لا نأسف للإزعاج

إســـلام عفيفى يكتب: المفاوضات والنصر الزائف

إســـلام عفيفى
إســـلام عفيفى


فى الحروب الحديثة، لا يُقاس النصر فقط بما دُمِّر، بل بما كان يمكن تجنّب تدميره أصلًا، ولهذا فإن أخطر ما يكشفه الحديث عن المفاوضات الأخيرة ليس فقط أن فرصةً ما ضاعت فى جنيف، بل أن تعريف «النصر» نفسه يبدو مضطربًا: هل النصر أن تُسقط قنابل أكثر؟ أم أن تنتزع من خصمك اتفاقًا يحرمك من الحاجة إلى الحرب أصلًا؟ فالدول الكبرى لا تُهزم فقط عندما تخسر الميدان، بل حين تُحوّل الحرب إلى تعويض عن قصور السياسة.

ما نشرته «نيويورك تايمز» بالأمس يشير إلى جوهر الخلل: المفاوضات لم تُدر بوصفها عملية دولة، بل بوصفها خليطًا من الأشخاص، والانطباعات، والدوائر المتنافسة داخل الإدارة، نائب رئيس يكره التورط فى الشرق الأوسط، ووزير خارجية يُحسب على صقور إيران لكنه مُهمش، وصديق وصهر بخلفيات عقارية يقودان دبلوماسية واحدة من أخطر ملفات العالم، هذه ليست مجرد مشكلة تنظيم إدارى؛ هذه مشكلة تعريف مَن يملك حق تفسير الخطر، وحق تقدير اللحظة، وحق تحويل الانطباع إلى قرار حرب، وحين تختلط هذه الأدوار، لا تصبح السياسة الخارجية «مرنة»، بل تصبح مرتبكة.

المشكلة الأعمق أن هذا الارتباك لا يقف عند الأشخاص، بل يضرب مؤسسات الدولة نفسها، فعندما تُفرَّغ وزارة الخارجية من دورها، ويُختزل مجلس الأمن القومى، ويُهمَّش الوزير الرسمى الذى يفترض أنه يقود المسار الدبلوماسى، ثم يُترك ملف شديد الحساسية فى يد مبعوثين لا يملكون لا الخبرة الفنية ولا التدرج المؤسسى، فإننا لا نكون أمام «أسلوب غير تقليدى»، بل أمام إضعاف متعمد لآلية إنتاج القرار الرشيد والدول لا تُقاس فقط بقوتها الصلبة، بل بقدرتها على أن تجعل القوة آخر الأدوات لا أولها.

من هنا تأتى أهمية ما وصفته الصحيفة بـ«فرصة جنيف الضائعة» إذا صحّ أن إيران قدمت عرضًا كان يقطع شوطًا طويلًا فى حل القضية النووية، وأن المفاوضين الأمريكيين لم يفهموا ما عُرض عليهم ببساطة، ثم مضوا نحو الضربة، فنحن لا نكون أمام فشل تفاوضى عادى، بل أمام شىء أخطر: تحول الجهل الفنى إلى وقود قرار استراتيجى، وهذا واحد من أخطر أشكال الخلل فى الدولة الحديثة؛ لأن الخطورة هنا ليست فى أن المفاوض أخطأ، بل فى أن الخطأ لم يُصحَّح عبر مؤسسات وخبراء ومسارات مراجعة، بل تُرك ليصعد مباشرة إلى القمة السياسية، ثم يتحول فى الليلة التالية إلى عمل عسكرى.

وفى هذا المعنى تحديدًا، تصبح الحرب نفسها موضع سؤال: هل كانت ضرورة بعد استنفاد السياسة؟ أم نتيجة لفشل السياسة فى فهم ما عُرض عليها؟ الفارق بين الاحتمالين هائل، فى الحالة الأولى، يمكن للدولة أن تقول إنها جرّبت كل شىء ثم انتقلت إلى القوة، أما فى الحالة الثانية، فالقوة لم تكن امتدادًا للسياسة، بل بديلًا عن نقصها وعندما تُستخدم الحرب بهذه الطريقة، فإنها قد تحقق «إصابة أهداف» لكنها لا تحقق بالضرورة «نصرًا سياسيًا» لأن النصر الحقيقى لا يُقاس بعدد الأهداف المصابة، بل بقدرتك على إنتاج ترتيب جديد أكثر استقرارًا مما كان قبله.

ولهذا تبدو عبارة وزير الدفاع الأمريكى السابق جيم ماتيس لـ«نيويورك تايمز» بالغة الأهمية: «تحديد الأهداف لا يحل محل الاستراتيجية»، هذه الجملة تختصر المأزق كله، فالحرب يمكنها أن تحدد هدفًا، وأن تدمر منشأة، وأن تقصف قاعدة، وأن تُظهر قوة لكنها لا تستطيع وحدها أن تجيب عن الأسئلة الأصعب: ماذا بعد؟ ما شكل الترتيب السياسى؟ ما حدود الرد المقابل؟ ما الذى يمنع الخصم من أن يخرج أكثر تشددًا؟ وما الذى يجعل المجتمع الدولى يرى أنك حققت أمنًا لا مجرد استعراض قدرة؟

هنا ندخل إلى فكرة «معايير النصر»، فكثيرون يخلطون بين النصر العسكرى والنجاح الاستراتيجى، النصر العسكرى قد يكون واضحًا ومباشرًا: ضربة ناجحة، أو إضعاف لبرنامج، أو فرض كلفة على الخصم، لكن النجاح الاستراتيجى أوسع من ذلك بكثير: هل منعت الخصم من استعادة ما خسره؟ هل عززت شرعيتك الدولية أم أضعفتها؟ هل وحّدت حلفاءك أم أربكتهم؟ هل ضيّقت دائرة الخطر أم وسّعتها؟ إذا كانت الإجابة ضبابية، فمعنى ذلك أن «النصر» نفسه ربما يكون ناقصًا أو مؤقتًا.

وفى حالة كهذه، يتضح أن معيار النصر لا يمكن أن يكون فقط «إيقاف إيران»، بل كيف أوقفتها، وماذا أنتج هذا الإيقاف؟ فإذا انتهت الحرب إلى رفض إيرانى أشد، أو إلى مسار سرى بديل، أو إلى اقتناع أعمق داخل طهران بأن امتلاك القدرة النووية هو الضمان الوحيد للبقاء، فإنك قد تكون أبطأت الخطر تكتيكيًا، لكنك عمّقته استراتيجيًا، وإذا انتهت إلى إرباك الحلفاء العرب، وتوسيع الشكوك حول صدقية الدبلوماسية الأمريكية، وإعطاء الوسطاء الإقليميين انطباعًا بأن واشنطن لم تعد تملك سيطرة منسجمة على سياستها الخارجية، فإنك لا تكون قد ربحت بالكامل، حتى لو بدوت قويًا فى الميدان.

والأخطر من ذلك أن هذا النوع من الإدارة المرتجلة يضرب معنى الثقة نفسه عندما يرى الوسطاء، مثل سلطنة عُمان، أن الولايات المتحدة «فقدت السيطرة على سياستها الخارجية»، فهذه ليست مجرد ملاحظة دبلوماسية، بل حكم بالغ القسوة على قدرة الدولة الأعظم على إدارة ملفاتها، والثقة هنا ليست عنصرًا ناعمًا فقط؛ هى جزء من الردع؛ لأن الخصوم والحلفاء على السواء يبنون حساباتهم على افتراض أن الطرف المقابل يعرف ماذا يريد، ويعرف كيف يصل إليه، ويعرف الفارق بين الضغط والتهور. فإذا اهتز هذا الافتراض، ارتفع منسوب المخاطرة لدى الجميع.

فى رأيى، أخطر ما يكشفه تقرير الصحيفة الأمريكية ليس فقط «فوضى المبعوثين»، بل سقوط وهم شائع فى السياسة الأمريكية: أن الشخصية القوية يمكن أن تعوض غياب المؤسسة، وأن الحدس يمكن أن يحل محل الخبرة، وأن العلاقات الشخصية يمكن أن تدير ملفًا نوويًا شديد التعقيد كما تُدار صفقة عقارية أو تفاهم سياسى سريع، هذا الوهم قد يحقق أحيانًا اختراقات تكتيكية، لكنه فى الملفات الوجودية ينتج هشاشة هائلة؛ لأن الملفات الوجودية لا تُدار بالانطباع، بل بالتفاصيل، ولا تُحسم بالحضور الشخصى، بل ببنية معرفة كاملة.

ولهذا فإن المفاوضات ليست تفصيلًا يسبق الحرب، بل هى فى كثير من الأحيان المعيار الحقيقى لمعنى الحرب نفسها إذا كانت قد أُديرت بجدية وخبرة ومؤسسات، ثم فشلت، يكون اللجوء إلى القوة مفهومًا -ولو محل خلاف أما إذا كانت قد أُديرت بارتجال، ثم تحولت إلى ذريعة للضرب، فإن المشكلة لا تعود فى صلابة الخصم وحده، بل فى طريقة تعريف الذات نفسها: هل أنت دولة تفاوض لتمنع الحرب؟ أم تفاوض لتُنتج مبررها؟

معيار النصر فى هذه الأزمة لا ينبغى أن يكون ما إذا كانت واشنطن قادرة على الضرب، بل ما إذا كانت قادرة على تحويل القوة إلى سياسة مستقرة وحتى الآن، ما تكشفه التقارير هو العكس: تراجع المؤسسة، تضخم الارتجال، تهميش الخبرة، وضبابية الهدف، وهذه ليست وصفة لنصر واضح، بل وصفة لحرب قد تبدو ناجحة فى يومها الأول ثم تكتشف بعد ذلك أنها لم تحل المشكلة، بل كشفت فساد الطريقة التى تُدار بها الدولة نفسها.