ليست كل الحروب تُخاض لكى تُربَح فقط؛ بعضها يُخاض فينكشف فيها كل شىء تنكشف حدود القوة، وحدود الاستخبارات، وحدود الردع، وحدود القدرة على تحويل التفوق العسكرى إلى نتيجة سياسية قابلة للحياة، وهذا فى تقديرى، هو الوصف الأدق للمواجهة الإيرانية ـ الأمريكية ـ الإسرائيلية الجارية: إنها حرب كاشفة قبل أن تكون حربًا حاسمة، كشفت أن امتلاك السماء لا يعنى امتلاك النهاية، وأن القصف قد يحقق إصابة عسكرية منضبطة لكنه لا ينتج تلقائيًا نظامًا سياسيًا جديدًا، ولا شرقًا أوسط مختلفًا، ولا أمنًا مستقرًا للحلفاء.
أول ما كشفته الحرب هو الفارق الحاسم بين الهدف العسكرى والهدف السياسى، عسكريًا يمكن قياس الأمور بعدد الضربات، وحجم التدمير، ومدى الاختراق، ونوع الأهداف التى أُصيبت، لكن سياسيًا السؤال مختلف تمامًا: ماذا بعد؟ هل تراجع الخصم سياسيًا؟ هل قبل بالشروط الجديدة؟ هل تغير النظام؟ هل استقر الإقليم؟ هنا تبدأ الفجوة، بنيامين نتنياهو نفسه أقرّ بأن تغيير النظام الإيرانى «غير مضمون» من خلال الحرب وحدها، وأن هذا الأمر يبقى مرهونًا بعامل داخلى إيرانى لا تصنعه الطائرات ولا الصواريخ، هذا الاعتراف، فى حد ذاته، يهدم أحد أكبر الشعارات التى رافقت الحرب: أن الضغط العسكرى يمكنه وحده أن يُسقط نظامًا ويعيد تشكيل الدولة من الداخل.
وهنا تظهر الحقيقة التى حاول كثيرون تجاهلها منذ البداية: الحرب تستطيع أن تُضعف الدولة، لكنها لا تخلق البديل، يمكنك أن تضرب البنية العسكرية، وأن تُربك القيادة، وأن تُرهق الاقتصاد، لكنك لا تستطيع أن تضمن ما سيولد من تحت هذا الركام، ولهذا فإن أى حديث مبكر عن «إعادة تشكيل الشرق الأوسط» يبدو أقرب إلى رغبة سياسية منه إلى خطة قابلة للتحقق، لأن إعادة تشكيل الأقاليم لا تتم فقط بإضعاف خصم، بل ببناء توازن جديد بعده وما تكشفه هذه الحرب حتى الآن هو أن أدوات الهدم أوضح بكثير من أدوات البناء.
وثانى ما كشفته الحرب هو أن التفوق الدفاعى ـ مهما بلغ ـ لا يلغى الخطر، بل فقط يخفف أثره، إسرائيل التى بُنى جزء كبير من صورتها الردعية على منظومات الدفاع الجوى متعددة الطبقات وجدت نفسها أمام اختراقات حقيقية، رويترز وثقت إصابة صاروخٍ لخزان وقود ومنشأة صناعية فى مصافى حيفا فى 30 مارس، كما وثقت أن الضربات الإيرانية تمكنت من اختراق المظلة الدفاعية فى بعض الحالات رغم كثافة الاعتراضات، المعنى هنا ليس أن القبة الحديدية «سقطت»، بل إن الحرب كشفت حدود أى منظومة دفاعية حين تُواجَه بإغراق صاروخى/مسيّر ممتد وهذا كشف استراتيجى مهم: الردع لم يعد يعنى «منع الضربة»، بل فقط «تقليل خسائرها».
وثالث ما كشفته الحرب هو أن الاستخبارات، مهما بلغت دقتها، لا تعنى السيطرة على المآلات، نعم هناك اختراقات، وضربات دقيقة، وتعقب للأهداف، لكن السؤال ليس: هل عرفتَ الهدف؟ بل: هل عرفتَ ما سيحدث بعد إصابته؟ الاستخبارات تُعطيك بنك أهداف، لكنها لا تعطيك بالضرورة بنك نتائج، ولهذا يبدو أن الحرب كشفت حدود «العين الاستخباراتية» حين تنفصل عن الاستراتيجية السياسية تستطيع أن ترى الهدف بوضوح، لكنك قد لا ترى السلسلة الكاملة للارتدادات التى ستنطلق منه: توسيع جبهة، ارتفاع أسعار، دخول وكلاء، انكشاف حلفاء، أو تحوّل الحرب من عملية عسكرية إلى أزمة إقليمية ممتدة.
ورابع ما كشفته الحرب ـ وهذا شديد الأهمية ـ هو أن القوة العظمى نفسها ليست فوق منطق الاستنزاف، رويترز نقلت أن طلب اليابان لقرابة 400 صاروخ توماهوك تأثر بسبب زيادة الاستخدام الأمريكى فى الحرب، بحسب تقرير نقلته عن بلومبرغ، هذه علامة على أن الحرب الطويلة تلتهم المخزون، وتعيد ترتيب الأولويات، وتُجبر حتى القوة الأكبر على الاختيار بين جبهات وحلفاء واحتياجات متنافسة، القوة العظمى لا تُهزم فقط حين تُصاب قواعدها؛ قد تنكشف أيضًا حين تبدأ حربها فى التأثير على التزاماتها الأخرى حول العالم وهذا معنى لم يكن حاضرًا بقوة فى الخطاب المتحمس مع بداية التصعيد.
ثم نصل إلى الوهم الأكثر رسوخًا الذى كشفت الحرب هشاشته: وهم «الحماية الكاملة» للخليج والإقليم، لسنوات طويلة قيل إن الأساطيل والقواعد والمظلات الأمريكية تجعل الخليج منطقة محمية ردعيًا، وإن أى محاولة لتوسيع الحرب ستُجهض قبل أن تصل إلى المنشآت الحيوية، لكن ما جرى خلال الأيام الأخيرة قال شيئًا مختلفًا: الكويت أعلنت تشغيل دفاعاتها لاعتراض صواريخ ومسيّرات، ووكالة أسوشيتد برس تحدثت عن ضربات استهدفت مصفاة الأحمدى، كما أشارت إلى تعرض البحرين لهجمات أيضًا، بالتوازى مع استمرار التوتر حول هرمز، هذا لا يعنى أن الحماية غابت تمامًا، لكنه يعنى أنها جزئية ومشروطة ومكلفة، وليست الجدار الصلب الذى جرى تسويقه طويلًا.
وهذا الانكشاف بالذات يضرب واحدة من أكبر السرديات الأمريكية ـ الإسرائيلية: أن الحرب تُخاض من أجل «حماية المنطقة» إذا كانت المنطقة المحمية نفسها أصبحت تحت ضغط الصواريخ والمسيّرات وتهديدات الطاقة والملاحة، فماذا بقى من معنى الحماية؟ هنا يتحول السؤال من «من يملك القوة؟» إلى «من يملك القدرة على منع انتقال الخطر إلى الحلفاء؟» وحتى الآن، الحرب لا تقدم جوابًا مطمئنًا، فرنسا واليابان تحدثتا عن ضرورة التنسيق لإنهاء الحرب وإعادة فتح هرمز، وماكرون قال بوضوح إن فتح المضيق بالقوة العسكرية «غير واقعى»، هذه مواقف تكشف أن الحلفاء أنفسهم لم يعودوا يرون الحل فى مزيد من القوة وحدها، بل فى الخروج السياسى من منطق التصعيد.
وفى رأيى، أخطر ما فضحته الحرب ليس فقط حدود إيران، ولا فقط حدود إسرائيل، ولا فقط حدود الولايات المتحدة، بل حدود فكرة «تغيير الشرق الأوسط بالقوة» نفسها لأن الفكرة القديمة كانت تقول: اضرب المركز، تنهَر الأطراف، ثم تُعاد كتابة الخريطة لكن ما يحدث الآن يقول العكس تقريبًا: كلما اتسعت الحرب، اتسعت معها الفوضى، وارتفع سعر الطاقة، وتعددت الجبهات، وازداد صعوبة تعريف «النصر»، الحوثيون دخلوا على الخط بما يزيد تهديد الملاحة، وحلفاء واشنطن الآسيويون والأوروبيون باتوا منشغلين بارتدادات الحرب على النفط والشحن، والأسواق تتعامل مع الأزمة باعتبارها خطرًا عالميًا لا ملفًا شرق أوسطيًا محدودًا هذا ليس مشهد حرب حاسمة؛ هذا مشهد حرب تكشف هشاشة المشروع الذى قيل إنها ستخدمه.
لهذا أرى أن الوصف الأدق لما يجرى ليس «حرب النصر» بل «الحرب الكاشفة» كشفت أن إسقاط النظام ليس بندًا عسكريًا جاهزًا كشفت أن القبة الحديدية تقلل الخسائر لكنها لا تمحو التهديد، كشفت أن الاستخبارات قد تعرف الهدف ولا تعرف النهاية، كشفت أن القوة الأمريكية هائلة، لكنها ليست بلا كلفة ولا بلا ارتدادات على بقية التزاماتها، وكشفت أخيرًا أن وعود حماية الخليج والإقليم لم تمنع انتقال النار إلى المجال الذى قيل إنه الأكثر تحصينًا.
والنتيجة الأهم أن معيار القوة لم يعد كما كان لم يعد السؤال: من يستطيع أن يضرب أكثر؟ بل: من يستطيع أن يحول الضرب إلى ترتيب سياسى مستقر؟ وحتى الآن، لا يبدو أن أحدًا يملك هذه الإجابة كاملة، وهذا، بحد ذاته، هو أكبر ما كشفته الحرب.

محمد علي السيد يكتب: الأسرى.. عبيد وألات.. وفي الإسلام بشر
شعب مصر.. وجيشها
إدانة.. ولكن «1»







