما تعلمنا قط كيف نحكم على آلاتنا العاطفية أو نعزفها ببراعة، كيف يحافظ على اللحن وكيف يستعيد الإيقاع إن تعثر، ومن لم يتعلم مثل آلة بالطبع، قد يعزفها بارتجال حتى يغظن آذانهم.

انتبه فنحن نعيش فى عالم لا يطاوعنا، ومشاعر لا تستأذننا فى الظهور إلا أن ظهور المشاعر ليس النهاية، ما رأيناه حتى الآن نصف الحكاية فقط فى معادلة العاطفة، قد تشتعل النار تلقائيا، لكن بمجرد إشعالها أمامنا خياران: إطفاؤها أو تأجيجها، بل نحن من يوجه مسار اندفاعها، ويحدد منحناها.

لا إلغاء للمشاعر

وبداهة ليس المقصود أن نلغى أو نهرب من مشاعرنا السلبية أو الألم ونلون كل لحظة صراع بألوان قوس قزح، المقصود أن نستمع لمشاعرنا، أن نسمعها، ونحن نتعلم كيف نجيبها، دون أن نخضع لها ،لا بالتهرب، ولا بالقمع، بل بالوعى، والاحتواء.

يوم تسلبنا عاطفة مؤلمة اتزاننا النفسى، قد نحتاج إلى دفعة مقدرة لتحريكها فى الاتجاه الصحيح، أحيانا مجرد تعديل مقتصد فى شدتها، أو خفتها، لكنه يحمل إلى أفق لم يتوقع. تلك التعديلات على بساطتها، توقظ طاقات كامنة فى دواخلنا، ودواخل من نحب، وعندما يغمرنا الضياع، أو يشتد الالتباس، تصبح المهارات التى بنيناها مثل شبكة معلقة تحت حبل مشدود: تتلقفنا قبل أن نسقط، توقظ فينا القدرة على النهوض من جديد.

تعلمت ذلك مرات عديدة حين انزلقت كنت أظن أن الأرض وحدها ستستقبل وقع جسدى، لكن وبصراحة، لم أتوقع ذلك، الشبكة منصوبة. صامدة مشدودة، تنتظر أن أستقر على أرضى، قبل أن أفقدها ليصبح انكسارى درسا حيا لا ينسى.

تبديل ما ترسخ

وحول كيفية مواجهة المشاعر والمواقف السلبية يشير الكتاب كى نعيد صياغة أى موقف لابد لنا غالبا أن نغير زاوية النظر أن نطل عليه من موضع آخر، فنرى ما لم تكن أعيننا تراه، ونفكر فيه بطريقة تسمح لنا بتبديل ما يترسخ فى أذهاننا عنه، غير أن العقبة الكبرى تظهر حين تغمرنا المشاعر السلبية كطوفان يعمى البصر، فتضيق الرؤية من حولنا، وينحصر وعينا فى نقطة واحدة، كأن كروبنا هى كل ما فى الوجود، وهذا منطقيا ،لأننا اعتدنا منذ طفولتنا، وحتى كهولتنا، أن نواجه الأزمات بالطريقة نفسها نضعها فى مركز الدائرة ، ونحوم حولها، فلا نرى غيرها، ويمكنك أن تلحظ هذا الميل حتى فى لغتنا نفسها، فهى مرآة أصدق مما نتصور، عندما نغرق فى مشاعرنا السلبية نكاد لا نفلت من ضمائر مثل «أنا»، و«نفسى»، و«إياى». هذا الإفراط فى التمسك بالذات يصبح أشبه بعلامة لغوية تكشف مدى استغراقنا فى ذواتنا تماما، كما يحدث حين ترفع هاتفك «سيلفى» فتقرب العدسة أكثر فأكثر، حتى تمتلئ الصورة بوجهك وحده، وما عداه كله يختفى، لا عيب فى هذه الضمائر بحد ذاتها فهى جزء من نسيح التعبير الإنسانى لكن الأبحاث عاما بعد عام، تشير بإلحاح متزايد إلى أنها ليست مجرد ألفاظ عارضة لا تستقر، بل إشارات على درجة الغرق التى نعيشها داخل همومنا، وعلى مقدار ما تبتلعه نفوسنا من ضيق، حين تنكمش الرؤية، فلا يبقى سوى الذات وهمومها.

وهى لم تكن مجرد جمل تضاف إلى سيل المنشورات اليومية عبر الإنترنت، حين حلل الباحثون فى دراسة أكثر من مليون منشور لأشخاص يسردون تجارب انفصالهم على إحدى المنتديات بل خيوط لغوية خفية تكشف ما وراءها خيط رفيع يتكرر فى الكلام كانت ضمائر المتكلم المفردة ملمحا دائما فيه، فكلما تقدم الناس نحو الانفصال، ازداد على ألسنتهم ذكر «أنا»، و«نفسى» و«ى» حتى صارت بمثابة نذير يسبق العاصفة.

الأمر لم يتوقف عند لحظة الفقد الأولى، بل امتد صداه إلى ما بعد تلك اللحظة بوقت بعيد، وكلما طال ارتهان المرء لهذه اللغة المتمحورة حول ذاته، ازدادت معاناته، كأن الكلمات شدت عليه الحبل بدلا من أن تحرره. ثم جاءت دراسة أخرى لتشدد ما كان يعد من المسلمات: أن الضمير ليس مجرد أداة فى الكلام، بل مرآة تظهر ما تخفيه الروح، حتى أن مراقبة تكراره فى منشورات «فيسبوك» تكفى لتوقع من قد ينزلق إلى الاكتئاب.

غير أن الأمر لا يقف عند حدود الوصف، بل يتعداه إلى تكبير الألم نفسه، فإن العلامات اللغوية تكشف حجم تورطنا فى مشاعرنا أكثر مما نظن، كلما اقتربنا من تجاربنا المؤلمة بعدسة ضيقة، تعاظمت أمامنا التفاصيل الصغيرة حتى أضحت نكبة تسد أفق الرؤية الصحيحة كما لو أنك ترفع الكاميرا إلى أقصى حد لتصوير بثرة على وجهك، فتغدو فى عينيك فى حجم القباب، وهكذا تفتك بنا العواطف الثقيلة، ما إن تشتد حتى تحكم قبضتها، وصارت محاولة إعادة وضعها فى إطار أوسع، وأقل قسوة، أمرا بالغ المشقة.

السبب أن التوتر المصاحب لتلك الانفعالات العاتية يستهلك ما لدى الدماغ من طاقة، فيتركنا بلا ما يكفى من موارد عقلية لممارسة أى من الطرائق التى يمكن أن تعيننا على استعادة التوازن.

وعلينا ان ننتبه جيدا للكلمات التى نقولها لأنفسنا فهى تصنع واقعنا النفسى. إذا واجهنا تحديًا وقلنا: «لن أستطيع»، فإننا نزيد من خوفنا. أما إذا قلنا: «هذه فرصة للتعلم»، فإننا نفتح الباب أمام الطاقة الإيجابية.

هذا هو سر إعادة التفسير: أن ننظر إلى الموقف من زاوية مختلفة.

ضبط المشاعر

وينبه المؤلف قائلا: قبل أن تلمس أولى أوراق هذا الكتاب ليس غريبا أن يكون قد مرت بك مجموعة غنية من أدوات ضبط المشاعر، وان صح المرور، كم مرة تكتمت انفعالا مفاجئا مستخدما ما تعرفه من أدوات؟ هل خططت يوما لاستدعاء هذه الأدوات، قبل أن تدور بك أهواء اللحظة فتقيد خياراتك؟ قد يدعوك صديق للخروج فى نزهة بعد ألم الفراق، فتكتشف شعورا مؤقتا بالارتياح، لكن هل ستجد فى نفسك القدرة على تكرار ذلك بمفردك حين تعودك المحنة نفسها؟ ربما تعرف ان نغمات «هيب هب» التسعينيات -مهما تكرر الزمان- تكسر عنقك ثقل المزاج السيئ..

نحن غالبا ما نتعثر عند مجرد فتح صندوق أدواتنا العاطفية، وكأن اليد ترتجف أمامه، ولا تجد ما يقودها حين تجتاحنا المحن نرى بوضوح ما يردنا إلى سكينتنا، لكننا نظل نراوح ماكننا ما الذى يجعل العلم حاضرا، والفعل غائبا، كأن المسافة بينهما لا تغبر بالخطوة؟ وأين نجد الوصل بين الإدراك والتصرف حين تتصارع العواطف مع العقل؟

أخيرا رسالة الكتاب الواضحة: لا يمكننا منع المشاعر من الظهور، لكن يمكننا أن نقرر كيف نتعامل معها. إدارة المشاعر ليست رفاهية، بل هى مهارة حياتية أساسية تؤثر على الصحة النفسية والجسدية، العلاقات، والعمل، وحتى القرارات المصيرية..

ويقدّم للقارئ استراتيجيات قابلة للتنفيذ فى الحياة اليومية. فى النهاية، إدارة المشاعر ليست رفاهية، بل مهارة أساسية للنجاح الشخصى والاجتماعى، والكتاب يختلف عن الاتجاهات التى تركز فقط على «العيش فى اللحظة» أو «التفكير الإيجابي» بشكل مبالغ فيه. ويرى أن مواجهة المشاعر السلبية بوعى أفضل من تجاهلها أو إنكارها.

هذا الموقف أكثر واقعية، لأنه يعترف بأن المشاعر جزء لا يتجزأ من التجربة الإنسانية.

 

المؤلف فى سطور: 

«إيثان كروس»، حاصل على درجة الدكتوراة، ويعد من أبرز الخبراء عالميا فى مجال تنظيم المشاعر، ويعمل أستاذا حائزا على جوائز فى قسم علم النفس وكلية روس لإدارة الاعمال بجامعة ميشجان ويترأس مختبر المشاعر وضبط النفس.