اختارت أوروبا شكل مشاركتها فى العمليات العسكرية فى الخليج ونجحت حتى الآن فى مقاومة الضغوط القصوى من الرئيس ترامب الذى لوح فى تصريح أخير بالانسحاب من حلف الناتو ولعل ذلك يفسر قرار الاتحاد الأوروبى رفض توسيع مهمة «أسبيدس» البحرية الدفاعية لتشمل مضيق هرمز، إذ قرر تمديد المهمة فى منطقة البحر الأحمر ومضيق باب المندب حتى عام 2027، فى خطوة تؤكد التزامه طويل الأمد بحماية الملاحة الدولية، كما خصص ميزانية إضافية لدعم هذه العملية.
وأعلنت مسئولة السياسة الخارجية فى الاتحاد الأوروبى كايا كالاس مؤخرًا أن وزراء خارجية الاتحاد لم يظهروا «أى رغبة» فى توسيع نطاق مهمة «أسبيدس» البحرية لتشمل المساهمة فى تأمين حركة الملاحة وإعادة فتح مضيق هرمز الاستراتيجى أثناء الحرب الجارية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جانب وإيران من جانب آخر، مشيرة إلى أن الأوروبيين لا يريدون المشاركة بشكل نشط فى الحرب، ولكنهم على استعداد للعب دور حيوى فى هذا الأمر بعد نهاية الحرب.
اقرأ أيضًا | أوروبا على حافة أزمة طاقة جديدة بسبب الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران
وتأتى هذه التطورات فى الوقت الذى أعلنت فيه إيران أنها قد «تفتح جبهات أخرى» فى الحرب إذا ما تم نشر قوات أمريكية برياً.
ونقلت وكالة أنباء تسنيم، التابعة للحرس الثورى الإسلامى، عن مصدر عسكرى إيرانى قوله: «يُعتبر مضيق باب المندب أحد المضايق الاستراتيجية فى العالم، وإيران لديها الإرادة والقدرة على خلق تهديد حقيقى فيه».
وهددت إيران بتعطيل المضيق إذا هاجمت الولايات المتحدة جزيرة خرج، التى تضم محطة نفطية رئيسية.
وتُمثّل المهمة البحرية الأوروبية «أسبيدس» أحد أبرز التحركات الاستراتيجية التى اتخذها الاتحاد الأوروبى فى السنوات الأخيرة لضمان أمن الملاحة الدولية فى منطقة البحر الأحمر ومضيق باب المندب، الذى يُعد من أهم الممرات البحرية العالمية.
وكانت هذه العملية قد جاءت فى سياق تصاعد التهديدات التى استهدفت السفن التجارية منذ أواخر عام 2023، فى ظل هجمات نفذتها جماعة الحوثى اليمنية المرتبطة بإيران، مما دفع القوى الدولية إلى إعادة تقييم حضورها البحرى فى المنطقة.
وفى 10 يناير من عام 2024، اعتمد مجلس الأمن الدولى القرار 2722، الذى أدان بأشد العبارات هجمات الحوثيين على السفن التجارية، مؤكدًا أهمية ممارسة حقوق وحريات الملاحة لسفن جميع الدول فى البحر الأحمر، بما فى ذلك السفن التجارية العابرة لمضيق باب المندب.
وطالب مجلس الأمن الدولى بالوقف الفورى لهجمات الحوثيين، مشيرًا إلى حق الدول الأعضاء، وفقًا للقانون الدولى، فى الدفاع عن سفنها ضد الهجمات، بما فى ذلك تلك التى تُقوّض حقوق وحريات الملاحة.
وفى فبراير من عام 2024، أطلق الاتحاد الأوروبى القوة البحرية «أسبيدس»، وهى كلمة تعنى باليونانية الدرع، كعملية دفاعية بحتة تحت مظلة الاتحاد الأوروبى، بهدف حماية السفن التجارية وتأمين حرية الملاحة دون الانخراط فى عمليات قتالية هجومية.
ويُعد هذا التوصيف بالغ الأهمية لفهم طبيعة الدور الأوروبى، حيث حرصت بروكسل منذ البداية على التمييز بين هذه المهمة وبين العمليات العسكرية التى تقودها الولايات المتحدة أو بعض حلفائها فى المنطقة، والتى تتضمن ضربات مباشرة ضد أهداف تابعة للحوثيين داخل اليمن.
وتركّز المهمة على تأمين خطوط الملاحة فى البحر الأحمر وخليج عدن ومضيق باب المندب، وهى مناطق تمر عبرها نسبة كبيرة من التجارة العالمية، بما فى ذلك شحنات النفط والغاز.
ويكتسب باب المندب أهمية خاصة لكونه نقطة وصل بين البحر الأحمر والمحيط الهندى، وأى اضطراب فيه ينعكس مباشرة على الاقتصاد العالمى وسلاسل الإمداد.
ويمر نحو 40٪ من تجارة الاتحاد الأوروبى مع دول آسيا والشرق الأوسط عبر مياه البحر الأحمر، مما يجعل هذه المنطقة ذات أهمية استراتيجية بالغة للاتحاد، ويتماشى تركيز المهمة على السلامة البحرية مع جهود الاتحاد الأوروبى الأوسع نطاقًا لحماية المصالح الاقتصادية وضمان الملاحة الآمنة على طرق التجارة الحيوية.
ومن هنا، سعى الاتحاد الأوروبى إلى تعزيز حضوره البحرى لضمان استمرار تدفق التجارة وحماية السفن من الهجمات أو القرصنة أو التهديدات الصاروخية.
وتتضمن مهام «أسبيدس» مرافقة السفن التجارية، وتوفير الحماية المباشرة لها أثناء عبورها المناطق الخطرة، إضافة إلى مراقبة الوضع البحرى وتبادل المعلومات الاستخباراتية بين الدول المشاركة.
كما تقوم القطع البحرية الأوروبية بتقديم خدمات الحماية المباشرة للسفن، وهو ما ظهر عملياً فى عمليات مرافقة ناجحة لسفن عبرت البحر الأحمر بأمان تحت حماية الفرقاطات الأوروبية.
ورغم الطابع العسكرى للعملية، فإن الاتحاد الأوروبى شدد على أن «أسبيدس» ليست موجهة ضد أى طرف بعينه، وأنها تلتزم بالقانون الدولى وتركز فقط على الدفاع عن الملاحة.
ويعكس هذا التوازن الدقيق رغبة أوروبية واضحة فى تجنب الانجرار إلى مواجهة مباشرة مع إيران، التى تُتهم بدعم الحوثيين، خاصة فى ظل التصعيد الإقليمى المرتبط بالحرب فى غزة والتوترات فى الخليج.
فى هذا السياق، رفض وزراء خارجية الاتحاد الأوروبى مؤخرًا توسيع نطاق المهمة ليشمل مناطق أكثر حساسية مثل مضيق هرمز، رغم الضغوط الأمريكية.
وأكدت تصريحات مسئولى الاتحاد الأوروبى أن الدول الأعضاء لا ترغب فى «المشاركة بشكل نشط فى هذه الحرب»، مما يعكس سياسة حذرة تقوم على حماية المصالح الاقتصادية دون التورط فى صراع عسكرى واسع.
وتُظهر هذه المقاربة اختلافاً واضحاً بين الاستراتيجية الأوروبية ونظيرتها الأمريكية، حيث تعتمد أوروبا على ما يمكن وصفه بـ «الأمن الدفاعى البحرى»، أى حماية الممرات دون الدخول فى عمليات هجومية.
ويعود ذلك إلى عدة اعتبارات، منها الانقسامات داخل الاتحاد الأوروبى، وتباين مواقف الدول الأعضاء من الصراعات فى الشرق الأوسط، إضافة إلى المخاوف من تداعيات أى مواجهة مباشرة مع إيران على أمن الطاقة الأوروبى.
وقد شاركت فى العملية عدة دول أوروبية من بينها فرنسا وإيطاليا واليونان وألمانيا، من خلال نشر فرقاطات وسفن حربية، إضافة إلى عناصر دعم لوجستى واستخباراتى.
وتتولى اليونان القيادة العامة لمهمة «أسبيدس»، ويقع مقر قيادة العملية فى مدينة لاريسا اليونانية، مما يعكس الطابع المؤسسى المنظم لهذه المهمة تحت إشراف الاتحاد الأوروبى.
وعلى الصعيد العملى، تواجه «أسبيدس» تحديات متعددة، أبرزها استمرار الهجمات الحوثية باستخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة، فضلاً عن التهديدات المحتملة بزرع ألغام بحرية، وقد دعت المهمة السفن التجارية إلى توخى الحذر، مؤكدة أنها لا تستبعد استهدافها فى أى وقت، وهو ما يعكس طبيعة البيئة الأمنية المعقدة التى تعمل فيها.
كما أن العملية تأتى فى إطار توازن دقيق بين عدة أطراف دولية، حيث تسعى أوروبا إلى التنسيق مع الولايات المتحدة دون الانخراط الكامل فى استراتيجيتها، وفى الوقت ذاته تحاول الحفاظ على قنوات التواصل مع إيران وتجنب التصعيد معها، وهذا ما يجعل «أسبيدس» مثالاً على الدبلوماسية العسكرية الأوروبية التى تجمع بين الردع المحدود والانخراط الحذر.
إضافة إلى ذلك، ترتبط المهمة بالسياق الأوسع لأمن الطاقة العالمى، حيث إن أى تعطيل للملاحة فى البحر الأحمر أو باب المندب قد يؤدى إلى ارتفاع أسعار النفط وزيادة تكاليف الشحن والتأمين، وقد شهدت الأسواق بالفعل تأثيرات ملموسة نتيجة التوترات فى المنطقة، مما عزز من أهمية الدور الأوروبى فى تأمين هذه الممرات الحيوية.
وفى المحصلة، تعكس عملية «أسبيدس» تحوّلاً فى الدور الأوروبى من مجرد فاعل اقتصادى إلى لاعب أمنى يسعى لحماية مصالحه الحيوية، ولكن ضمن حدود مدروسة تمنع الانزلاق إلى صراعات مفتوحة، فهى عملية دفاعية فى جوهرها، لكنها تحمل أبعاداً سياسية واستراتيجية عميقة، خاصة فى ظل التوتر مع إيران والتنافس الدولى على تأمين الممرات البحرية.
وبينما تستمر هذه المهمة فى العمل، يبقى نجاحها مرتبطاً بقدرتها على تحقيق التوازن بين الردع والحذر، وبين حماية الملاحة وتجنب التصعيد، وهو ما يجعلها نموذجاً فريداً فى إدارة الأزمات البحرية فى عالم يتجه نحو مزيد من التعقيد والتشابك الجيوسياسى.
وفى فبراير من عام 2025، قرر الاتحاد الأوروبى تمديد ولاية العملية حتى فبراير من عام 2026، وهى الولاية التى تم تمديدها مجددًا لفبراير من عام 2027.
يأتى ذلك فى الوقت الذى سيتم فيه نشر قوات بريطانية إضافية وأنظمة دفاع جوى بريطانية أخرى فى الشرق الأوسط للقيام بعمليات دفاعية ضد الهجمات الإيرانية، ليصل بذلك إجمالى عدد الأفراد البريطانيين المشاركين فى الدفاع عن الخليج وقبرص إلى حوالى ألف فرد.
فخلال زيارة لدول الخليج، صرّح وزير الدفاع البريطانى جون هيلى بأنه سيتم نشر فرق وأنظمة دفاع جوى إضافية فى السعودية والبحرين والكويت، مع توسيع نطاق استخدام طائرات تايفون فى قطر.
وقال: «رسالتى إلى شركائنا فى الخليج هى: أفضل ما لدى بريطانيا سيساعدكم فى الدفاع عن أجوائكم».
اختبار صعب للهدنة| ضربات أمريكية - إيرانية متبادلة.. وأضرار بمطار الكويت
تصعيد بلا توقف| مايو الأكثر دموية فى غزة منذ بداية العام
ثلاثية حرب لبنان| مفاوضات.. مخطط إسرائيلى للجنوب.. وانزعاج أمريكى من تل أبيب







