يوميات الأخبار

زيارة إلى جبال الرب

عمر عبدالعلى
عمر عبدالعلى


أدركت حجم المخاطرة التى كنا نواجهها.. لم يكن الأمر مجرد رحلة بحث عن كنوز الطبيعة وفق احداثيات معتمدة، بل كانت معركة دقيقة مع الطبيعة والغموض والإنسان

ليست الجبال دائمًا تلك الكتل الصامتة من صخر ورمل.. أحيانًا تتجسد فى قرارات مصيرية، وفى مواقف لا تسمح بالحياد، وفى طرق وعرة لا تظهرعلى الخرائط.. فى تجربتي، تعلّمت أن الجبال تختبر الإنسان بطريقتين: مرةً بقسوة الطبيعة، ومرةً بصلابة المهنة، حيث تصبح الحقيقة عبئًا، ويغدو الوفاء اختيارًا مكلفًا.

هذه السطور ليست فصلًا من يوميات رحلة إلى جبال الرب فحسب، ولا مجرد استعادة لمغامرة صحفية شاقة، بل محاولة لفهم كيف يقف الإنسان وحيدًا أمام جباله، وكيف لا يكون الخطر الأكبر فى السقوط… بل فى التراجع عمّا نؤمن به.

الطريق إلى المجهول

بين صمت الصخور الموحشة وغبار الزمن، انطلقت رحلتنا إلى جبال الرب، حيث تخفى الجبال أسرار ملايين السنين، والطرق المتشابهة قد تقودك إلى المجهول بلا رجعة. هناك، وسط الطبيعة القاسية والجبال الصامتة، يصبح الإنسان صغيرًا أمام التاريخ، وحيدًا أمام قدَره، وبين الصخور القديمة تتربص الأساطير، تنتظر من يكتشفها ويعرف ثمن المغامرة. هذه كانت رحلتنا… بين المغامرة والغموض، بين الشجاعة والخطر.. انطلقت رحلتنا عبر صحارى البحر الأحمر بسيارتين «دفع رباعى»، وكنت أنا قائد إحداهما. الشمس تتلألأ فوق الأفق، والهواء الجاف يحمل عبق الرمل والحجارة. عند منطقة الزعفرانة، بدأت الجبال الشاهقة تحيط بنا من كل جانب، كأنها جدران طبيعية تحرس الطريق.

نظرت إلى صديقى خبير التعدين العالم الجيولوجى المخضرم فى مجال عمله د. عبده الكودى، وأشرت إلى أحد الجبال المَهيبة عندما شعرت بالخوف والقلق ينتابنى لحظات، فأبدت عيناه شيئًا من الدهشة، ورد قائلا: «هذا الجبل طاعن فى السن، ووجهه مخيف»، وسألته عن عمره، ليجيبنى بثقة وهو يلتقط صخرة صغيرة بيده: «ملايين السنين… لقد شهد على كل شيء تقريبًا». فى تلك اللحظة شعرت بصغرنا أمام عظمة الطبيعة المخيفة، وكأننا دخلنا عالمًا يسبق التاريخ، حيث كل صخرة وكل صدع يحكى قصة الأرض منذ الأزل.

كانت السيارتان تتقدمان بحذر وسط الصخور والجبال المتشابهة، حيث كل زاوية وكل صخرة تكاد تتشابه مع الأخرى. المنظر كان مخيفًا، فيما تسارعت دقات قلبى، ليس بسبب الجبال نفسها فحسب، بل لأن كل شيء حولنا بلا علامات أو رموز، وكأننا دخلنا متاهة طبيعية بلا خريطة وبلا رجوع.. عندما تتوقف وسط الطريق تدرك فجأة أن أمامك خمسين مسارًا متشابهاً، جميعها يبدو أنها تقود إلى المجهول. كان قلبى يخفق بقوة، والعين تحاول تمييز أى فرق بين الطرق، لكن الطبيعة هنا تحكم بقوانينها وحدها، ونحن نعتمد على خبرة «العبّادي» وهو الدليل البدوى الذى كان يتقدمنا بخطوات واثقة، كأن الأرض نفسها تعرفه عن ظهر قلب.

غرباء فى المكان

بين الصخور الموحشة والجبال البعيدة عن المدن والعمران لأكثر من سبعين كيلومترًا، حيث لا يسمعك أحد ولا يراك، كان «العبّادى» يتحرك بثقة كاملة. الطريق بين هذه الجبال معقد وخطير، لكنه يحفظه عن ظهر قلب.. الغريب أنه كان يترك علامات من حجارة سوداء على مفارق الطرق، كأنه يضع رسائل صامتة بين الصخور.. سألته عن سبب هذه الإشارات، فأجابنى بهدوئه المعتاد: «هذه العلامات تخبر من يعرفها أننا لسنا غرباء هنا. عشيرتى من البدو وأبناء عمومتى يعلمون أننى دخلت هذه المنطقة. وإذا لم أفعل ذلك، فقد نتعرض للقتل أو الخطف وسط هذه الجبال البعيدة»..

فى تلك اللحظة، أدركت حجم المخاطرة التى كنا نواجهها.. لم يكن الأمر مجرد رحلة بحث عن كنوز الطبيعة وفق احداثيات معتمدة، بل كانت معركة دقيقة مع الطبيعة والغموض والإنسان، حيث كل خطوة خاطئة قد تكون الأخيرة، وكل زاوية من الجبال قد تختبئ وراءها مصيبة لا يُمكن توقعها.

وصلنا أخيرًا إلى نقطة العمل، المكان الذى كنا نبحث عنه بشغف بين الصخور والوديان، بدا كل شيء وكأنه تحفة طبيعية مختبئة بين الجبال، لكن فرحتنا لم تدم طويلًا. أثناء التحرك خطوات، انزلقت إحدى السيارتين، وتوقفت عن العمل فجأة.. حاولنا إصلاحها، لكن دون جدوى؛ لم يكن معنا سوى أدوات محدودة، وحتى وسائل الاتصال بالعالم الخارجى لا تستطيع العمل بسبب عدم توافر شبكة، ولا أى وسيلة لاستدعاء النجدة أو صديق ليأتى لنجدتنا فى هذا الصمت الجبلى المخيف.

مع تصاعد القلق، قررنا الصعود إلى قمة أحد الجبال العالية، على أمل العثور على شبكة اتصال تمكننا من التواصل مع العالم الخارجى، صعدنا بثقل على الأقدام، والهواء يصبح أشد كلما ارتفعنا، والجبال حولنا تبدو أكبر وأكثر هدوءًا وإرهابًا فى الوقت نفسه، لكن رغم كل الجهود، لم نحصل على أى إشارة، وكأن الطبيعة أرادت أن تبقينا وحيدين فى قلبها، نتعلم درسها فى الصبر والمواجهة.

كانت خطة الفريق واضحة، لكنها تحمل مخاطرة كبيرة: العودة بالسيارة الصالحة إلى مدينة العين السخنة لجلب مهندس صيانة أو سيارة إنقاذ، اعتمادا على العلامات الإرشادية التى وضعها «العبّادى»، بينما يبقى أحدنا مع السيارة المعطلة وسط الجبال الموحشة، بدون تردد، قررت أن أكون أنا هذا الشخص، وأمضى الليل بين الصخور، وحيدًا أمام صمت الطبيعة وقسوة المكان، ليلة صعبة مرت ببطء، حيث كان كل صوت، حتى همس الرياح بين الصخور، يثير انتباهى، لم يكن أمامى سوى الدليل البدوى «العبّادى»، الذى ظل معى بهدوئه المعهود، يرشدنى فى تحركاتى الصغيرة ويطمئننى بصوت هادئ، وكأن الجبال نفسها تنصت لنا.

ومع شروق الشمس، وصلت السيارة الثانية حاملة مهندس الصيانة والمعدات اللازمة، ومعها الفريق الذى سيقوم بإنقاذ السيارة العاطلة من بين أحضان الجبال الموحشة، كانت لحظة الانتصار على طبيعة قاسية مليئة بالمشاعر: ارتياح ودهشة، وإعجاب بعظمة المكان، وإحساس عميق بالامتنان لكل من وقف معنا فى تلك المغامرة، لم تكن الرحلة مجرد بحث عن الكنوز المعدنية، بل كانت تجربة عن الصبر والشجاعة والثقة، وعن الروابط الإنسانية التى تتقوى أمام التحديات..

بينما كنا نتحرك بين الجبال، اكتشفنا جانبًا آخر من حياة الدليل البدوى «العبّادى»، الذى لم يكن مجرد مرشد للممرات الوعرة، بل كان يحمل أسرارًا عن حياته الخاصة، أخبرنا أن له أربع زوجات، كل واحدة تعيش فى كوخ صغير مبنى من الأعشاب خلف أحد الجبال، بعيدًا عن بعضها البعض، شعرت بأن هذه الحقيقة تعكس طبيعة الجبال نفسها: معزولة، صامتة، مليئة بالأسرار، وكأن لكل زاوية فيها حياة مستقلة تنتظر من يكتشفها.

لعنة الفراعنة

وأثناء البحث، وصلنا إلى مقابر جماعية قديمة، محفورة بعناية بين الصخور، قال لنا «العبّادى» إن البعض يعتقد أنها لمقاتلى الرومان القدماء، بينما يذهب آخرون إلى أنها تعود عمال من الفراعنة القدماء، الذين دفنوا فيها أعدادًا من جنودهم، الوقوف أمام هذه المقابر كان لحظة صمت مطبق، حيث كان صدى آلاف السنين يهمس لنا عن تاريخ الأرض، عن حروبها وأساطيرها، وعن عظمة حضارات مرت على هذه الجبال الصامدة، تمامًا كما نحن اليوم نحاول فهمها واكتشافها.. لكن كان الخوف من لعنة الفراعنة أن تصيبنا!!..

بعد اكتشاف المقابر الجماعية، شعرنا وكأننا نقف بين الزمن السحيق وبين الحاضر، بين الصخور الصامتة التى شهدت آلاف السنين، وبين خطواتنا الحديثة فى هذا المكان الواسع، كل حجر وكل منحنى فى الجبل كان يحكى قصةً عن حياة من سبقونا، عن صراعاتهم وانتصاراتهم، وعن البقاء فى مواجهة الطبيعة، أما «العبّادى»، فكان يسير معنا بهدوئه المعروف، كأنه يعرف كل سر من أسرار هذه الجبال، كنا نراقبه وهو يشير لنا عن أفضل الممرات الضيقة بين الصخور، نكتشف الكهوف الصغيرة، ونشعر بثقل التاريخ على أكتافنا، لكنه لم يكن عبئًا، بل درس فى الصبر والاحترام لكل ما هو أكبر منا.

وفى كل خطوة، كانت الرحلة تتكشف لنا كما لو أنها نص أدبى يُكتب على صخور الجبال: الطبيعة، الإنسان، التاريخ، وكل لحظة من المغامرة تتحول إلى حكاية ترويها الرياح، وتهمس بها الصخور، لتبقى فى الذاكرة بعد أن نرحل.